ترامب “بطة عرجاء جريحة” بعد الانتخابات.. هل يكون أكثر عدوانية؟

لم يعد السؤال عما إذا كانت حرب إيران ستمتد إلى الانتخابات الأميركية النصفية. بل صار السؤال هو كيف ستؤثر الحرب على هذا الاستحقاق وما بعده؟ هل يفقد الجمهوريون غالبيتهم الضئيلة أصلاً في غرفتي الكونغرس، أم يتمكنون من الاحتفاظ بالغالبية في مجلس الشيوخ على الأقل، وسط ترجيحات بخسارة محققة في مجلس النواب؟

يمضي الجمهوريون إلى الانتخابات، مدركين الضرر الذي ألحقته الحرب على إيران بفرص الاحتفاظ بالهمينة على الكونغرس. يتأتى الضرر بالدرجة الأولى، من ارتفاع أسعار البنزين والديزل والأسمدة الزراعية، بسبب اغلاق إيران لمضيق هرمز. ويضاف إلى ذلك، تلك الخيبة التي شعرت بها قاعدة ترامب الانتخابية الرئيسية من تيار “ماغا”، لأن الرئيس خالف أحد وعوده الرئيسية في السياسة الخارجية، بألا يزج بأميركا في حرب أبدية أخرى في الخارج.

الاستياء لا يقتصر على “ماغا”، بل يمتد إلى إعلاميين ومؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، ممن كان لهم باع طويل في عودة ترامب إلى البيت الأبيض في 2024. وفي مواجهة الانتقادات المتزايدة لحرب لا تحظى بشعبية منذ بدايتها، عمد البنتاغون سراً إلى تعيين مؤثرين عسكريين سابقين من ذوي التوجهات المحافظة لديهم نسبة متابعين واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، في مناصب حكومية. والمهمة الملقاة على عاتق هؤلاء، تتلخص في الترويج لآراء وزير الحرب بيت هيغسيث، ومهاجمة منتقدي إدارة ترامب.

ويرى المنتقدون أن الحرب لم تتسبب بزيادة التضخم فحسب، وإنما أضرت أيضاً بمكانة أميركا في العالم، وأفقدتها الكثير من عناصر القوة، وجعلت الحلفاء يعملون بشدة على البحث عن بدائل للولايات المتحدة لضمان استقرارهم، سواء من طريق تحالفات إقليمية، كالحلف الناشىء بين السعودية وتركيا وباكستان، أو الائتلاف الدولي الذي تدفع نحوه الرياض لتأمين خطوط الملاحة البحرية. وها هي الصين تُعزّز شراكتها مع دول المنطقة، وزيارة الرئيس شي جين بينغ لمصر، أسطع مثال على ما بلغته العلاقات الصينية-المصرية من تطور على المستويات كافة بما فيها العسكرية التي شملت مناورات مشتركة في وقت سابق من العام، علماً أن مصر كانت تُعتبَر منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد ركيزة أساسية من ركائز السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. ويحذر المعلق في صحيفة “هآرتس” تسفي برئيل، من أن “زيارة الرئيس الصيني لمصر ليست استعراضاً للصداقة والتبادل التجاري فحسب، فمصر تمثل منصة لعرض حضور الصين في منطقة يتراجع فيها النفوذ الأميركي”.

لا يُلقي ترامب بالاً، أقله في العلن، للانتخابات النصفية. ويرد على الشاكين من احتمال خسارة الحزب الجمهوري للانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، بأن الأمن القومي الأميركي أهم من ارتفاع أسعار الوقود، ويُصوّر الأمر على أنه ضريبة يدفعها الأميركيون لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، لأنها، بحسب زعمه، ستستخدم القنبلة النووية فور حصولها عليها، لإزالة إسرائيل من الوجود.

وزاد منسوب القلق لدى الجمهوريين، مع تجدد الضربات المتبادلة بين أميركا وإيران، عقب هدوء استمر طوال شهر آب/أغسطس تقريباً، وفي ذروة الحرب الاقتصادية التي أعلنتها واشنطن قبل أسبوعين لدفع النظام في إيران إلى الانهيار.

تجدر الإشارة إلى أن جولات القتال الأخيرة تسببت بارتفاع سعر برميل النفط عالمياً إلى ما فوق 94 دولاراً، وهو الأعلى منذ تموز/يوليو المنصرم. وانعكس هذا الارتفاع زيادة في سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة إلى 4.14 دولارات، بينما بلغ سعر غالون الديزل 5.85 دولارات. ومما زاد في الطين بلة، أن صفقة النفط الفنزويلية الأخيرة، كانت عديمة الأثر على أسعار الوقود في العالم أو في أميركا.

