عون يُهادن ماكرون، “الثنائي” إلى المواجهة.. أين الحريري؟

ضاقت فرصة مصطفى أديب. إما تولد حكومة إيمانويل ماكرون خلال ساعات أو أيام قليلة أو تضيع الفرصة الفرنسية ويذهب لبنان نحو المجهول.

عندما يُقرر رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون زيارة بيروت مرتين وأن يتواصل شخصياً مع قيادات لبنانية ولأكثر من مرة خلال شهر واحد، وآخرها مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، لتذليل عقبات تعترض تأليف الحكومة العتيدة، فهذا أمر ليس عادياً، بل يحمل في طياته دلالات متعددة الأبعاد، ويذكّر بدور الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وطريقته في تدوير الزوايا اللبنانية.. لأسباب إستراتيجية سورية، وهذه هي اسباب ماكرون الإستراتيجية.

فإذا كان رجب طيب أردوغان يريد دخول التاريخ من بوابات عدة أبرزها البوابة المتوسطية، ولو كلّفه ذلك حرباً لن يسمح الأميركيون بوقوعها خشية إنهيار “الناتو” (زيارة مايك بومبيو إلى لارنكا اليوم تصب في هذه الخانة)، إلا أن فرنسا وحدها غير قادرة على إلحاق الهزيمة بالأتراك، ولا شطبهم متوسطياً، وبالتالي، يتعين على ماكرون، حماية لأمنه القومي وأمن القارة الأوروبية، تعزيز نفوذه في شرق المتوسط، ولبنان من ضمنه حتماً لأن الخيارات الفرنسية محدودة جداً، خاصة في ظل ما يراكمه الأتراك لأجل تعزيز نفوذهم المتوسطي، بشكل متدرج، ولبنان في صلب هذا النفوذ الذي بدأ بالتكون.

لقد سلّم الجميع لماكرون، حتى الآن، بـ”الفرصة” ومدخلها حكومة مصغرة من 14 وجهاً جديداً. فما هي العقبات التي تعترض ولادتها ضمن المهلة الزمنية الفرنسية؟

ينحصر الخلاف حول الآتي: حركة أمل وحزب الله أبلغا ماكرون رفضهما شمول المداورة وزارة المالية، لأسباب ميثاقية وسياسية، لا سيما بعد العقوبات الأميركية، وصولاً إلى إعلانهما، بلسان بري (ومن “عندياته”)، عدم رغبتهما بالمشاركة في حكومة تقوم على عناوين “إستقوائية”، وفي ذلك غمز ليس من قناة الفرنسيين وحسب، بل من قناة سعد الحريري أولاً. لسان حال “الثنائي” أن الإنتخابات النيابية أفرزت تمثيلاً، “فهل يعقل أن تتمثل هذه الكتلة (27 نائباً) بثلاثة وزراء بعنوان المجتمع المدني يختارهم الرئيس المكلف”؟

هاتان النقطتان (المالية وتسمية الوزراء الشيعة) محور تفاوض “على الحامي”، وهذا ما يؤشر إليه بيان رئيس مجلس النواب، الذي لن يقبل بأقل من التسليم ببقاء المالية بعهدة الطائفة الشيعية، مقابل ترك هامش للرئيس المكلف بتسمية الوزراء الثلاثة، مع حق “الفيتو” لـ”الثنائي” إلى أن يتم التفاهم على هذه الأسماء الثلاثة. من هنا، لم يأت بيان بري على تقديم أي تعهد بمنح الثقة للحكومة، بل إبداء الاستعداد للتعاون “الى اقصى الحدود في كل ما يلزم لإستقرار لبنان وماليته والقيام بالإصلاحات وإنقاذ إقتصاده”، أي ترك الباب مفتوحاً أمام مفاوضات الساعات المقبلة (تردد أن موفداً فرنسياُ سيزور بيروت)، فإذا حُجبت المالية عن الطائفة الشيعية، حتماً لن يعطيها بري ثقة نواب كتلته ومثله سيفعل نواب حزب الله.

