ربع قرن على هجمات 11 أيلول.. ترامب ينقلب على “أميركا أولاً”!

بعد 25 عاماً على هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر البنتاغون في واشنطن، لا تزال آثار الصدمة بادية على الولايات المتحدة. انقلبت حياة الأميركيين وكذلك حياة الناس في دول أخرى وتغير مسار التاريخ، كما تغيّر عقب الهجوم الذي كان معادلاً للمباغتة اليابانية لبيرل هاربور في 1941.

إذا عُدنا إلى الوراء، نجد أن لحظة 11 أيلول/سبتمبر وحّدت الأميركيين خلف جورج دبيلو بوش، بعدما كانوا غارقين في جدل حول الظروف الملتبسة التي رافقت انتخابه في مواجهة الديموقراطي آل غور. فجأة، وجدت أميركا نفسها في حرب لم تكن مستعدة لها، لا من حيث الحجم ولا المكان ولا التوقيت.

أمام هول حدث 11 أيلول/سبتمبر، تقبل الأميركيون القوانين التي أقرتها السلطات برغم ما تضمنته من تقييد للحريات الشخصية ورقابة على الكثير من المجالات باسم “قانون الوطنية”. وعلى سبيل المثال، تأسست وزارة الأمن الداخلي ووكالة الاستخبارات الوطنية، مع منح صلاحيات واسعة لوكالة الاستخبارات المركزية “سي آي إي” ومكتب التحقيقات الفيدرالي “إف بي آي”. وقفز عدد فرق مكافحة الإرهاب في الجهازين من 35 إلى 200 اليوم. باختصار، وافق الأميركيون على أن يضعوا أمنهم وسلامتهم قبل حرياتهم.

وبقدر ما كانت القوانين الجديدة تقلب نمط عيش الأميركيين، الذين كانوا منشغلين وقتذاك باحتمالات أن تشن “القاعدة” هجمات بأسلحة كيميائية وبيولوجية وحتى نووية، كانت “الحرب على الإرهاب” التي أعلنها بوش، ومؤيدة بـ”تفويض لاستخدام القوة”، تؤسّس لتغيير آخر في حياتهم وتأخذهم إلى “حروب أبدية” أشدها هولاً تلك التي أخذت الجيش الأميركي إلى كل من أفغانستان والعراق.

كلّفت هذه الحروب أميركا 8 تريليونات دولار، أي نحو ربع دين البلاد البالغ أكثر من 40 تريليون دولار حالياً، وأودت بحياة 900 ألف شخص. وخسرت الولايات المتحدة 7 آلاف جندي بينما أصيب 53 ألفاً آخرين بجروح، وأقدم أكثر من 30 ألفاً على الانتحار. واستناداً إلى مشروع “تكاليف الحرب” لجامعة براون بولاية رود آيلاند، فإنه من المقرر انفاق تريليونات أخرى على الرعاية الصحية لقدامى المحاربين ولنحو نصف مليون جندي عانوا من ارتجاج في الدماغ أو من صدمات نفسية.

وبينما التف الأميركيون حول بوش في حربه على أفغانستان للقضاء على “القاعدة” في الأشهر التي تلت 11 أيلول/سبتمبر مباشرة، أتت حرب العراق عام 2003 لتُحدث انقساماً داخل أميركا والعالم. صنّف بوش نظام صدام حسين وإيران وكوريا الشمالية ضمن “محور الشر”. وبذلك، مهّد للحرب التالية على العراق بدفع من نائبه ديك تشيني و”المحافظين الجدد”، بدعوى امتلاك نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل، وبإقامة علاقة مع تنظيم “القاعدة”.

ويُسلّط مدير الـ”سي آي إي” في عهد بوش، جورج تينيت في مذكراته “في قلب العاصفة” الضوء على 11 أيلول/سبتمبر وما تلاه من قرارات للرد على الهجمات، وهو يستغرب في هذا السياق كيف أن تشيني سارع في الاجتماع الأول الذي عقدته الإدارة الأميركية عقب الهجمات، إلى الدعوة إلى غزو العراق قبل أن يتبين بوضوح هوية الجهة التي تقف خلف تلك الهجمات.

