في الأسبوع الماضي، طغت رسالة حملها وفد قطري وصل على عجل إلى طهران ليل 25 تشرين الأول/أكتوبر، من جي. دي. فانس إلى أمين مجلس الأمن القومي الإيراني الجنرال محسن رضائي، على زيارة مثيرة للاهتمام قام بها وفد رفيع المستوى من دول “تحالف مكة” الثلاثي، السعودية وباكستان وتركيا، إلى طهران. هذان التطوران حملهما رضائي إلى اجتماع عقده في اليوم التالي مع المرشد الإيراني مجتبى خامنئي.
الكشف عن رسالة فانس إلى رضائي في الإعلام الأميركي، تزامن مع الإعلان عن نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي لم يستطع فيها ائتلاف بنيامين نتنياهو الحاكم الحصول على غالبية تخوّله تأليف حكومة جديدة، برغم أن حزبه الليكود تصدر بقية الأحزاب اليهودية. لو حصل نتنياهو على غالبية صريحة في الكنيست، لكان اعتبر ذلك بمثابة تفويض من الإسرائيليين لشن حرب أخرى. قد يكون مفيداً التذكير أن فانس، بخلاف ترامب، لم يعلن عن تأييده لرئيس الوزراء الإسرائيلي في الانتخابات، وتتسم العلاقة بين الإثنين بالجفاء، وتخللتها انتقادات علنية متبادلة.
ها هنا يثور سؤال أساسي: هل أراد فانس برسالته إلى رضائي قطع الطريق على حملة التعبئة الأميركية-الإسرائيلية لشن عمل عسكري عقب الانتخابات النصفية الثلاثاء في الولايات المتحدة، وفق ما يدأب ترامب على ترداده، علماً أن شن حرب جديدة بلا أهداف واضحة لن تسفر عن نتائج مختلفة لحرب الأربعين يوماً. ولا يقتصر التشكيك بجدوى الخيار العسكري المزمع على دوائر أميركية، بل يتعداه إلى المستوى العسكري والأمني في إسرائيل. وزد على ذلك، أن ترامب يريد تصعيداً عسكرياً يفضي إلى اقناع الإيرانيين بالجلوس مجدداً إلى طاولة الحوار، أما نتنياهو فيريد حرباً تستمر حتى اسقاط النظام الإيراني.
والملفت للانتباه أن فتح القناة الأميركية الجديدة مع طهران جاء في لحظة تتناقض فيها أهداف ترامب ونتنياهو، كما أن اختيار رضائي تحديداً يشير إلى الاهتمام بالتواصل مع شخصية هي الأكثر قدرة على التقرير في إيران، وعلى الانتقال بالمفاوضات إلى جوهر المطلبين الأميركي والإيراني. أميركا تريد مقاربة الملف النووي، وإيران تريد مقاربة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. وتتفرع عن هذين المطلبين مسائل أخرى تتعلق بمستقبل مضيق هرمز، ووقف الحرب على “كل الجبهات” والحصول على ضمانات أميركية بعدم التعرض لهجمات جديدة.
وإذا كان رضائي قد اكتفى بالقول إنه تلقى رسالة من فانس ولن يكشف عن مضمونها طالما أن الأميركيين لم يبادروا إلى ذلك أولاً، إلا أنه ألمح إلى أن النبرة الأميركية “قد تغيرت تماماً، وهذا بالطبع مؤشر جيد للغاية على أن شعب إيران قد ثبّت انتصاره”، وأردف في حديث تلفزيوني أن واشنطن تبدي في رسالتها استعدادها لقبول شروط إيران السبعة.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن طهران درست رسالة فانس بدقة وناقشتها في اجتماعات رفيعة المستوى، واعتبر في مقابلة مع “الجزيرة” أن محاولة الجانب الأميركي فتح باب الحوار والتفاهم “تعد خطوة إيجابية”.
وبالتزامن، نقلت وكالة الأنباء الإيرانية عن مجتبى خامنئي توجيهاته إلى كبار القادة العسكريين الإيرانيين خلال استقبالهم “بأن يُواجَه كل مستوى من مستويات التهديد، أيًّا كان نوعه، بردّ فوري وفاعل، ومن دون أي قيود جغرافية”. ودعا إلى تحديث بنك الأهداف على نحو يتيح وضع مختلف أنواع الأصول المادية وغير المادية للأميركيين والإسرائيليين “في مرمى نيران القوات (الإيرانية) المسلّحة”. وشدّد على أن الإيرانيين هم الذين سيقررون هذه المرة زمن انتهاء الحرب.
في هذا السياق، يرى المعلق في صحيفة “الواشنطن بوست” ديفيد اغناتيوس، أن “تواصل فانس، يعكس تقدير إدارة ترامب بأن رضائي هو نقطة الاتصال الأساسية في طهران، والشخص الوحيد القادر على بناء توافق في الآراء حول اتفاق لوقف البرنامج النووي”. ولاحظ أن هذا الأمر لم يتحقق خلال جولتي مفاوضات مع قاليباف وعراقجي.
