التنقيب عن الغاز اللبناني يتعثّر في البلوك 4

علي نورعلي نور24/04/2020
خلال الأسابيع الماضية، تقاطعت عوامل عديدة لعرقلة تطوّر ملف التنقيب عن الغاز اللبناني على المدى القصير. فمن النتائج الأوّليّة التي بدأت بالظهور لأعمال حفر البئر الإستكشافيّة الأولى، إلى تأجيل دورة التراخيص الثانيّة، وإنعكاسات هبوط أسعار النفط على كل تطوّرات الملف، ثمّة ما يكفي من مؤشّرات للإعتقاد بأن هذا المسار سيشهد المزيد من الجمود خلال الفترة المقبلة.

 منذ عدّة أيّام، ومع وصول أعمال الحفر إلى مستوى الـ3750 مترا تحت سطح البحر في البئر الإستكشافيّة الأولى في البلوك رقم أربعة، نُقل عن أوساط بارزة في شركة “توتال” الفرنسية وجود مؤشّرات إيجابيّة بخصوص إمكانيّة العثور على “كميّات تجاريّة واعدة” من الغاز في هذا البلوك الواقع قبالة الساحل الشمالي اللبناني. في ذلك الوقت، جرى تسريب الخبر إلى وسائل الإعلام، التي تفاءلت به، خصوصاً أنّه جاء كبصيص أمل صغير في ظل تفاقم جميع المؤشّرات الماليّة والنقديّة الأخرى في لبنان.

لكنّ هذه المؤشّرات الإيجابيّة ما لبثت أن تلاشت لاحقاً مع وصول أعمال الحفر في البئر إلى مستوى 3980 متراً في عمق البحر، حيث تبيّن للعاملين في شركة “توتال” عدم صحّة هذه الترجيحات لاحقاً. وفي الوقت الحالي، تتابع الشركة أعمال الحفر في البئر لحين الوصول إلى مستوى 4200 متر تحت الأرض، وفي حال عدم التوصّل إلى إكتشاف أي كميّات تجاريّة من الغاز عند ذلك المستوى، وهو الأمر الأكثر ترجيحاً، من وجهة نظر “توتال”، فستنهي الشركة أعمال الحفر في البئر، على أن يتم الإستفادة من المعطيات التي توفّرت بفضل أعمال الحفر هذه لدراستها وتحليلها في مختبرات الشركة في فرنسا، قبل حفر آبار إستكشافيّة أخرى في المستقبل.

الرهان الأخير بالنسبة للبئر الإستكشافيّة إذاً سيكون العثور على مكامن للغاز في الأمتار الأخيرة، وهي مسألة ممكنة من الناحية النظرية، لكنها باتت مستبعدة من قبل بعض العاملين في “توتال”، بالنظر إلى النتائج الأخيرة لعمليات حفر في مناطق قريبة وذات خصائص جيولوجيّة مشابهة في مياه المنطقة الإقصاديّة الخالصة القبرصيّة.

وفي كل الحالات، وبعد الإنتهاء من أعمال الحفر في البئر الإستكشافيّة الأولى هذه، ستتركّز الأسئلة أوّلاً على مسقبل الأعمال الإستكشافيّة في البلوكين 4 و9، اللذين تم تلزيمها في دورة التراخيص الأولى، وثانياً على مستقبل دورة التراخيص الثانية، بعدما تم تأجيل الموعد النهائي لتقديم طلبات الإشتراك فيها لغاية الأول من شهر حزيران/يونيو المقبل.

البحث ثلاثي الأبعاد

على مدى الثلاثين عاماً الماضية، أنفقت شركات النفط الكبرى عشرات المليارات من الدولارات للتنقيب في أرجاء شرق المتوسط، بالمياه الاقتصادية لكل من مصر وإسرائيل وقبرص، “فلم يجدوا أي احتياطيات مجدية في المياه الضحلة، إلا حقولا صغيرة في المنطقة المسماة “قمع النيل”، المتكون بسبب ترسيب طمي النيل”، على حد تعبير الخبير في شؤون الطاقة الدكتور نايل الشافعي. ويضيف في حديث لموقع 180، أن الملاحظ هو أن كل الاكتشافات الكبرى بشرق المتوسط هي في الطبقتين المسينية والميوسينية، وهما على أعماق مائية تزيد على 1500 متر، أي تبعد عن الساحل أكثر من 130 كيلومترا، “لذلك يتوجب على لبنان أن يبدأ التنقيب في البلوكات الأقرب جغرافياً إلى الاكتشافات الإسرائيلية (تمار) والقبرصية (أفروديت)، وعلى أعماق مائية مماثلة لهذين الحقلين، أي بين 1400 و2500 متر، على أن يصل الحفر تحت قاع البحر إلى الطبقتين المسينية والميوسينية. ويجب أن يناط التنقيب بشركات موثوق في صدقها، وهو أمر بالغ الأهمية في شرق المتوسط”.

