الحريري الثالث.. يتحرر من السعودية

إنه سعد الحريري الثالث. نسخة لا تنعتق من سابقتيها ولكن الأهم فيها أنها تضع هذا الزعيم السياسي على سكة لبنانية أكثر رحابة، لا سيما عندما تضيق الخيارات الإقليمية والمحلية، فلا يكون مُحرجاً بحليف أو صديق أو ديوان. لنقرأ سوية مضمون إطلالة سعد الحريري مع الزميل مارسيل غانم ضمن برنامج "صار الوقت" ليل الخميس الماضي.

في لحظة 14 شباط/فبراير 2005، إغتيل رفيق الحريري وولد وريث الدم. ولادة سعد الحريري الأولى المخضبة بالموت والدخان والثأر والإنتقام ونوستالجيا “الثورة” إستمرت 12 عاماً ونيف.

في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، وُلد سعد الحريري الثاني. ولادة بدأت من لحظة صعود رجال الأمن السعوديين إلى الطائرة التي أقلته من بيروت إلى الرياض وإقتياده إلى حيث أمضى 11 يوماً، تخللها بيان إستقالته والكثير من الصفحات المعروفة منها أو الغامضة حتى الآن. ولادة إنتهت ليل الخميس الماضي. هذه الحقبة كانت حافلة بالخيبات والصفقات والإنهيارات، لكن عصبها الأساس هو ولادة سعودية جديدة لم يكن سهلاً على إبن رفيق الحريري فك شيفرتها ولا فهمها ولا التقرب منها.. إلى أن كان ما كان.

نحن اليوم أمام نسخة ثالثة من سعد الحريري. هذا الإفتراض إلى ماذا يستند من تحليل ومعطيات؟

هي مجازفة وأكثر أن يبادر أحدنا إلى كتابة جملة تأسيسية: لقد تحرر سعد الحريري من الحسابات السعودية إلى حد كبير جداً. هذه الفكرة خطرت على بال أقرب المقربين إليه لحظة وصوله من السعودية إلى باريس في تشرين الثاني/نوفمبر 2017. قيل له بالحرف الواحد: عليك أن تتصرف على أساس أن السعودية التي كُنتَ تعرفها قد إنطوت إلى غير رجعة. لا تراهن على العودة ولا على قبول أوراق إعتمادك. لقد شعر ولي العهد السعودي بأن سعد (السعودي الهوية) هزمه بفرض قرار الإفراج عنه تحت ضغط الدول والرأي العام العالمي. ابناء ملوك وأولياء عهد في السعودية والعشرات من رجال المال والأعمال وضعوا قيد الإقامة الجبرية حتى أخذ منهم بن سلمان ما يريده. وحده سعد الحريري أفلت من بين هؤلاء جميعاً. لو عاد الزمن إلى الوراء، ربما، ما كان مصير هذا الرجل مختلفاً عن مصير جمال خاشقجي. هذه الإشكالية العميقة في علاقة إبن رفيق الحريري بالسعودية الجديدة، ليس سهلاً فك طلاسمها. ظلّ عدد من مستشاريه يحثونه على فتح صفحة جديدة مع المملكة. هي عقدة المشروعية العربية التي تعتقد شخصيات سنية لبنانية وازنة أنها لا تتأتى إلا من مصدر واحد: المملكة العربية السعودية.

كل محاولات دق الباب السعودي كانت تلقى الصد تلو الصد. حتى عندما إستقال الحريري في تشرين الأول/أكتوبر 2019، ظنّ أنها اللحظة المؤاتية سعودياً. كان جواب مسؤول سعودي كبير: عندما أبرمت التسوية الرئاسية مع ميشال عون، لم تسألنا وعندما قررت الخروج منها لم تستشرنا. قلّع شوكك بأظافرك.

ناقش أكثر من مسؤول عربي وأجنبي الأمر مع السعوديين. كان الرد سلبياً. قيل لهم إنه بمنطق الواقعية السياسية، ومهما كان لومكم كبيراً، فإن سعد الحريري هو الأول في بيئته السنية، برغم تراجع وضعه السياسي والشعبي. في النهاية ستتعاملون معه. رد السعوديون بأن سعد الحريري صار من الماضي، وسنتعامل مع الواقع السني في لبنان كما هو. صفحة سعد الحريري في لبنان طويت إلى غير رجعة.