ولا يمكن لطهران التي تدرس الرد على رسالة فانس، إلا الأخذ في الاعتبار أن ترامب في طريقه إلى هزيمة قاسية في الانتخابات النصفية بعد يومين، وبأن ذلك قد يحمله على التعجيل بالعودة إلى الخيار العسكري، لأنه يريد أن يثبت أن نتائج الانتخابات لا تؤثر على موقعه كقائد أعلى للقوات المسلحة الأميركية، وثانياً، لأنه واثق من أنه إذا لم يوجه ضربة لإيران، فإن أي رئيس أميركي آخر لن يفعل ذلك، ابتداء بفانس الذي يعتبر الأوفر حظاً لنيل ترشيح الحزب الجمهوري في 2028، فكم بالحري إذا فاز مرشح ديموقراطي؟
هذان الاعتباران، يُعزّزان الاتجاه نحو الحرب، علاوة على أن نتنياهو قد يجد في الحرب، وسيلة لفرض واقع أمني-سياسي في إسرائيل يرغم المعارضة الإسرائيلية على الإنضواء في حكومة وحدة وطنية بزعامته، وفق ما يرغب ترامب.
كل هذا، يؤكد أن قرار الحرب جديٌ وليس مناورة. السبيل الوحيد المتبقي الآن، هو تجاوب إيراني مع دعوة فانس إلى مفاوضات بأقصى سرعة في تركيا أو في قطر، من دون شروط مسبقة، وبجدول أعمال يتضمن هواجس أميركا وهواجس إيران.
ما يمكن أن يقنع ترامب بالعدول عن الحرب، هو موافقة إيران على مناقشة برنامجها النووي بنداً أول في أي مفاوضات. وهذا يتطلب من إيران ابداء مرونة إزاء تنفيذ أميركا لمطالبها السبعة التي تطرحها شرطاً مسبقاً قبل الدخول إلى الملف النووي.
والبديل عن المفاوضات، سيكون “تصعيداً مدمراً”، وفق ما حذّر السناتور الأميركي الديموقراطي البارز كريس مورفي، الذي أطلع من الإدارة الأميركية على الأهداف المنوي قصفها وبينها البنى التحتية المدنية. وتهدد إيران في المقابل بقصف البنى التحتية في دول الجوار وبقطع كابلات الإنترنت التي تمر أسفل مضيق هرمز، وبرد “من خارج التوقعات”.
وبصرف النظر عن النتائج التي ستنتهي إليها الانتخابات النصفية، يكون الاستعداد قد بدأ لمعركة الرئاسة بعد سنتين. ومن الثلاثاء فصاعداً، يفترض بفانس أن يبدأ التحضير لهذه المعركة. واستمرار النزاع مع إيران سيؤدي إلى تهديد فرص الجمهوريين بالاحتفاظ بالبيت الأبيض، كما هم مهددون بخسارة مجلس النواب على الأقل بعد يومين، إن لم يكن مجلس الشيوخ أيضاً، على خلفية ارتفاع التضخم بسبب حرب إيران، وعدم اقتناع الناخبين بنظرية ترامب، بأن قصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لمصافي النفط الروسية، هو السبب في رفع أسعار البنزين والديزل، وليس حربه على إيران.
والاستنتاج، هو أنه لم يكن صدفة، أن يبادر فانس إلى التحرك ديبلوماسياً لمنع حرب أخرى في الشرق الأوسط، لا شيء يضمن بأنها ستقتصر على حملة “قصيرة ومكثفة” لبضعة أيام. تجربة حرب شباط/فبراير الماضي، توقع لها ترامب أن تستمر أربعة أسابيع، فإذا بها تتواصل للشهر التاسع على التوالي.
لا يرمي فانس من وراء مبادرته إلى انقاذ الجمهوريين في الانتخابات النصفية، لأن الآوان قد فات على ذلك، وجلّ تركيزه اليوم على منع الديموقراطيين من العودة إلى البيت الأبيض في 2028. ومنذ الآن، بدأت تعقد مقارنات بين ظاهرة باراك أوباما والمرشح الديموقراطي لمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغن عبد الرحمن السيد المعروف اختصاراً بـ”عبدول” في حال فوزه الثلاثاء.
لن يتقبل ترامب الخسارة في الانتخابات النصفية، ويستعد منذ الآن لتقديم طعون قضائية إذا ما فاز مرشحون ديموقراطيون في الولايات المتأرجحة. وستغذي الخسارة ميله إلى الانتقام من إيران، إلا إذا حدث اختراق كبير في الديبلوماسية المكثفة من قبل الوسطاء، في الربع الساعة الأخير من التصعيد القادم.