إذا حصل ذلك، وهو المرجح حتى الآن، فإن السؤال يذهب نحو ما سيكون عليه سلوك “الثنائي” في مجلس النواب، على صعيد المشاريع الإصلاحية وتقييد عمل الحكومة، وهو الأمر الذي يعيد إلى الأذهان العبارة التي قالها مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد هيل للنواب الذين إلتقاهم في جلسة مغلقة بالسفارة الأميركية في عوكر، أثناء زيارته الأخيرة للبنان بأن وجود حزب الله في الحكومة مشكلة “لكن عدم وجوده مشكلة أكبر”، فكيف الحال، بعدم وجوده وبري في آن معاً في الحكومة؟

عندما يكسر مصطفى أديب قواعد التأليف، سواء مع “الثنائي” أو مع رئاسة الجمهورية، لا يفعل ذلك من عندياته، إنما يستثمر في عضلات غيره: نفوذ فرنسا، صيغة الطائف (صلاحيات رئيس الحكومة المكلف)، وفي الإثنين، لا بد من التفتيش عن سعد الحريري

إذا حصلت مفاجأة وتم تجاوز “اللغم الشيعي”، وهو أمر مستبعد حتى الآن، هل من ألغام أخرى تنتظر الحكومة؟

رسمياً، سيتوجه مصطفى أديب إلى القصر الجمهوري، قبل ظهر اليوم (الإثنين)، وسيقدّم إلى رئيس الجمهورية ميشال عون تشكيلة وزارية تكنوقراطية تضم، بالإضافة إلى إسمه، ثلاثة عشر إسماً جديداً للوزارة..

كلنا نعرف أنه لم يسبق هذا اللقاء أي تشاور مسبق بين الإثنين، برغم النصائح التي قدمها عون إلى أديب. قال له في آخر لقاء “لا تلتزم مع أي وزير ولا مع أية جهة سياسية. ضع الأسماء ولا تُلزم نفسك بالحقائب. أنا وانت نتفاهم سوية على توزيع الأسماء والحقائب”.

طبعاً، صار معروفاً أن عون يفضل حكومة من 20 وزيراً على الأقل، لإقتناعه بأن الوزير بالكاد يقوم بمهام وزارته في هذه الظروف الإستثنائية، فكيف له أن يقوم بوزارتين (هذه النقطة كررها حرفياً رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل).. وإذا قصّر في أيٍ منهما أو في الإثنتين معاً، سيصادر دوره وصلاحياته المدير العام، وبالتالي، لا يمكن للإصلاح أن يتحقق حتى لو كانت أفكار الوزير نفسه إصلاحية.

النقطة الثانية التي مررها رئيس الجمهورية من بين السطور إلى الرئيس المكلف: أنا شريك في التأليف. لا يمكن تجاوز موقع وتوقيع رئيس الجمهورية.

على جاري عادته، وفي لقائه مع عون ومع الآخرين، كان مصطفى أديب يكتفي برسم إبتسامة خافتة، وإذا تكلم، فإنه يغرف مصطلحاته من المحفظة الدينية التقليدية: إن شاء الله، الحمد لله. إدعوا لي بالتوفيق. الشكر لله إلخ…

بطبيعة الحال، عندما يكسر مصطفى أديب قواعد التأليف، سواء مع “الثنائي” أو مع رئاسة الجمهورية، لا يفعل ذلك من عندياته، إنما يستثمر في عضلات غيره: نفوذ فرنسا، صيغة الطائف (صلاحيات رئيس الحكومة المكلف)، وفي الإثنين، لا بد من التفتيش عن سعد الحريري، بدليل المفردات التي إستخدمها في لقائه الأخير بنبيه بري في عين التينة، وذلك خلافاً لكل مسايرة “الثنائي” لزعيم تيار المستقبل في الآونة الأخيرة، وهنا يتبدى حضور العناصر الدولية في خطاب الحريري، في ظل إنتفاء المظلة السعودية.

لكن وقبل أن يصل مصطفى أديب إلى القصر الجمهوري، لم يعد خافياً إنزعاج رئيس الجمهورية من تجاهل شراكته في التأليف، أقله في التوقيع، ولذلك، سيكون محكوما بخيار من إثنين: الرفض الكلي أو الإستمهال.

