تقييم فانس يكشف كلفة الحرب الأميركية.. الطويلة

يسود القلق داخل واشنطن حيال مسار الحرب مع إيران، على نحو لا تعكسه لغة الانتصار التي تطغى على الخطاب الرسمي. فالتقييمات التي جمعها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس من قادة عسكريين ومحللي استخبارات ترسم صورة أكثر تعقيدًا: استنزاف متزايد لمخزونات الأسلحة، وضغوط على صواريخ الاعتراض والذخائر الدقيقة، وقدرة إيرانية على التكيف مع الضربات وتحمل خسائر كبيرة، في وقت تضطر فيه الولايات المتحدة إلى التفكير في حرب لا تُقاس بنتائج الضربات اليومية فقط، بل بقدرتها على الاستمرار فيها.

القضية، إذًا، لا تتعلق بحجم التفوق العسكري الأميركي بقدر ما تتعلق بالزمن. فواشنطن تستطيع إلحاق أضرار واسعة بإيران، لكن كلما طال أمد الحرب برزت أسئلة أكثر صعوبة: إلى أي مدى يمكن مواصلة القتال؟ وما حجم الكلفة التي يمكن تحملها؟ وكيف يمكن الحفاظ على القدرة العسكرية اللازمة لردع الصين وروسيا وكوريا الشمالية، فيما تُستهلك كميات متزايدة من الذخائر والقدرات في الشرق الأوسط؟

هذا هو جوهر التقييمات التي كشفتها «نيويورك تايمز»، والتي تبدأ من الطريقة التي اختار بها فانس الحصول على المعلومات. فخلال الربيع والصيف، أجرى اتصالات مباشرة مع قادة عسكريين أميركيين في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، طالبًا تقييمات صريحة لأهداف الحرب وتكتيكاتها وفرص نجاحها، وقدرة إيران على تحمل الضربات والتكيف معها، وخياراتها في مضيق هرمز. كما طلب تقديرات حول مخزونات الأسلحة والذخائر، وتداعيات نقلها إلى الشرق الأوسط على قدرة الولايات المتحدة على ردع خصومها في ساحات أخرى.

ولم يقتصر الأمر على القادة العسكريين. فقد حصل فانس على وصول مباشر إلى محللي وكالة الاستخبارات المركزية، وكان يستطيع طلب المعلومات الخام والاستفسار عن تفاصيل التقارير. كما تلقى من مكتب الاستخبارات البحرية تقارير يومية عن حركة السفن في مضيق هرمز، بينما كان الجنرال دان كين يطلعه على تفاصيل الضربات الأميركية قبل تنفيذها وبعدها.

بمعنى آخر، كان فانس يبحث عن صورة الحرب كما يراها العسكريون وأجهزة الاستخبارات، بعيدًا عن الصياغات السياسية المعتادة. وهنا تكمن أهمية القصة: نائب الرئيس لم يكتفِ بالتقارير الرسمية التي تصل عبر التسلسل الإداري والسياسي، بل سعى إلى قناة مباشرة تمنحه صورة أقل تزيينًا وأكثر اقترابًا من حسابات الميدان والاستنزاف.

وجاءت الإجابات أكثر قسوة من الخطاب المعلن. فقد أبلغ قادة عسكريون عن تراجع مخزونات صواريخ «باتريوت» الاعتراضية إلى مستويات شديدة الانخفاض، حتى إن أحد المسارح العسكرية كان يملك في أواخر الربيع أقل من مئة صاروخ. كما استُنزفت مخزونات صواريخ ATACMS وصواريخ PrSM، ووصلت ذخائر أساسية إلى مستويات وصفها مسؤولون بأنها الأدنى التي شاهدوها خلال مسيرتهم العسكرية.

وخرج فانس من بعض هذه المحادثات بمخاوف عميقة حيال الاستراتيجية الأميركية وفرص نجاحها، ونقل خلاصاته إلى ترامب ودائرته المقربة. وهكذا تحولت مسألة المخزونات من شأن لوجستي إلى سؤال استراتيجي: هل تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في حرب مرتفعة الاستهلاك من دون أن تؤثر في جاهزيتها لمواجهة أزمات محتملة في ساحات أخرى؟

في الجانب الإيراني، حملت التقييمات صورة مختلفة عن توقعات الانهيار السريع. فقد أظهرت طهران قدرة على تحمل خسائر كبيرة، ومواصلة القتال، والتكيف مع الضربات، وإعادة تنظيم جزء من قدراتها العسكرية. وتزداد أهمية هذه الصورة إذا قورنت بالتقديرات التي سبقت الحرب، حين توقع ترامب انهيار الحكومة الإيرانية خلال أيام، بينما وضعت خطط البنتاغون الأولية الحرب على أساس نحو ستة أسابيع.

