الحريري إن حلّ محل دياب.. ماذا عن أزمة لبنان المالية؟
Lebanese outgoing prime minister Saad Hariri meets with Prime Minister-designate Hassan Diab (L) in Beirut on December 20, 2019. - Diab said he wants to form a government of independent technocrats that can tackle the spiralling economic crisis as protests against his nomination spread. (Photo by - / AFP) (Photo by -/AFP via Getty Images)

يسود إعتقاد بأن خارطة طريق معالجة الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية باتت واضحة المعالم أمام أية حكومة تشكل في لبنان، ولا ينقص إلا التشمير عن السواعد. هو اعتقاد خاطئ شكلاً ومضموناً، ذلك أن تشخيص الأزمة يتراوح بين تهوين مضلل أو تهويل محبط، مروراً بألون قوس قزح متنافرة من العلاجات الاشتراكية مقابل أخرى ليبرالية متوحشة.

من أجل تلخيص المعادلة الصعبة الماثلة أمامنا لسنوات طويلة مقبلة، يجدر طرح سؤال تبسيطي هو التالي: ما الذي عجز عنه رئيس الحكومة المستقيل حسان دياب ويستطيع رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري انجازه؟

اذا كانت حكومة حسان دياب عانت من دمغها بوسم “حكومة حزب الله” من قبل أطراف خارجية فاعلة وحاضرة بقوة في لبنان، بشكل مباشر او غير مباشر، ومنعت عنها يد العون تحت هذا العنوان، فهل سيعاني سعد الحريري من نفس الدمغة  في حكومته المنتظرة بمشاركة حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر وتيار المردة والحزب القومي، علماً بانه كان موصوماً بنفس دمغة “حكومة حزب الله” في 2017 عندما إحتجز وعوقب سعودياً؟ فما الذي سيتغير هذه المرة لتأتي القروض والمساعدات؟ قالتها السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا “لم ندعم الحكومة  الأخيرة لأن الذي شكّلها هو حزب الله ولكننا وقفنا الى جانب الشعب اللبناني سوف نرى ماذا سيكون شكل الحكومة المقبلة لتحديد موقفنا”.

في السابق، كان الحريري يتغنى بأنه استطاع الحصول على وعد “سيدر” ويقول للآخرين: هذا أنا، ماذا استطعتم أنتم؟ أما اليوم فالوضع مختلف جداً. ذلك التغني فقد صلاحيته، فالفرنسيون رعاة مؤتمر “سيدر” يقولون من الآن فصاعداً ولأية حكومة تتشكل وبالفم الملآن:  اذهبوا إلى صندوق النقد الدولي أولاً، ولا تمويل إلا بعد الاتفاق مع تلك الجهة المالية الدولية التي للولايات المتحدة الأميركية أكبر قدرة تأثير في تصويتها. أما الأميركيون، فيقولون إن الموقف من حزب الله هو ألفباء المساعدات.

ولتبسيط المقارنة الظالمة بين الحريري ودياب، يمكن تلخيص الملفات بعنوان عريض مختزل هو “تقييم الخسائر وكيفية توزيع بعضها مبدئياً في موازاة السعي لتعويض بعضها الآخر”.

في جانب تلك الخسائر، وضعت حكومة حسان دياب في خطتها المالية تقييماً أعدته شركة “لازار” بلغ أكثر من 62 مليار دولار (241 الف مليار ليرة على أساس 3900 ليرة للدولار الواحد)، عبارة عن فجوات في مصرف لبنان والقطاع المصرفي والمالي.

ثمة مفاجأة سيئة ستواجه سعد الحريري، وهي أن جهات دولية مثل فرنسا والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي باتت أقرب الى التقدير المرتفع للخسائر، وتعتمد مبدئياً ما اقرته حكومة دياب (خطة لازار)

وافقت حكومة حسان دياب على ذلك التقدير، وشرعت في مفاوضة صندوق النقد الذي اعتمد التقدير نفسه تقريباً. في المقابل، فان سعد الحريري أقرب الى مقاربة حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف ولجنة المال والموازنة النيابية التي قدرت الخسائر وفق سيناريوهين تراوحت فيهما الأرقام بين 80 و150 الف مليار ليرة (أي بين 20 و40 مليار دولار فقط) وفي ذلك محاولة تهوين من المنظومة السياسية والمصلحية الحاكمة لما اقترفته أيديها.