ظروف دوليّة ضاغطة

تتسم عمليّات شركات التنقيب والإستخراج البترولي بدرجة مرتفعة من المخاطر والتذبذب في الربحيّة، ويعود ذلك إلى طبيعة التقلّب السريع في أسعار النفط في الأسواق الدوليّة، وإلى إعتماد هذه الشركات على تمويل القروض الكبيرة إلى حد كبير في مشاريعها مقارنةً بغيرها من الشركات. وهكذا، تعتمد درجة الجرأة في القرارات الإستثماريّة لهذه الشركات تحديداً إلى وضع ميزانيّاتها الراهن، والذي يعتمد بدوره على ظروف الأسواق.

ولهذا السبب تحديداً، منذ أن بدأت أزمة أسعار النفط العالميّة بالظهور، ومع تراجع الطلب على مصادر الطاقة بمختلف أنواعها، بدأت الشركات البتروليّة الكبرى بإتخاذ قرارات علّقت فيها مشاريعها المستقبليّة، أو قلّصت فيها الإنتاج في المشاريع القائمة، بما فيها مشاريع التنقيب والإستخراج المتعلّقة بالغاز الطبيعي. فعلى سبيل المثال، قلّصت شركة “سوناطراك” الجزائريّة الموازنة المخصصة لنفقاتها الإستثماريّة المقبلة إلى حدود النصف، فيما أعلنت شركة “ساوند إنيرجي” البريطانيّة عن تأجيل توقيع إتفاقيات التنقيب والإستكشاف مع المغرب لغاية حزيران/يونيو المقبل.

وفي هذا الوقت، كانت شركة “إيني” الإيطالية (الشريكة في رخص التنقيب والإستكشاف في البلوكين 4 و9 اللبنانيين) تعلن إجراء عمليّة إعادة مراجعة لجميع مشاريعها وعمليّاتها في منطقة الشرق الأوسط. أمّا تونس، فقد أعلنت تخفيض عمليّات إنتاج الغاز في حقل نوّارة من 2.7 مليون متر مكعّب يوميّاً إلى أقل من 800 ألف متر، وهو ما يعني تخفيض مستوى الإنتاج إلى حدود 30% من المستوى السابق.

تعبّر هذه الأمثلة عن الظروف الضاغطة التي تمر بها ميزانيّات الشركات البتروليّة الكبرى، خصوصاً أن عمليّات الإستخراج في الكثير من حقول النفط باتت تفوق عائد مبيع البرميل الواحد. وبينما ظهرت الأزمة بشكل واضح في أسعار برميل النفط الخام، طالت نتائج الأزمة مشاريع الشركات البتروليّة كافّة، خصوصاً أن الضغوط على ميزانيّاتها كانت تعني ببساطة تقلّص قدرتها على تمويل المشاريع الكبيرة الجديدة، وتقلّص القدرة على تحمّل مخاطر الدخول في مشاريع جديدة. وعلى أي حال، من المتوقّع أن تتجاوز آثار هذه الأزمة المرحلة الحاليّة، فالشركات ستحتاج بعد تعافي الأسواق إلى مزيد من الوقت لتمتص الخسائر التي تحمّلتها ميزانيّاتها.