ومع امتداد القتال، بدأ البحث عن إطار تفاوضي يمكن أن يضع نهاية للحرب، بعدما تبيّن أن داخل الإدارة الأميركية نفسها تقديرات أكثر تشاؤمًا من الخطاب العلني، وأن فكرة الحسم السريع لم تعد بالوضوح الذي بُنيت عليه الحسابات الأولى.

وتزداد هذه الحسابات تعقيدًا مع اتساع دائرة الضغط خارج الأراضي الإيرانية نفسها. فتصاعد قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة عند باب المندب والبحر الأحمر يفرض على الولايات المتحدة وحلفائها إبقاء موارد بحرية وجوية ودفاعية إضافية في المنطقة، في وقت تحاول فيه واشنطن إدارة استنزاف متزايد في الذخائر والمنظومات الاعتراضية. وهكذا لا تعود الحرب مع إيران محصورة في جبهة واحدة، بل تتحول إلى شبكة من الضغوط تمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، بما يرفع كلفة الانتشار ويجعل عامل الزمن أكثر حساسية في الحسابات الأميركية.

وإذا كانت اتصالات جي دي فانس تكشف حجم القلق داخل دوائر التقييم العسكري والاستخباري، فإن تقارير أخرى تشير إلى أن هذا القلق انتقل إلى مستوى التخطيط السياسي للحرب نفسها. فقد أفادت «وول ستريت جورنال» بأن فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو ومسؤولين آخرين ناقشوا مع ترامب احتمال امتداد الصراع حتى نهاية ولايته، فيما أشارت «ذي أتلانتيك» إلى أن الإدارة تستعد لاحتمال مواجهة طويلة، مع تمديد انتشار قوات أميركية والإبقاء على قدرات عسكرية كبيرة في المنطقة.

ولم تتوقف حساسية الإدارة عند محاولة ضبط الخطاب العلني. فبعد تسرب تقارير عن تراجع مخزونات الأسلحة الأميركية، وخصوصًا صواريخ «باتريوت»، فتحت وزارة الحرب تحقيقًا في مصدر التسريبات، وخضع عشرات الضباط والمسؤولين الكبار في البنتاغون لاختبارات كشف الكذب. وكان ترامب غاضبًا من نشر معلومات عن تراجع المخزونات، وسط مخاوف من أن تكشف هذه المعلومات نقاط ضعف تراقبها الصين وروسيا عن كثب.

إقرأ على موقع 180  "محور المقاومة".. حروب بالوكالة أم دكاكين سياسية أم اتحاد مصالح؟ 

وهنا تظهر الفجوة بين الحسابات الداخلية والخطاب المعلن. ففي الوقت الذي تناقش فيه الإدارة احتمال حرب تمتد أشهرًا أو سنوات، يواصل ترامب الحديث عن تدمير القدرات الإيرانية واقتراب النصر، فيما سبق لفانس نفسه أن قلل علنًا من توصيف المواجهة باعتبارها حربًا. هذه المسافة بين ما تعرفه الإدارة وما تقوله للجمهور تكشف حجم المأزق السياسي الذي بات يرافق المأزق العسكري.

ولهذا اكتسبت تقييمات فانس أهميتها في الصحافة الأميركية. القضية لا تتعلق بنقص بعض الصواريخ فقط، بل بصورة الحرب داخل الإدارة نفسها: قوة عسكرية قادرة على إلحاق أضرار هائلة بإيران، لكنها تجد نفسها في مواجهة صراع يتجاوز التقديرات الأولى، ويستهلك الذخائر والانتشار العسكري والجاهزية العالمية بوتيرة متزايدة.

ولا شك في أن الولايات المتحدة ما زالت تملك تفوقًا عسكريًا هائلًا. لكن الأسلحة التي تُستهلك في إيران تحتاج إلى وقت لإعادة إنتاجها، والقوات المنتشرة في المنطقة تحتاج إلى إعادة تأهيل وتعويض، فيما لم تختفِ الالتزامات الأميركية تجاه الصين وروسيا وكوريا الشمالية بسبب الحرب.

المشكلة التي تكشفها تقييمات فانس ليست أن الولايات المتحدة عاجزة عن إلحاق الأذى بإيران، بل أن قدرتها على إدامة الحرب بدأت تتحول هي نفسها إلى جزء من معادلة الحرب.

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  حظوظ علاوي تتراجع.. وصلاحيات الحكومة إلى رئاسة العراق!