إيران: هل يستدرج المحافظون واشنطن بالضغط النووي؟

يسيطر المحافظون حالياً على أكثر من ثمانين بالمئة من مقاعد البرلمان الايراني الحالي وهؤلاء سيكونون بالمرصاد لأية عملية تفاوضية محتملة مع الولايات المتحدة، سواء أدارها فريق الرئيس الايراني الحالي الشيخ حسن روحاني أم الرئيس الذي سيفوز في إنتخابات الرئاسة في 18 حزيران/يونيو المقبل، وهو سيكون محسوباً على التيار المحافظ، كما تشي المؤشرات الراهنة.

في الوقت الذي كانت فيه أنظار العالم متجهة إلى الإنتخابات الرئاسية الأميركية ونتائجها، وافق البرلمان الإيراني على مسودة مشروع بعنوان (إجراءات إستراتيجية من أجل إلغاء العقوبات)، على أن يصوّت عليه البرلمان الإيراني، بشكل عاجل، وقال أحد النواب الإيرانيين المحافظين إن المشروع يهدف إلى “إجبار أميركا على التفاوض مع إيران”.

196 نائباً إيرانياً يعتقدون بأن الحكومة الايرانية لم تتبن حتى الآن أي رد مناسب على خروج أميركا من الإتفاق النووي وتنصل الدول الأوروبية من تعهداتها ومساعيها لكسب الوقت، ويرى هؤلاء بأن الفرصة الآن تبدو مؤاتية لكي تتبنى إيران رداً حازماً إذا إستمرت هذه الدول بالتنصل من تعهداتها في الإتفاق النووي، وحرمت إيران من حصاد الثمار الإقتصادية المنصوص عليها في الإتفاق النووي.

ما هي أبرز بنود المشروع؟

 بموجب هذا المشروع البرلماني يتعين على منظمة الطاقة النووية الايرانية أن تزيد إنتاج اليورانيوم المخصب، ويتعين عليها، خلال فترة لا تتجاوز الشهرين، من تاريخ القانون، إتخاذ خطوات من شأنها رفع مستوى الإنتاج إلى 120 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% سنوياً في منشأة فردو النووية وتخزين هذه الكمية من اليورانيوم المخصب داخل الأراضي الايرانية.

وبموجب المشروع أيضاً يتعين على المنظمة النووية الايرانية أن تزيد إنتاج اليورانيوم المخصب في ايران إلى 500 كلغ سنوياً على أقل تقدير وبنسبة تخصيب تتناسب مع الاستخدامات السلمية الايرانية وأن تتخذ خطوات تساعد على إستهلاك وتخزين اليورانيوم المخصب بالنسبة المذكورة أعلاه داخل الأراضي الايرانية.

1000 جهاز طرد في فوردو

وينص المشروع على أنه خلال ثلاثة شهور من نفاذ القانون، يتعين على المنظمة النووية الايرانية أن تبدأ بتنصيب أجهزة الطرد المركزي بما لا يقل عن 1000 جهاز طرد مركزي من نوع IR-2m وأن تضخ الغاز في أجهزة الطرد المركزي وتبدأ بعمليات التخصيب والتخزين في منشأة نطنز التي تم تأسيسها تحت الأرض. وبالتزامن مع هذه العملية، على المنظمة النووية أن تقوم بنقل عمليات التخصيب والأبحاث المتعلقة بأجهزة الطرد المركزي المتطورة من نوع IR6 إلى منشأة فردو وأن تبدأ بعملية تخصيب اليورانيوم في هذه المنشأة بما لا يقل عن 164 جهاز طرد مركزي وأن يصل عدد أجهزة الطرد المركزي النشطة في هذه المنشأة إلى 1000 جهاز طرد مركزي في تاريخ 20 آذار/مارس عام 2021.

إعادة إحياء مفاعل أراك

يتعين على المنظمة الايرانية للطاقة النووية، وخلال فترة لا تتعدى أربعة أشهر من تاريخ إقرار القانون، إعادة إحياء مفاعل أراك (40 ميغا واط) لإنتاج الماء الثقيل وإعادة المفاعل إلى ما كان عليه قبل الإتفاق النووي، علماً أن هذا المفاعل تم تعطيله بهدف إعادة تصميمه بما يتناسب مع الأغراض السلمية بموجب الإتفاق النووي عام 2015.