السعودية لم تكن مجرد هوية ثانية بل حضانة وحماية وذخيرة ومفتاحاً للدخول إلى عوالم دولية وإقليمية كثيرة، ليس سهلاً على أي كان إقتحامها

ليس سهلاً على إبن رفيق الحريري الذي لطالما كان يردد أن “لحم أكتافه من المملكة”، أن يقلب هذه الصفحة. الأسباب وجدانية وسياسية ونفسية.. والأهم مادية. كل أمبراطورية آل الحريري لها منبع واحد. لاحقاً تمددت وتبددت وإختلف الأخوة وإنتشر حضورهم في غير إتجاه، لكن السعودية لم تكن مجرد هوية ثانية بل حضانة وحماية وذخيرة ومفتاحاً للدخول إلى عوالم دولية وإقليمية كثيرة، ليس سهلاً على أي كان إقتحامها.

لعل نموذج علاقة رفيق الحريري بالعديد من قادة العالم، وأبرزهم جاك شيراك تعطي صورة عن هذا المفتاح السعودي الذهبي. صادر رفيق الحريري من الموارنة مفتاح “الأم الحنون” في ذروة إحباطهم ونفي قياداتهم أو سجنها. هذا المفتاح جعل العلاقة بين آل الحريري وقصر الأليزيه ملتبسةً حتى يومنا هذا. يُصر الفرنسيون على التعامل مع الحريري، بوصفه وكيلاً سياسياً يتقدم على غيره من طالبي القرب السياسي منهم. هذا تقليد عمره ثلاثة عقود من الزمن. تجربة إيمانويل ماكرون هزّت الثقة برجلهم سعد الحريري. خاض المستشارون في الأليزيه للمرة الأولى نقاشاً في قضايا مثل الكفاءة والإدارة. لذلك، بدت خيبة رئيس فرنسا من الحريري مضاعفة عن الآخرين. هم يُقدرون له “تضحياته”، لكن في السياسة، لا مكان للعواطف. إنها لغة المصالح. لذلك، ثمة صفحة جديدة في علاقة الحريري بالفرنسيين، ولذلك، أن يعود سعد رئيساً للحكومة هو التحدي ليس بالمعنى الشخصي وحسب. بل العبرة في أن ينجح وأن يُراكم حتى يبدد الأسئلة الفرنسية التي تصل إلى حد إتهامه بـ”الفشل” عندما صعد إلى شجرة وزارة المالية قبل أن يقرر تجرع السم متأخراً.. من هنا كان قولهم إن مبادرتهم لم تنته لكن ليتحمل الجميع مسؤولياتهم، وهذا الكلام موجه بالدرجة الأولى إلى الحريري وميشال عون.

لمس الحريري إستعداد القيادة المصرية لإحتضانه، لكن ليس إلى حد خوض معارك بالنيابة عنه أو الإساءة إلى علاقات عربية ودولية إستراتيجية. ما يسري على المصريين، ينسحب على الأردن والعراق والكويت وسلطنة عمان وقطر ودول المغرب العربي

لعل القصد من هذه السردية الإعتراضية القول إن تحرر الحريري من الحسابات السعودية يضعه على سكة سياسية جديدة. لن يقفل زعيم تيار المستقبل الأبواب بوجه من يحاول إعادة فتح الباب بينه وبين محمد بن سلمان، لكن هذا الأمر لن يكون، على الأرجح، بمتناول اليد في المدى القريب. يسري ذلك أيضاً على محمد بن زايد ولي عهد الإمارات، لكن في إنتظار ذلك، وبمعزل عن تحققه أو عدمه، فإن المشروعية يمكن أن تأتي هذه المرة من مطارح عديدة:

أولاً، سعد الحريري اللبناني، أو ما يسميه أحد كبار الزملاء “سعد الحقيقي”. تقتضي هذه المشروعية اللبنانية قدراً كبيراً من الواقعية السياسية التي تجعله يتحرر إلى حد كبير من “ثقالات” سياسية خارجية كانت تجعله يقيم حساباً لكل خطوة وموقف ومبادرة، وهذه يمكن أن تجعله أكثر إنفتاحاً على كل الحساسيات اللبنانية، إلا تلك التي يعتقد أنها “غير ضرورية” ويسهل تجاوزها لأسباب عديدة يطول شرحها، ولا سيما منها “القوات اللبنانية”..

وعلى سبيل المثال لا الحصر، ليس خافياً على أحد أن الحريري لو كان (في الماضي) طلب موعداً للقاء السيد حسن نصرالله، فإنه كان يخشى ليس ردة فعل جمهوره اللبناني ولا إهتزاز علاقاته الدولية، بل ردة فعل السعوديين. هذه المرة ستكون حساباته مختلفة حتماً. لا يعني هذا أن اللقاء سيحصل. على الأرجح، هكذا لقاء ليس موضوعاً حالياً على جدول أعمال الطرفين، لكن الحريري، وفي قرارة نفسه، لن يترك باباً لبنانياً إلا وسيطرقه لكن وفق منظومة مصالح وحسابات جديدة.