إذا ثبّت ميشال عون عُرف عدم التشاور المسبق، فهذا من شأنه تشجيع رؤساء الحكومات مستقبلاً على تجاوز الموقع المسيحي الأول في الدولة. ثم هل يجوز لرئيس الجمهورية التخلي عن الثلث الضامن في أية حكومة؟ هذه كانت ثابتة سورية في زمن الوصاية، برغم أنهم كانوا يتحكمون بالرئاسات والحكومات والمجالس النيابية.

في محصلة كل النقاشات الإستباقية التي دارت في قصر بعبدا في الأيام الماضية، كان لا بد من قرار. يرفع أحد المستشارين السقف فيقول بوجوب رفض التشكيلة مهما كانت النتائج التي ستترتب على ذلك. فلا يجوز لرئيس جمهورية إسمه ميشال عون أن يسمح بتجاوز ما بقي من صلاحيات للموقع الماروني الأول. يرد آخرون، وبينهم جبران باسيل، بوجوب السير بالحكومة أياً كانت، وليرفضها غيرنا (تصطدم بنبيه بري). لسان حاله الدعوة إلى تسهيل المبادرة الفرنسية ومنح الحكومة الثقة حتى لو لم يتمثل التيار فيها نهائياً (خطاب سياسي يهدف لسحب الذرائع من أمام الأميركيين عشية الرزمة الجديدة من العقوبات)، وهو ما عبّر عنه صراحة في مؤتمره الصحافي.

بإختصار، كل النقاش الرئاسي كان محكوماً بنقطة محورية: هل يُقيم ميشال عون وزناً لنفسه، حتى لو كان الثمن التخلي عن بعض صلاحياته وحساباته الرئاسية “التوريثية”، لمصلحة نجاح المبادرة الفرنسية؟ بمعنى آخر، هل يقبل بالعرض الفرنسي حماية لما تبقى من شهور عهده (24 شهراً)؟

من يُدقّق في اسماء الفريق السياسي والإقتصادي الذي سارع الفرنسيون إلى “تركيبه” لمصطفى أديب، بشراكة كاملة مع سعد الحريري، يستطيع الإستنتاج أن “المحرقة” التي يُرمى فيها هذا الرجل، تجعله مجرد ممر إلزامي لعودة الحريري إلى السراي الكبير، بعد شهور قليلة

هذا النقاش صار وراء ظهر الجميع، وعندما يقدم رئيس الحكومة المكلف تشكيلته اليوم (الإثنين) إلى عون، سنكون أمام أحد إحتمالين:

الأول، أن يتعامل عون مع الحكومة الجديدة بوصفها “حكومة ماكرون” وليس مصطفى أديب، وعلى هذا الأساس، يوقع مراسيمها لأن رفضها سيكون مكلفاً جداً له ولجبران باسيل وللبلد.

الثاني، أن يتبنى عون وجهة النظر الداعية إلى رفض صيغة مصطفى أديب لأسباب وحيثيات عديدة أبرزها عدم تكريس تجاهل موقع رئاسة الجمهورية من قبل أي رئيس حكومة مكلف.

إذا إنتصر الإحتمال الأول، وحظوظه هي الأكبر، فهذا يعني أن مراسيم تأليف الحكومة ستصدر وينجز البيان الوزاري (المستوحى من الورقة الفرنسية)، ويصار إلى تحديد موعد جلسة الثقة بأسرع وقت ممكن.

إذا إنتصر الإحتمال الثاني، وإحتمالاته ضعيفة جداً، فإن مصطفى أديب، سيقدم كتاب إعتذاره عن التكليف، فيرمي الكرة في ملعب ميشال عون.