 منشآت ايران النووية لن تتبقى مفتوحة

ويتعين على الحكومة، بموجب المشروع، أن توقف العمل بالبروتوكول الإضافي في الإتفاق النووي خلال فترة شهرين من تاريخ نفاذ القانون علماً بأن البروتوكول الإضافي في الإتفاق النووي يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بإخضاع البرنامج النووي الايراني إلى رقابة مشددة أكثر من المتعارف عليها دولياً، وفي حال لم ترتق العلاقات المصرفية بين ايران والدول الأوروبية وتصدير النفط الايراني إلى الدول الأوروبية إلى المستوى الذي كان عليه قبل العقوبات الأميركية خلال فترة أقصاها 3 شهور من تاريخ تنفيذ القانون، يتعين على الحكومة أن تعلن التوقف عن الإلتزام الطوعي بالبروتوكول الإضافي في الإتفاق النووي ويتعين عليها أن تقدّم إلى البرلمان مشروع الرد بالمثل (الرد بالمثل على عدم التزام الدول الأوروبية بتعهداتها في الإتفاق النووي)، وكل من يستنكف عن العمل بموجب هذا القانون (في إيران) سوف يحكم عليه بموجب قانون العقوبات الإسلامية الذي تم إقراره عام 2013.

تحذير شديد إلى دول الإتحاد الأوروبي

لا شك أن هذا المشروع سيعيد لايران مجدداً استقلالية اتخاذ القرار ورفع مستواها العلمي في مجال الأبحاث النووية للأغراض السلمية، ولكن إذا أردنا مقاربة المشروع المذكور من زاوية إنعكاساته وتبعات السياسية، يجب القول إن الدول الأوروبية (يسري ذلك على الإدارة الأميركية) إذا لم تلتزم بتعهداتها في الإتفاق النووي خلال فترة شهرين من تاريخ إقرار القانون، فهذا يعني بان ايران خرجت عملياً من الإتفاق النووي وسوف تمضي في برنامجها النووي بموجب ما تقتضيه مصلحتها القومية.

ولكي يتم طرح هذا المشروع في الإجتماع العلني للبرلمان الايراني خارج الأولويات المعمول بها، تم التصويت على أن يتم طرح المشروع بصيغة “عاجل جداً” بموافقة 196 نائباً من أصل 215 نائباً، ومن المتوقع أن يطرح المشروع النهائي لمناقشته والتصويت عليه في البرلمان الايراني خلال الأيام المقبلة، إلا إذا حصل تطور سياسي مفاجىء، من نوع طلب تأجيل إقراره.

المشروع البرلماني وفوز بايدن

من المقرر أن يتسلم الرئيس الأميركي المنتحب جو بايدن مقاليد الحكم في البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير 2021، كما أن الإنتخابات الرئاسية الايرانية سوف تجري في 18 حزيران/يونيو 2021، وهذا يعني أن الرئيس حسن روحاني وحكومته لديهم فرصة خمسة شهور فقط لتجريب حظوظهم في أية مفاوضات جديدة، سواء كانت هذه المفاوضات بعنوان الإتفاق النووي او أي عنوان آخر.

هنا يتبادر إلى الأذهان سؤال هام: هل يمكن أن تنطلق عملية مفاوضات ثنائية مباشرة بين الحكومتين الأميركية والايرانية خلال الشهور الخمسة المتبقية من ولاية روحاني وذلك على خلفية إعلان أميركا العودة إلى الإتفاق النووي، كما وعد بايدن خلال حملته الإنتخابية؟

هنا، ثمة مفارقة ينبغي تسليط الضوء عليها. قبل أن يتسلم بايدن مفاتيح البيت الأبيض، استقبل الإقتصاد الايراني خبر فوزه في السباق الإنتخابي بإشارات إيجابية، وأبرزها إنتعاش سعر العملة الايرانية مقابل سعر صرف الدولار الذي تراجع في السوق الموازية الايرانية من ثلاثمئة وعشرة آلاف ريال إلى مئتين وأربعين ألف ريال، وهذا الأمر انعكس بشكل سريع على قطاعات إقتصادية مرتبطة بالعملات الأجنبية، ويعني ذلك أن مجرد إحتمال إنطلاق مفاوضات ثنائية على خلفية عودة أميركا إلى الإتفاق النووي وإلغاء أو تعليق معظم العقوبات التي فرضتها إدارة دونالد ترامب على طهران، سوف يمنح الإقتصاد فرصة لتنفس الصعداء وعودة الإستقرار إلى الأسواق الايرانية وتحرير الايرانيين من الضغوط التي تعرضوا ويتعرضون لها بفعل العقوبات الأميركية الأقسى في التاريخ.

