مصر.. من محمد علي إلى محمد علي!   

تعاظمت المحن على مصر في الأشهر الأخيرة. أثيوبيا باستدراك متأخر تطالب بالنيل، وتركيا كادت تضم ليبيا إلى أملاكها على غرار الشمالين السوري والقبرصي، بينما شمال سيناء، وهو مشكلة سابقة في الزمن لمشكلة سد النهضة، فإنه جرح نازف، منذ استولى عليه مسلحون جهاديون أعلنوا مبايعتم لتنظيم "داعش" عام 2014.   

بدت ليبيا وأثيوبيا، وكأنهما مشكلتان داهمتا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع أن عمر الأزمتين سنوات. لا سد النهضة بني أمس ولا الفوضى دبت في ليبيا البارحة.  ولم يكن رئيس الوزراء الأثيوبي آبيي أحمد، وهو رجل الغرب المُدلل في أفريقيا، يخفي عزمه تقاسم النيل مع مصر والسودان ويقول إن عهد التسامح في هذا المجال قد ولّى. فكيف فاجأت أديس أبابا بملء الخزان بينما يفترض أن مفاوضات قائمة بين الطرفين؟

في اللحظة الأخيرة، استدرك السيسي، أن سد النهضة وفق الخطة المرسومة له قد يُصحّر مصر بالكامل ويهدّد أمنها المائي على نحو خطير، فارتفعت وتيرة التهديدات المصرية، وجرت الاستعانة بالولايات المتحدة وسيطاً كي لا تستأثر أثيوبيا بالنيل كله، وتنزل الكارثة على رؤوس المصريين.

ولم يكن التعاطي مع ليبيا بأفضل. ولم يطلق السيسي تحذيراته بالتدخل العسكري المباشر إلا عندما وصلت القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني المدعومة من تركيا، إلى مشارف مدينتي سرت والجفرة، أي أن الحدود الغربية لمصر ستكون مكشوفة في حال سقوط هاتين المدينتين، وسيكون في امكان تركيا بسط سيطرتها على الهلال النفطي للبر الليبي بعدما خوّلتها اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة طرابلس، القيام بعمليات استكشاف وتنقيب في مساحة واسعة قبالة السواحل الليبية.

كل ذلك كان يمكن تداركه لو أن مصر لعبت منذ البداية دوراً فاعلاً في ليبيا لاحتواء الفوضى التي تلت إطاحة نظام معمر القذافي. لم يحصل ذلك، لا في عهد المجلس العسكري الذي تولى السلطة بعد إسقاط حسني مبارك، ولا تم ذلك اثناء حكم “الإخوان المسلمين”، ولا في عهد السيسي. لم تتصرف القاهرة على قاعدة أن ليبيا هي عمقها الاستراتيجي، وفضلت ترك حبل الأمور على غاربه. فكانت الحصيلة أن باتت تركيا هي اللاعب الأقوى في ليبيا وأدخلتها ضمن “مداها الحيوي”. أمست تركيا، عوض مصر، اللاعب الأقوى على الساحة الليبية، وكل المبادرات الأخرى، بما فيها الروسية، تعتبر أنقرة وليس القاهرة، ممرها الإجباري.

سقط السيسي في جعل مصر تسير على خطى دول مثل تركيا أو روسيا، من حيث أن الحياة السياسية في هذين البلدين ليست بالنموذجية، لكن البلدين يعوّضان ذلك بلعب أدوار ناشطة في الساحات الإقليمية والدولية، مما يوفر عصبية يقوم عليها الحكم. أما في الحالة المصرية الحالية، فمن الطبيعي أن تقود إلى احتقان وظواهر استعراضية مثل محمد علي