يدل هذا على كيفية انتهاز “المحافظين الجدد” الذين هيمنوا على إدارة بوش وبينهم تشيني وبول وولفوفيتز ودونالد رامسفيلد ودوغلاس فيث وجون بولتون، حدث 11 أيلول/سبتمبر لتنفيذ سياسات خارجية، جاءت نتائجها كارثية كما تبين لاحقاً. وللمفارقة أن بولتون وفيث هما من أشد المنتقدين للسياسة الخارجية لدونالد ترامب حالياً.

حربان بأكلاف عالية

قلب الغزو الأميركي للعراق الشرق الأوسط الذي لم يتخلص بعد من تداعيات ذاك الزلزال، الذي يحصد ترامب إحدى نتائجه الآن في حربه مع إيران. بعد الغزو، لم يعثر الجيش الأميركي على أسلحة للدمار الشامل في العراق، ولم يكن صدام حسين على علاقة بـ”القاعدة”. وجاء التنظيم الجهادي إلى العراق بعد الغزو مستغلاً الفوضى التي دبّت في البلاد التي أضحت بلا جيش وبلا أي نوع من أنواع السلطة.

ومع تدحرج الوقت، غرقت أميركا في حرب استمرت حتى 2011، وأسّست لصعود تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) من رحم “القاعدة” عام 2014، وأعادت القوات الأميركية إلى العراق من جديد.

وباسقاط صدام حسين، حصلت إيران على جائزة استراتيجية لم تكن تحلم بها. إذ تعزّز نفوذها على نحو غير مسبوق في العراق، كون الأحزاب التي تولت السلطة هناك هي أحزاب معظمها يدين بالولاء للنظام الإيراني. ومن البوابة العراقية ثبتت إيران “محورها” في المنطقة.

ولم تنعم القوات الأميركية بالسلام في أفغانستان أيضاً، إذ بعد فترة من الهدوء، لملمت حركة “طالبان” شتاتها في باكستان المجاورة، واندفعت في حرب استنزاف ضد الجيش الأميركي والنظام المدعوم من واشنطن. واتخذ ترامب في ولايته الأولى قراراً بالانسحاب، نفذه خلفه جو بايدن في آب/أغسطس 2021، بينما كانت كابول تقع في أيدي “طالبان”، وتعود إلى الحكم بعد عشرين سنة من اقصائها عنه.

كلفة الحربين كانت كبيرة على العالم وعلى أميركا نفسها، وفق ما تقدم آنفاً. وترتبت عليهما توازنات دولية جديدة. وفي الوقت الذي كانت تنشغل فيه الولايات المتحدة بالحروب في الخارج، كانت الصين تصعد إلى مرتبة القوة الاقتصادية الثانية في العالم، وتشكل تحدياً لمكانة أميركا في التجارة والتكنولوجيا والذكاء الإصطناعي، وتعمل على نحو دؤوب على تطوير نفوذها بالقوة الناعمة والطرق والممرات التجارية والاستثمارات من المحيطين الهادىء والهندي، إلى أميركا اللاتينية وإفريقيا والشرق الأوسط.

إقرأ على موقع 180  عندما نمنا لأوّل مرّة من دون بيروت!

الشعور بفداحة الثمن الذي يدفعه الأميركيون بسبب حروب ممتدة لأكثر من عقدين، عزّزت شعور الانعزال لديهم، ورفعوا شعار “أميركا أولاً”. ويُعزى الفضل لهذا التيار بإيصال ترامب إلى الرئاسة مرتين في 2016 و2024. لكن ترامب لم يكن أميناً لهذا الشعار بعدما ظهرت عليه أعراض إمبريالية، بدءاً بالمطالبة بضم كندا وجزيرة غرينلاند الدانماركية وباستعادة قناة بناما، وعمد إلى خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وشنّ حروباً تجارية ضد الخصوم والحلفاء، وزعم أنه أوقف 8 حروب في العالم، طامحاً إلى نيل جائزة نوبل للسلام.

التاريخ يُعيد نفسه

عملياً، نسف ترامب شعار “أميركا أولاً” عندما ذهب إلى الحرب ضد إيران في 28 شباط/فبراير الماضي بالشراكة مع إسرائيل. برّر ترامب الحرب بالقضاء على البرنامج النووي الإيراني واسقاط النظام، وحدّد ستة أسابيع لما أسماها “النزهة القصيرة” في إيران، فإذا به يجد نفسه متورطاً في نزاع يقترب من انهاء شهره السابع مع توقعات بأن يمتد إلى ما بعد ولايته التي تنتهي بعد سنتين ونيف.

