إغتيال فخري زاده.. هل ترد إيران بعد رحيل ترامب؟
A protester holds a picture of Mohsen Fakhrizadeh, Iran's top nuclear scientist, during a demonstration against his killing in Tehran, Iran, on Nov. 28, 2020. WANA (West Asia News Agency) via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY.

لم يفاجئ اغتيال محسن فخري زاده، والد البرنامج النووي الإيراني، الخبراء الأميركيين المختصين بشؤون إيران، فهو يأتي ضمن سياق أميركي-إسرائيلي يمكن فيه توقع خطوات تصعيدية متعددة، قبل مغادرة دونالد ترامب البيت الأبيض بعد أسابيع، سواء من جانب تل أبيب، التي تواصل حربها السرية ضد الجمهورية الإسلامية، أو من جانب واشنطن، التي ستستمر في فرض عقوباتها على طهران، لاستنفاد كافة أدوات سياسة "الضغوط القصوى".

من المؤكد أن رحيل دونالد ترامب من البيت الأبيض ووصول جو بايدن في 20 كانون الثاني/يناير سينعكس بشكل كبير على السياسات الخارجية الأميركية، فالرئيس المنتخب جو بايدن يطالب ببداية جديدة مع إيران، وقد أعرب، خلال حملته الانتخابية، عن نيته استئناف الحوار مع النظام الإيراني، قائلاً “سأعرض على طهران طريقا موثوقا للدبلوماسية، فإذا ما عادت إلى الامتثال الصارم بالاتفاق النووي، فإنّ الولايات المتحدة ستنضم إلى الاتفاقية كنقطة انطلاق لمفاوضات جديدة”.

ما سبق يثير بكل تأكيد استياء “الصقور”، سواء في واشنطن أو تل أبيب، ممن وقفوا ضد الاتفاق النووي، وشعروا بنشوة الانتصار بعد قرار دونالد ترامب الانسحاب من هذا الاتفاق في العام 2018، واللجوء مجدداً إلى العقوبات كجزء من استراتيجية “الضغوط القصوى”.

ظلت نتائج “الضغوط القصوى” أقل بكثير من التوقعات. إذا كان الهدف الرسمي منها هو إجبار طهران على التفاوض على اتفاقية جديدة، أكثر إلزاماً، وفقاً للمعايير الأميركية، فإنّ ذلك لم يحدث. وإذا كان الهدف الآخر منها هو زعزعة استقرار النظام الإيراني، فإنها لم تحقق النتيجة المرجوة أيضاً، على الرغم من الدمار الذي لحق بالاقتصاد الإيراني.

النتيجة الفعلية لسياسة “الضغوط القصوى” كانت أن إيران حررت نفسها من القيود المفروضة في الاتفاق النووي (2015)، فبحسب تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية صادر في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2020، تمتلك إيران حالياً كمية من اليورانيوم المنخفض التخصيب تتجاوز اثنتي عشرة مرة الحد المسموح به في الاتفاق النووي، بجانب أجهزة الطرد المركزي المتقدمة المحظورة بموجب الاتفاق نفسه.

 يدرك بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه مع دخول جو بايدن إلى البيت الأبيض سيكون محتّما عليه تغيير سلوكه مع الإدارة الأميركية الجديدة، التي قد تدين مثل هذه الأعمال المتهورة. مثل هذه الإدانات صدرت بالفعل في العام 2012، أي خلال عهد الرئيس الديموقراطي باراك أوباما، حين تمّ تنفيذ عملية اغتيال مماثلة، فكان أن استنكرت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية حينها، هذا التصرف، باعتباره محاولة متهورة لتقويض الحل السلمي للملف النووي الإيراني.

لذلك، يمكن توقع المزيد من الإدانات على أيّ تحرّك من قبيل اغتيال فخري زاده خلال عهد جو بايدن، بعدما كان ممكناً لإسرائيل، طوال عهد دونالد ترامب، أن تتصرّف بحرّية دون أن تخاطر بتعقيدات في المسار الدبلوماسي مع الولايات المتحدة.