على أي حال، فان الفيصل هو الخارج وليس الداخل، فلبنان، وباعتراف الجميع، لن يخرج من أزمته إلا بمساعدة خارجية. وهنا مفاجأة سيئة ستواجه سعد الحريري، وهي أن جهات دولية مثل فرنسا والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي باتت أقرب الى التقدير المرتفع للخسائر، وتعتمد مبدئياً ما اقرته حكومة دياب (خطة لازار). والفارق بين التقديرين 20 مليار دولار في أحسن الأحوال و40 ملياراً في أسوئها. فمن يتحمل هذا الفارق وبأي مبرر عادل مقبول من الجميع؟

الملف الخلافي الشائك الثاني، والمتصل عضوياً بالأول، هو التدقيق الجنائي الذي كلفت به شركة “الفاريز اند مارسال” لفحص حسابات مصرف لبنان وتقديم الجواب الشافي عن الخسائر وأسبابها وربما المتسببين بها، فضلاً عن تحديد من استفاد من الهندسات المالية بفوائد باهظة بغير وجه حق ومن هرّب الأموال إلى الخارج في العامين 2019 و2020. وهنا ليس سراً القول ان حكومة دياب أرادت إحراج رياض سلامة وتحميله المسؤولية، فاذا به يردها على أعقابها بقوة متذرعاً بقانوني السرية المصرفية والنقد والتسليف لحجب المعلومات والبيانات اللازمة لعمل شركة التدقيق. أما سعد الحريري فهو أقرب الى رياض سلامة في مقاربته لهذه القضية. ولن يسمح، بالتحالف مع آخرين، بتعديل القانونين المذكورين كما فعلوا عندما تصدوا لمنع اقرار قانون “الكابيتال كزنترول” واسقطوا التدبير رقم 6 الخاص بانشاء لجنة مهمتها جمع المعلومات حول ثروات كل من تولى مركزا عاما. وبالتالي سيضع الحريري نفسه بمواجهة قاسية مع الجهات الخارجية المقرضة او المانحة التي لن تصرف دولاراً قبل معرفة حجم الخسائر وتحديد المسؤوليات فيها كما أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بصريح العبارة غير مرة.

ومنعاً لتفاقم الخسائر، اقترحت حكومة دياب مشروع قانون لضبط التحويلات المالية (كابيتال كونترول) بقي بلا إقرار ومدار جدل عقيم حوله. ولن تستطيع حكومة الحريري الفكاك منه وفقاً لمتطلبات المجتمع الدولي الذي، إذا ضخ دولارات طازجة، يريد التأكد من عدم تسربها الى الخارج كما حصل منذ عام إلى الآن باستنسابية مشبوهة لمصلحة أطراف وعلى حساب أخرى لا سيما صغار المودعين.

 على صعيد التفاوض مع صندوق النقد، فان دياب والحريري متفقان شكلاً على ذلك، لكن لكل منهما مقاربة مختلفة في المضمون عن الآخر. فالأول أراد التسليم بافلاس البلاد وتحميل المنظومة السياسية والمالية العبء الأكبر من الخسائر والمسؤوليات ليظهر بمظهر المنقذ النظيف. بينما الثاني، وهو ابن النظام، لا يريد ذلك حتماً حمايةً لنفسه وللآخرين أسوة به في “السيستم” الطائفي الزبائني المشترك. ولدحض مقولة الإفلاس ستوضع على الطاولة الأملاك والمرافق العامة وربما الذهب أيضاً. أي أن  الخسائر يدفعها الجميع، ولا ضير في خصخصة تشبه “صولدات” آخر الموسم!