هذا السيناريو إذا تحقق سوف يُعيد التيار المعتدل والإصلاحي إلى الساحة السياسية الايرانية مجدداً وسوف يمكنه من الدفاع عن السياسة الخارجية لروحاني وسوف يعمل بجهد لإستثمار إنجازات حكومة روحاني خلال المتبقي من عمرها في الإنتخابات الرئاسية الايرانية المقبلة عبر العمل على إيصال مرشحه إلى سدة الرئاسة الايرانية بعد إنتهاء ولاية روحاني، وبالتالي، تتراجع حظوظ المرشح المحافظ في الإنتخابات الرئاسية المقبلة.

المشروع البرلماني يخلط الأوراق

يصح القول إنه في ظل هذه الأجواء يشكل المشروع البرلماني الجديد مناسبة لإعادة خلط الأوراق وإفشال أية محاولة لإنطلاق مفاوضات إيرانية ـ أميركية خلال ما تبقى من ولاية روحاني. لنفترض أن البرلمان الايراني صوّت لصالح المشروع قبل يوم 20 كانون الثاني/يناير 2021، عندها سوف يتعين على المنظمة الايرانية للطاقة النووية وعلى حكومة روحاني تنفيذ بنود القانون خلال فترة لا تتعدى الشهرين، وهذا يعني أن دول الإتحاد الأوروبي إذا لم تلتزم بتعهداتها في الإتفاق النووي ولم تمنح ايران الإمتيازات الإقتصادية التي تبحث عنها فإن الأخيرة ستتخذ خطوات عملية بإتجاه الخروج من الإتفاق النووي وخفض مستوى تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. يأتي طرح هذا السيناريو في ظل قناعة راسخة بأن الدول الأوروبية لن تستجيب لطلب البرلمان الايراني في ظل العقوبات الأميركية ولن يختلف ردها عن ردودها في السنتين الأخيرتين.

تجميد أية مفاوضات محتملة

إذا تحقق هذا السيناريو خلال الشهر الأول من استلام بايدن مقاليد الحكم، فإن حكومة روحاني ستكون مضطرة لتنفيذ بنود “مشروع البرلمان الاستراتيجي” بكل مندرجاته ولا سيما في ما يتعلق بالإتفاق النووي. لذلك، فإن النتيجة الطبيعية لالتزام الحكومة بهذا المشروع هي خروج ايران من الإتفاق النووي، ومن يقف ضد هذا الخيار، تشير مسودة المشروع البرلماني إلى أن كل شخص يستنكف عن الإلتزام بالقانون من تاريخ إقراره في البرلمان الايراني سيتعرض للعقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات الإسلامية (البنود 4 إلى 7)، أي العزل من المناصب الحكومية والخدمات الإجتماعية لفترة تتراوح من 4 إلى 10 سنوات.

هذا المسار من شأنه أن يقضي على أية فرصة لإنطلاق أي نوع من المفاوضات بين حكومتي روحاني وبايدن وبالتالي فإن أي تطور جديد على صعيد إنطلاق مفاوضات ايرانية أميركية سوف يتم تأجيله لغاية إنتهاء الإنتخابات الرئاسية الايرانية المقبلة في حزيران/يونيو المقبل.

هل لمصلحة طهران رفع السقف؟

إذا أصبح المشروع البرلماني قانوناً، فإن البرنامج النووي الايراني، وخلال فترة أقصاها ستة شهور من تاريخ نفاذ القانون، سوف يكون أقوى مما كان عليه قبل الإتفاق النووي عام 2015 وسوف يؤدي إلى زيادة قدرة ايران على تخصيب اليورانيوم واستخدام أجهزة الطرد المركزي المتطورة وعندها فإن أية عملية تفاوض جديدة ستكون تحت سقف قدرة إيران المضاعفة على استعادة قدراتها النووية المتطورة.

الآن يجب أن ننتظر لنرى إذا كان البرلمان الايراني سوف يصوت لصالح هذا المشروع وما إذا كانت ايران قادرة على تحمل تبعات وإنعكاسات هذا المشروع دولياً، وهل سيحصل المشروع البرلماني على موافقة مجلس الأمن القومي الأعلى بصفته المسؤول المباشر عن الإتفاق النووي؟ أم أن المؤسسات النافذة الايرانية سوف تطلب من البرلمان الايراني تأجيل أو إلغاء التصويت لصالح المشروع الاستراتيجي لأن الأولوية هي لرفع العقوبات الأميركية وليس لإعطاء مبررات لزيادتها؟

طهران ـ علي منتظري

كاتب وصحافي ايراني مقيم في طهران

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
online free course