ما سبق يجعل اسرائيل على عجلة من أمرها لفرض متغيرات جوهرية في الصراع مع إيران، للاستفادة إلى أقصى درجة ممكنة من فترة بقاء دونالد ترامب في البيت الأبيض، لا سيما بعدما التقطت بارتياح ما سُرّب من انفتاح الرئيس المنتهية ولايته على القيام بكل ما يمكن لتكبيل خلفه في الملف الإيراني، ولو استوجب الأمر تحرّكاً عسكرياً خلال ما تبقى من أسابيع ولايته.

في 17 تشرين الثاني/نوفمبر، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية دفع دونالد ترامب إلى استكشاف فرصة توجيه ضربة عسكرية لموقع نطنز النووي الإيراني مع نائب الرئيس مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو ورئيس الأركان مارك ميلي.

 من غير المعروف ما اذا كان سيتم ثني ترامب عن الإقدام على خطوة كهذه، ومع ذلك، فإنّ مجرّد طرح مثل هذه الخيارات تظهر رغبة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته في القيام بكل ما في وسعه لمنع العودة المحتملة إلى الاتفاق النووي عام 2015.

لم يعلق الفريق الانتقالي الذي شكّله جو بايدن على اغتيال محسن فخري زاده، إلا أن جون برينان، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) في عهد باراك أوباما، استنكر “العمل الإجرامي والمتهور للغاية”، معتبراً أن “القادة الإيرانيين سيحسنون صنعاً بانتظار عودة القيادة الأميركية المسؤولة إلى المسرح العالمي ومقاومة الرغبة في الانتقام من الجناة المزعومين”.

لا تريد إسرائيل أن تضيّع الوقت، وهي مستعدة لفعل أيّ شيء، فهي تشعر باقتراب الصعوبات المستقبلية بعد رحيل ترامب

ضمن هذه الخلفية، لا تريد إسرائيل أن تضيّع الوقت، وهي مستعدة لفعل أيّ شيء، في الوقت الذي تشعر فيه باقتراب الصعوبات المستقبيلية في فترة العد العكسي لخروج ترامب من البيت الأبيض.

في مقابلة مع مجلة “لوبوان” الفرنسية، يرى الباحث المتخصص في شؤون ايران في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب راز زيمت أن “الشيء الأهم في هذه القضية هو توقيت العملية”، إذ لم يتبقَ سوى 50 يوماً من ولاية ترامب.

من هنا، يبدو الهدف الفعلي من عملية اغتيال فخري زاده، محاولة إسرائيلية لاستفزاز إيران لكي تردّ بالقوة على اغتيال عالمها النووي، بما يوفر ذريعة لهجوم أميركي على المواقع النووية الإيرانية.

السؤال الذي يطرح نفسه بعد عملية الاغتيال يتمحور حول طبيعة الرد الإيراني.

إقرأ على موقع 180  الحريري لو يحمي لوحة لبنان على جدار العرب!

بين المطالبة بردّ سياسي أو انتقام عسكري، وبين الدعوة إلى التريّث بانتظار “التوقيت المناسب”، احتدم الجدل السياسي في إيران عشية تشييع فخري زاده.

في افتتاحية عنيفة، دعت صحيفة “كيهان” الإيرانية المتشددة إلى شن هجوم على ميناء حيفا الإسرائيلي، من أجل “تدمير بنيته التحتية بالكامل”، وقتل العديد من الأشخاص إذا “ثبت” أن إسرائيل وراء مقتل فخري زاده.

وفي مجلس الشورى الإسلامي، وقع النواب، وبالإجماع، على نداء جاء فيه أن أفضل رد على “أعمال الإرهاب والتخريب” الأميركية – الإسرائيلية يتمثل في “إحياء الصناعة النووية الإيرانية المجيدة”، وذلك من خلال التوقف عن تطبيق البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

بموجب شروط اتفاقية فيينا، وافقت إيران على الامتثال لمتطلبات هذه الوثيقة التي تقضي بوصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى منشآتها النووية، حتى قبل المصادقة عليها من قبل البرلمان.