حسان دياب ليس إبن النظام والسياسات المعتمدة منذ عقود، بينما الحريري هو جزء من سياسات إقتصادية ومالية تم تدشينها في العام 1992 وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا. لذلك، يبدو الصندوق أكثر تساهلا مع دياب بعكس السائد

وهنا لا يجوز إغفال نقطة هامة من منظور صندوق النقد. حسان دياب ليس إبن النظام والسياسات المعتمدة منذ ثلاثين سنة، بينما الحريري هو جزء من سياسات إقتصادية ومالية تم تدشينها في العام 1992 وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا. لذلك، يبدو الصندوق أكثر تساهلا مع دياب بعكس السائد.

النقطة الثانية في هذا السياق، تتمثل بالبرنامج. صندوق النقد يهمه التوصل إلى برنامج يلبي شروطه وتشخيصه، سواء تم ذلك على يد حسان دياب أو الحريري. لذلك، تلعب مجموعة عوامل دورها، فيتداخل الإعتبار الشخصي والتقني والبرنامج وأخيراً البعد السياسي، وهذا الأخير يكون عادة كفيلاً بتسريع إتخاذ القرار وتحديد حصة لبنان من قروض الصندوق.

أما لب المعضلة، فيكمن في شروط صندوق النقد ولعل أصعبها ترشيد الدعم وتحرير سعر صرف الليرة (ثمة ممر هو “التثبيت المرن” عند سقف 5000 ليرة للدولار، وهو رقم قابل للإرتفاع أو الإنخفاض ضمن هوامش ضيقة) وفرض الضرائب والرسوم. هذه الكأس المرة تجنبها حسان الدياب ليتجرعها سعد الحريري، فهل يفعلها، بمساعدة الأطراف السياسية المتآلفة في حكومته؟ وكيف سيواجه الناس بخطط بديلة لتلك الاعباء القاسية التي ستفرض عليهم؟

فالصندوق لا يمول مشاريع، بل يمول، على مراحل، الميزانية العاجزة وميزان المدفوعات العاجز، لمواكبة تحول الميزانية وفق خطة اقتصادية ومالية  الى التوازن ثم الفائض، وميزان المدفوعات من عاجز الى مليء وفق نفس الخطة.

وهنا الطامة الكبرى! فلا يتقلص عجز الميزانية إلا بإيرادات اضافية (ضرائب ورسوم وخصخصة..) ولا يفيض ميزان المدفوعات إلا بعودة الاستثمارات الأجنبية (كيف ومتى؟) وزيادة الصادرات (كيف ومتى؟) وخفض الإستيراد والانفاق الجاري، وبالتالي تنزيل مستوى المعيشة إلى أدنى حد ممكن. وفي النقاط الأخيرة لا تملك أي جهة اليوم رؤية اقتصادية شاملة تسمح بوضع خطط قابلة للتنفيذ فوراً.

ولتبيان صعوبة الأمر تكفي الإشارة إلى ان ما سبق يعني حكماً تقشف اللبنانيين سنوات طويلة والاكتفاء برواتب ضئيلة ودفع رسوم وضرائب إضافية. فلن يتحول لبنان الى اشتراكي لأن الفزاعة هي نموذج فنزويلا، وقد يبقى ليبرالياً اقطاًعيا متوحشاً طالما هناك تحالف وجودي صلب بين بيوت الساسة وبيوت المال.

 ففي الاشتراكية، يجري تدفيع الأثمان للأغنياء وفي مقدمهم أصحاب المصارف وكبار المودعين والتجار وأثرياء السياسة، وهذا ما يقاومه أولو الأمر بقوة. وفي الليبرالية المتوحشة الخالية من المهدئات الاجتماعية ضغط إضافي على عموم الشعب.

أما الساسة فلا جناح عليهم طالما يتبرعون، مشكورين محمودين في سعيهم الدؤوب، لانقاذ البلاد والعباد!

منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free online course