طبعاً لا يتناقض الإحتمال الأول مع ما يمكن أن يشهده مجلس النواب من خلط للأوراق، بحيث يحجب “الثنائي الشيعي” الثقة عن الحكومة أو يغيب عن الجلسة كلياً، بينما يمنحها كل من التيار الوطني الحر وسعد الحريري ومعظم الكتل النيابية. هنا يصبح السؤال ماذا سيترتب على عدم تغطية الحكومة من مكون ميثاقي، وهل نكون أمام نسخة جديدة من حكومة فؤاد السنيورة 2005 ـ 2008؟

إذا سقطت الحكومة في مجلس النواب، أو إعتذر مصطفى أديب، وهما إحتمالان ضعيفان، هل يُعلن الفرنسيون فشل مبادرتهم أم يعطون لبنان فرصة ثانية وثالثة؟

الإحتمال الأضعف أن يعلن الفرنسيون إنسحابهم. لسان حالهم في هذه الحالة أنه على اللبنانيين أن يقلّعوا شوكهم بأيديهم. الدفعة الثانية من العقوبات الأميركية آتية خلال أيام قليلة، وستشمل حتماً شخصيات من حساسيات سياسية وطائفية عديدة، وسيكون بينها على الأرجح أحد المحسوبين على ميشال عون. الخطوة التي ستليها هي صدور أول دفعة من العقوبات الفرنسية والأوروبية.

يقود هذا المسار إلى إرتطام سياسي وأمني وإقتصادي ومالي كبير، سيكون التركيز فيه دولياً على عنوانين: ميشال عون وسلاح حزب الله..

لحزب الله حساباته الإقليمية والدولية، لكن ماذا عن العهد؟

خرج ميشال عون في 13 تشرين الأول/أكتوبر 1990 من القصر الجمهوري بقرار سوري وإضطر للجوء إلى السفارة الفرنسية ومن بعدها إحتضنته فرنسا حتى عودته في ربيع العام 2005.

يستشعر “الجنرال” سيناريو 13 تشرين الأول/أكتوبر 2020، وهو وضع ما جرى في محيط قصر بعبدا في الساعات الأخيرة في هذه الخانة، وقد ألمح إلى ذلك رئيس التيار الوطني الحر، في مؤتمره الصحافي، فهل يحتمل ميشال عون غارة جديدة وسفارة جديدة يلجأ إليها؟

جواب عون وباسيل هو سحب الذرائع.

حتماً، لن ينسحب الفرنسيون فور إنتهاء مهلة الـ 15 يوماً، برغم ضغطهم الكبير على الواقع السياسي. هم لم يأتوا إلى لبنان لأجل سواد عيون اللبنانيين، على أهمية تلك العودة وما يمكن أن يجني اللبنانيون من فوائد عبرها، وبالتالي لا يتحمل إيمانويل ماكرون فشل مبادرته اللبنانية بهذه السرعة القياسية، سواء قدم مصطفى أديب تشكيلته أو أرجأها إلى موعد آخر لتذليل “العقبة الشيعية”..

منظومة المصالح الإقتصادية التي ترافق المبادرة الفرنسية في لبنان تبدأ ولا تنتهي وتؤدي فعلياً إلى إمساك فرنسا بالإقتصاد اللبناني (مرافىء وطاقة وإتصالات ومصارف ومعابر وترانزيت ونقل إلخ.. زدْ على ذلك حضور وازن في “اليونيفيل” فضلا عن النفوذ الفرنكوفوني في المدارس والجامعات والمعاهد).

ومن يُدقّق في اسماء الفريق السياسي والإقتصادي الذي سارع الفرنسيون إلى “تركيبه” لمصطفى أديب، بشراكة كاملة مع سعد الحريري، يستطيع الإستنتاج أن “المحرقة” التي يُرمى فيها هذا الرجل، تجعله مجرد ممر إلزامي لعودة الحريري إلى السراي الكبير، بعد شهور قليلة. إسم الحكومة نفسها يشي بذاك. “حكومة مهمة” صلاحيتها الزمنية محدودة كما مهمتها.

أهلاً وسهلاً بالحريري رئيسا للحكومة بعد تحرير سعر صرف الليرة ووقف الدعم وكل ما يلزم من قرارات غير شعبية تجعل مصطفى أديب يسقط في الشارع، كما حسان دياب من قبله.. وللبحث صلة.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy paid course free download