منذ يوم الجمعة الماضي، يطالب الإيرانيون الأكثر تشدداً بوقف التعامل مع مفتشي الوكالة الأممية. وقال النائب محمود نابافيان لوكالة “تسنيم”: “لن نحظر زياراتهم فحسب، بل سنحظر أيضاً محادثاتهم مع الخبراء أو العلماء” الإيرانيين.

أما محسن رضائي، القائد العام السابق للحرس الثوري، والذي يشغل الآن منصب أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران، وهو منصب رئيسي في النظام الإيراني، فقد ذهب أبعد من ذلك، إذ نقلت وكالة “تسنيم” عنه القول إنه لا يوجد سبب يمنع إيران من إعادة النظر في انضمامها إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

ومع ذلك، فإن قراراً في هذا الشأن يبقى رهن توجهات المجلس الأعلى للأمن القومي الذي له اليد العليا في القرارات المتعلقة بالقضية النووية، وطبعاً تبقى الكلمة الأخيرة للمرشد علي خامنئي.

وبحسب ما نقلت وكالة “ايرنا” عن المتحدث باسم هيئة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي، فإنّ قضية دخول المفتشين يجب أن تبت فيها “مستويات أعلى” في الجمهورية الإسلامية، ما يشير إلى أن ذلك ليس من مسؤولية نواب مجلس الشورى الإسلامي.

وفقاً لراز زيمت، فإنّ “العملية نفذت الآن، ومن غير المرجح أن ترد إيران على الفور، لا سيما أنها تخاطر بذلك في إعطاء ترامب فرصة لكي يرد بدوره”.

يستشهد المسؤول الاستخباراتي الإسرائيلي السابق بموقف الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي تعهد بالرد “في الوقت المناسب”.

يبدو واضحاً أن روحاني، ومنذ الإعلان عن فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية، قد ضاعف علامات الانفتاح التي تظهر رغبته في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاتفاق النووي، الذي يمنح طهران إعفاءات من العقوبات الدولية في مقابل ضمانات يتم التحقق منها من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتهدف إلى إثبات الطبيعة السلمية حصراً للبرنامج النووي الإيراني.

لهذا يبدو مستبعداً أن تقع إيران في “الفخ” الذي نصبه الإسرائيليون، فبحسب زيمت “الإيرانيون ماكرون، ولا يريدون أن يلعبوا لعبة دونالد ترامب”، لكنه يرى أنه “من المؤكد أن إيران سترد عاجلاً أم آجلاً”.

بناءً على ما سبق، فإنّ الترجيحات تذهب باتجاه أن إيران لا يمكنها الرد على اغيتال فخري زاده إلا بعد مغادرة ترامب البيت الأبيض، حتى لا تعطيه سبباً لشن ضربة عسكرية في نهاية ولايته الرئاسية، خاصة أن العديد من الرؤساء الأميركيين يرتكبون أعمالاً متهورة جداً قبل رحيلهم.

ومع ذلك، وفي ظل “أسابيع الجمر” التي بات كثرٌ يصفون بها الأيام الأخيرة من الولاية الرئاسية الأميركية الحالية، يبقى الصراع الأميركي – الإيراني مفتوحاً على احتمالات شتى، فبين التهوّر الترامبي، والغضب الإيراني، والتحريض الإسرائيلي، يمكن توقع أكثر السيناريوهات تطرفاً في كل يوم يمضي في المرحلة الفاصلة بين اغتيال محسن فخري زاده وموعد التنصيب المرتقب في البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير 2021.

Print Friendly, PDF & Email
وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  من شهاب وتقلا إلى رشيد و"تقي بيك".. حُكّامٌ خافوا الله؟