ما حصل هو أمرٌ ليس غريباً على أميركا، إذا ما قورن وضعها بعد ربع قرن على هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، وبوضعها بعد ربع قرن على هجمات بيرل هاربور في كانون الأول/ديسمبر 1941. ففي العام 1966 كانت الولايات المتحدة غارقة في حرب فيتنام، وفي 2026 ها هي غارقة في حرب إيران.

وكما كان ليندون جونسون يعد الأميركيين بالنصر في فيتنام، يُكرّر ترامب يومياً معزوفة أن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً طالما هو موجود في عهده، وبأنه قضى على منشآتها النووية بالكامل، وأيضاً على قدراتها الصاروخية والجوية والبحرية، وما على طهران إلا أن تستسلم.

الواقع، يشير إلى خلاف ما يزعمه ترامب. إيران، هي أكثر تشدداً اليوم مما كانت في 27 شباط/فبراير، وبرنامجها النووي يكتنفه الغموض، وهي تتحكم إلى حد كبير بالملاحة في مضيق هرمز، وقبل أيام سيطر حلفاؤها الحوثيون في اليمن على مضيق باب المندب، مما يضع في نهاية المطاف مضيقين، تعبر منهما نسبة 34 في المئة من التجارة العالمية، تحت نفوذ إيران. وبحسب وسائل الإعلام الأميركية، فإن الحرب استنزفت ذخائر حيوية للجيش الأميركي، بينما تمكنت إيران من اعادة بناء الكثير من قدراتها الصاروخية.

وبرغم الحرب الاقتصادية التي شبهها ترامب بانزال النورماندي العسكري للحلفاء إبّان الحرب العالمية الثانية والحصار البحري وتشديد العقوبات، لا يظهر النظام في إيران إمارات ضعف، بل يندفع في اتجاه التصعيد وتكبيد ترامب خسارة مدوية في الانتخابات النصفية بعد أقل من شهرين. الضغط الاقتصادي الأميركي يؤثر على الإيرانيين العاديين الذين يتحملون عبء انهيار العملة الوطنية وارتفاع البطالة والتضخم، ولا يُحدث تصدعاً في بنية النظام الذي يخوض معركة البقاء.

ومع ارتفاع أسعار البنزين والمازوت في أميركا إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود، يشعر ترامب بالوطأة، إلى حد اعلانه مكافأة 5 آلاف دولار لكل أميركي بالغ، في حال احتفظ الجمهوريون بمجلسي الكونغرس. ولم يقل من أين سيأتي بالمال الذي يمكن أن يضيف تريليونات أخرى، على المديونية الأميركية.

أميركا ليست أفضل

وفي الداخل، استغل ترامب “قانون الوطنية” الذي أقر عقب هجمات 11 أيلول/سبتمبر، لمهاجمة خصومه السياسيين، والتصرف كملك وتجاهل الكونغرس، كما أنّه يخوض “حروب ترحيل” المهاجرين غير الشرعيين ويطلق اسمه على الكثير من معالم المدن الأميركية، واصفاً نفسه بأنه أعظم رئيس عرفته الولايات المتحدة، متجاوزاً جورج واشنطن وابراهام لينكولن وفرانكلين روزفلت.

وهكذا تبقى مفاعيل الرد الأميركي على لحظة 11 أيلول/سبتمبر 2001 قائمة، مع أن الولايات المتحدة لم تتعرض لهجمات مماثلة على أراضيها مذاك. وما حدث طوال 25 عاماً كان عبارة عن أفعال ارتكبتها “ذئاب جهادية منفردة” أسفرت عن مقتل 122 شخصاً منذ 2001. ويرى أقل من واحد في المئة من الأميركيين أن الإرهاب يمثل القضية الأبرز التي تواجه البلاد.

هل أميركا أفضل بعد ربع قرن على 11 أيلول/سبتمبر؟ الوقائع وحدها الكفيلة بالإجابة.

 

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  المفاوضات النووية.. "الشيطان" في التفاصيل