وتُطيح هذه الزيادة في الأسعار، بخطاب ترامب الذي يؤكد سيطرة البحرية الأميركية على مضيق هرمز، وبأن الملايين من براميل النفط تتدفق يومياً عبر المضيق. بينما بيانات شركات التتبع الملاحي تفيد بتراجع واضح في أعداد السفن العابرة للمضيق بسبب الاستهدافات الإيرانية المتصاعدة.

وحملت هذه التطورات المتسارعة، مساعدين لترامب على حضه في الاجتماعات المغلقة، وفق ما يرشح في الصحافة الأميركية، على الجنوح إلى التهدئة من الآن وحتى موعد الانتخابات النصفية، كي لا تحترق فرص الجمهوريين بالابقاء على سيطرتهم على الكونغرس.

 وعلى عكس ما يقول ترامب في مؤتمراته الصحافية وعبر تغريداته على منصة “تروث سوشيل”، من أنه غير مستعجل إنهاء الحرب، فإنه كما أمل في أن ينهار النظام في غضون ستة أسابيع من الضربات الأميركية والإسرائيلية، فإنه يستعجل انهيار إيران تحت وطأة العقوبات الاقتصادية المشددة في إطار حملة “المنبوذ الاقتصادي”. والملاحظ أن ترامب عاد يوم الثلاثاء الماضي إلى السؤال “متى ينتفض الإيرانيون؟”، مما أعاد إلى الأذهان مخاطبة الإيرانيين في مستهل الحرب بأن “هذه فرصة للانقضاض على النظام لن تتكرر لأجيال”.

ويلفت الباحث غير المقيم في مؤسسة “الأولويات الدفاعية” إريك غارتزكي النظر في مقال بمجلة “ذا ناشيونال إنترست” الأميركية، إلى أن “توسيع نطاق الحرب (لتشمل الاقتصاد) لا يعني بالضرورة كسبها، بل إن هذه الاستراتيجية الجديدة تزيد في الواقع من انكشاف نقاط الضعف الهيكلية لدى الغرب. فالولايات المتحدة لا تولي تحقيق النصر على إيران الأهمية ذاتها، التي توليها طهران لتجنب الهزيمة، التي تعتبرها مرادفاً لبقاء النظام”.

إقرأ على موقع 180  تايوان أخطر مكان على وجه الأرض!

وفي رأي مشابه، نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية تقريراً الخميس الماضي، جاء فيه أن “يوم الإنزال الاقتصادي الذي كشفت عنه إدارة ترامب الأسبوع الماضي، يهدف إلى إجبار إيران على إعادة فتح مضيق هرمز والعودة إلى طاولة المفاوضات، لكن تجربة العقوبات الغربية والضغوط الاقتصادية على الأنظمة الاستبدادية مثل كوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا وسوريا (والعراق) تظهر التحديات التي تواجه واشنطن في محاولتها إخضاع طهران لإرادتها”.

 وهذا ما يُعزّز مقولة أن استسلام إيران تحت وطأة الحرب الاقتصادية الأميركية، ما يزال في حاجة إلى اثبات.

من الان، وحتى موعد الانتخابات النصفية، يحاول المسؤولون في إدارة ترامب التخفيف قدر الامكان من تأثيرات المواجهة مع إيران، التي أقر نائب الرئيس جي. دي. فانس بأنه لا يعلم متى يمكن أن تنتهي، لكنه رفض وصف ما يجري بالحرب.

أما هيغسيث، فقد عمد بهدوء ومن دون ضجيج إلى تمديد فترة انتشار القوات الأميركية في الشرق الأوسط إلى 2027. إلا أن وزير الحرب لم يتمكن من احتواء الخلافات بينه وبين القادة الكبار في إدارة ترامب حول إيران، وبينهم وزير الجيش دان دريسكول الذي بات خامس مسؤول كبير يغادر منصبه منذ بدء الحرب قبل أكثر من ستة أشهر.

وثمة سؤال يتردد كثيراً حول سلوك ترامب بعد الانتخابات في حال تلقى حزبه هزيمة مدوية؟ على ذلك، يجيب الكاتب في مجلة “الإيكونوميست” البريطانية ديفيد ريني، بأنه في هذه الحال “سيتحول ترامب إلى بطة عرجاء جريحة”، ولذا من المحتمل أن يكون أكثر عدوانية في السياسة الخارجية.

 

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  بري إلى باريس بعد ميقاتي.. وماكرون يخشى "الجنون الإسرائيلي"!