وقد يكون مفهوماً أن تحاول مصر عدم التورط عسكرياً في الأزمات الدائرة في المنطقة. لكن غير المفهوم هو الغياب عن دور ديبلوماسي ناشط في مسعى لإيجاد حلول لهذه الأزمات. هل هو الخوف من أن تتعارض الرؤية المصرية في ما يتعلق بملفات المنطقة مع الرؤية الأميركية، وتالياً سيؤدي ذلك إلى حرمان مصر من مساعدات اقتصادية ومالية تحصل عليها من الخارج؟

في المقابل، هذا الحياد السلبي إزاء ما يجري في المنطقة العربية، من فلسطين إلى سوريا والعراق إلى ليبيا إلى اليمن إلى السودان، جعل من مصر فاقدة لأي تأثير إقليمي وباتت أقرب ما تكون إلى دولة هامشية فوّضت طوعاً القرار الإقليمي لدول الخليج العربية، وذلك مقابل الحصول على مساعدات لا تجعل المصريين ينزلون مجدداً إلى الشارع للمطالبة بتغيير النظام.

وإذا كان السيسي لم يذهب إلى حد التورط المباشر في حرب اليمن، وذلك لأسباب تاريخية، وهذه نقطة إيجابية تسجل له، لا عليه، فإن ثمة غياباً مدوياً عن الساحة الإقليمية المشتعلة. وأدت سياسة النأي بالنفس إلى امتداد الأخطار حتى البوابة المصرية، كما في حالتي ليبيا وأثيوبيا.

إن الثقل الذي اكتسبته مصر أيام جمال عبد الناصر، كان نتيجة حضورها في قلب الأزمات من المشرق العربي إلى العمق الأفريقي. وصحيح أن المصريين تكبدوا الكثير نتيجة الطموح الإقليمي لمصر وقتذاك، لكن ذلك جعل لمصر مكانة إقليمية ودولية.

ومنذ أيام محمد علي الكبير الذي فتح مصر على محيطها والعالم في القرن التاسع عشر وحاول ان يلعب دوراً خارج الحدود، باتت القاهرة المحور الأساسي في المنطقة، حتى معاهدة كمب ديفيد عام 1979.

 استقالت مصر من دورها في المنطقة كي تصنع ازدهاراً اقتصادياً. فلا هي حققت الازدهار بينما خسرت دورها في العالم العربي وفي أفريقيا. وبعد ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011  التي صادرها “الإخوان المسلمون” وبعد تجربتهم الفاشلة في الحكم، لا تزال مصر تعاني سياسياً واقتصادياً.

ولم تفلح عودة الجيش المصري إلى الحكم بواجهة السيسي، في ملء الفراغ السياسي، الذي وقعت فيه مصر. وحتى المعارضة الشكلية والمضبوطة غابت عن الساحة. والدعم الذي يحظى به النظام الحالي من الغرب ومعظم دول الخليج، لا يملأ هذا الفراغ، الذي يفتح الباب على خوض مواجهات عبر العالم الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي أو تنظيم تجمعات محدودة تلبية لنداءات يوجهها من الخارج المقاول والفنان محمد علي.

وليست المسألة حجم التجاوب مع مثل هذه النداءات من عدمه، وإنما في اخفاق السيسي في تنظيم حياة سياسية مقبولة، ولو بالحد الأدنى في الداخل، وعدم العودة إلى تعديل الدستور لضمان التجديد له ولاية إثر أخرى.

وخواء الحياة السياسية في الداخل وفقدان الدور في الخارج، يقودان إلى الاحتقان في الشارع. هنا سقط السيسي في أن يجعل مصر تسير على خطى دول مثل تركيا أو روسيا، من حيث أن الحياة السياسية في هذين البلدين ليست بالنموذجية، لكن البلدين يعوّضان ذلك بلعب أدوار ناشطة في الساحات الإقليمية والدولية، مما يوفر عصبية يقوم عليها الحكم. أما في الحالة المصرية الحالية، فمن الطبيعي أن تقود إلى احتقان وظواهر استعراضية مثل محمد علي!

سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
free download udemy course