ثانياً، لن يقصّر سعد الحريري في طرق أبواب عربية عديدة، لا سيما منها البوابة الفرعونية، وهو لمس إستعداد القيادة المصرية لإحتضانه، لكن ليس إلى حد خوض معارك بالنيابة عنه أو الإساءة إلى علاقات عربية ودولية إستراتيجية. ما يسري على المصريين، ينسحب على الأردن والعراق والكويت وسلطنة عمان وقطر ودول المغرب العربي من دون إستثناء اي منها، وأيضاً من دون التعويل كثيراً على أي منها تحديداً!

ثالثاً، سيبقى الحريري فرنسياً بالهوى والهوية أيضاً. هذا رهان كبير ولن يُفرّط به، بل سيحاول أن يقدم نموذجاً مختلفاً في المرحلة المقبلة من أجل إستعادة مصداقية وثقة والعبرة في ما سيأتي، لا سيما وأن الفرنسيين أبلغوا أكثر من جهة لبنانية راجعتهم أنهم لم يضعوا أي “فيتو” على تكليف الحريري لا بل كان هو مرشحهم الأول قبل أن يحل مصطفى أديب، وظل “العارفون” يرددون أن هذا التكليف سيفضي إلى عودة الحريري حتماً. تكفي في هذا السياق مراجعة مقابلة الحريري وكم مرة ذكر فرنسا والفرنسيين وقصر الصنوبر والمبادرة الفرنسية والورقة الفرنسية وقصر الصنوبر إلخ..

إذا كان لقاء قصر الصنوبر قد دعا إلى تنحي الأحزاب والسياسيين جانباً، هل يعتبر الحريري نفسه “كائناً فضائياً” أم “خبيراً إقتصادياً”؟ وكيف يصح لسياسي لبناني كان جزءاً من مرحلة أوصلت البلد إلى ما وصل إليه أن يدعي أنه “الوصفة” وأن غيره هم من فئة “الشياطين”

رابعاً، أوحى الحريري في جواب على أسئلة الزميل مارسيل غانم أن لا الفرنسيين ولا الأميركيين وضعوا أي “فيتو” عليه. هذه النقطة لن يجيب عليها أحد إلا ما سيحصل بعد 14 تشرين الأول/أكتوبر 2020. هل مسار التفاوض حول الترسيم البحري لا يتعدى حدود العقوبات الأميركية الأخيرة التي أعقبتها موافقة إسرائيلية كانت مجمدة منذ تموز/يوليو الماضي، أم أننا سنرى مساراً سريعاً للمفاوضات مع جدية متبادلة في التعامل مع الملف في كل من بيروت وتل أبيب وواشنطن؟

على الأرجح، لم يكن الحريري ليقدم على التحرر من الحسابات السعودية من دون ضمانة أميركية. هذه الضمانة تسري على ترؤسه أية حكومة جديدة وكيف سيتعامل مع ملف الترسيم البحري وهل ستلتزم حكومته ببرنامج صندوق النقد الدولي؟

مقابلة الساعات الثلاث تحتاج إلى الكثير من التحليل والتدقيق في الكثير من مفرداتها ورسائلها. الحريري رئيس حزب سياسي وبالتالي هو جزء من النادي السياسي الذي يتحمل مسؤولية ما وصلت إليه أوضاع لبنان من إنهيار سياسي وإقتصادي ومالي حالياً. لقد إعترف الرجل بذلك، وهذا يُسجل له، لكن هل سيخوض التجربة الجديدة متحرراً من اثقال تجارب خمسة عشر عاماً مضت وكانت كلفتها عالية على لبنان؟ ثم هل أراد بترشيح نفسه قطع الطريق على فرصة أحد زملائه في نادي رؤساء الحكومات الذي دعا إلى حكومة تكنوسياسية؟ وإذا كان لقاء قصر الصنوبر قد دعا إلى تنحي الأحزاب والسياسيين جانباً، هل يعتبر الحريري نفسه “كائناً فضائياً” أم “خبيراً إقتصادياً”؟ وكيف يصح لسياسي لبناني كان جزءاً من مرحلة أوصلت البلد إلى ما وصل إليه أن يدعي أنه “الوصفة” وأن غيره هم من فئة “الشياطين”؟ ثم ماذا عن الأسباب التي حالت دون قبوله برئاسة الحكومة قبل سنة؟ هل زالت هذه الأسباب وما هي؟ وهل كان لزاماً على اللبنانيين أن يدفعوا ثمن وقت ضائع مع حسان دياب وحكومته التي ساهمت بتبديد الفرص؟

ها هو الحريري يحاول إعادة الإعتبار إلى الحريري.. ولعل المدخل بإستعادة صدقية خسرها لبنانياً وفرنسياً ودولياً.. للبحث صلة!

حسين أيوب

صحافي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course