الأثر على النشاط البترولي اللبناني

في ظل هذه الظروف القاتمة، كان من المنطقي أن تعلن وزارة الطاقة اللبنانية تأجيل الموعد النهائي للتقدّم بطلبات الإشتراك في دورة التراخيص الثانية لغاية الأوّل من شهر حزيران/يونيو المقبل. فالظروف الحاليّة للشركات البتروليّة العالميّة لم تكن لتسمح بدخولها في دورة تراخيص ترتّب عليها إلتزامات كبيرة بمشاريع جديدة، خصوصاً أن جاذبيّة السوق اللبنانيّة المحدودة لم تمكّن لبنان أساساً من الحصول إلا على عارض وحيد على بلوكين في دورة التراخيص الأولى. وفي هذه الظروف، وحتّى إذا تمكّنت الدولة من الحصول على عارض جديد لبلوكات دورة التراخيص الثانيّة، فمن الصعب أن يكون لها أي قوّة تفاوضيّة مع العارض، في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها الأسواق.

وبمعزل عن أسباب التأجيل السابقة، من المتوقّع أن تكون مصلحة لبنان خلال الفترة القادمة بتأجيل الموعد النهائي دورة التراخيص مجدداً في حزيران، يونيو المقبل. فظروف إنتشار وباء كورونا لم تتبدّل حتّى اللحظة، ومعها جميع عوامل تراجع الطلب على مصادر الطاقة بأنواعها المختلفة. وحتّى إذا إفترضنا حصول تحسّن ما خلال الفترة القادمة في سعر البرميل، فلن تكون الفترة الممتدّة حتّى الأوّل من حزيران/يونيو كافية لإستعادة ملاءة وعافية الشركات البتروليّة المعنيّة. وفي ظل هذه الظروف، من الطبيعي أن تتراجع قدرة الدولة التفاوضيّة في كل ما يتعلّق بنسبة أرباحها من عقود النفط الموقّعة، ناهيك عن صعوبة إستقدام طلبات الإشتراك في دورة التراخيص من الأساس.

وبمعزل عن أزمة دورة التراخيص الثانية، فثمّة أثر كبير متوقّع أيضاً على مجريات الأنشطة الإستكشافيّة التي تجري اليوم في البلوكات 4 و9، التي تم تلزيمها في دورة التراخيص الأولى. فبعد إنتهاء أعمال الحفر في البئر الإستكشافيّة الأولى، من المستبعد أن تعمد شركة “توتال” إلى إطلاق عمليّات حفر جديدة قبل نهاية هذه السنة، خصوصاً أن العقود الموقّعة لا تلزمها بذلك والظروف الحاليّة في الأسواق غير مشجّعة، وعمليّاً، ثمة أسئلة مرتبطة بمصير الأعمال الإستكشافيّة في البلوك رقم 9، خصوصاً أن العقود الموقّعة مع تحالف الشركات تلزمها بحفر بئر إستكشافيّة قبل نهاية هذه السنة. وبالتالي، ستكون الشركات أمام خيارين، إمّا المضي قدماً بحفر البئر الإستكشافيّة بمعزل عن الظروف الضاغطة، أو اللجوء إلى التفاوض مع الدولة اللبنانيّة لتأجيل هذه العمليّات بحجّة عدم التوصّل إلى حل للخلاف الحدودي مع إسرائيل، الذي يطال جزء من مناطق هذا البلوك، فضلاً عن الإستناد إلى النتائج غير المشجعة في البلوك رقم 4 لتبرير عدم الحماسة وعدم المخاطرة.

فرصة لتصحيح المسار

قد يجد البعض في هذه التطوّرات أخباراً مؤسفةً، خصوصاً أن كثيرين راهنوا على عوائد الغاز اللبناني كعلاج مستقبلي محتمل للأزمات الماليّة المتفاقمة في لبنان لا بالغوا في القول إن لبنان إنضم إلى نادي الدول النفطية بمجرد وصول باخرة الإستكشاف الى مرفأ بيروت. لكنّ الثروات الطبيعيّة لم تكن يوماً قضيّة تُقارب بحسب الحاجة الآنيّة إليها، بل تُقارب بكونها ثروة إستراتيجيّة وبكونها ملكاً للأجيال المقبلة. وهكذا، فإن التعثّر الحاصل اليوم في دورة التراخيص الثانية يمكن أن يكون فرصة لتصحيح المسار البترولي اللبناني، بعد كل ما شابه من ثغرات جرى الإشارة إليها كثيراً في الفترة الماضية، فهل تكون هذه المستجدات فرصة للتصحيح؟

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
online free course