زيارة قطرية سينمائية إلى لبنان.. وماكرون عالق بين نارين

يوحي إهتمام اللبنانيين بزيارة وزير خارجية قطر وحركة الإتصالات الفرنسية المتصلة بالملف اللبناني أن قضيتهم صارت أولوية كل الأمم، بينما حقيقة الأمر أننا ما زلنا في مرحلة الجعجعة بلا أي طحين حكومي.

لا خرق سياسياً جدياً في جدار الأزمة السياسية الداخلية. أزمة عنوانها حكومة ولكن مضمونها يتصل بإستحقاقات متزاحمة في العام 2022، وبعدم قدرة أي طرف على ضمان نتائج مسبقة، فضلاً عن أزمة ثقة عميقة بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل من جهة والعديد من القوى السياسية، ولا سيما رئيس تيار المستقبل سعد الحريري من جهة ثانية.

لنبدأ من حركة الإتصالات الخارجية المتصلة بلبنان:

في باريس، إستقبل رئيس فرنسا ليل أمس (الأربعاء) رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، على عشاء عمل، في قصر الأليزيه. كان رئيس تيار المستقبل أبلغ معاونيه وبعض الحلفاء والأصدقاء في بيروت بأنه سيلتقي ماكرون. ووفق معلومات صحافية، ليس مستبعداً أن يكون الحريري قد إلتقى ماكرون مرتين في زيارته الحالية.

وفق المكتب الإعلامي للحريري، تناول اللقاء، الذي دام ساعتين، “جهود فرنسا ورئيسها لتحضير الدعم الدولي للبنان فور تشكيل حكومة قادرة على القيام بالاصلاحات اللازمة لوقف الانهيار الاقتصادي واعادة اعمار ما تدمر في بيروت جراء انفجار المرفأ في آب/ أغسطس الماضي” كما بحثا “الصعوبات اللبنانية الداخلية التي تعترض تشكيل الحكومة والسبل الممكنة لتذليلها”.

من الواضح أن ماكرون يريد أن يُحقق إنجازاً لبنانياً ما، ولا يريد أن “يقطف” أحد غيره ثمار المشهد السياسي اللبناني، لكن في المقابل لا يريد أن يتحمل مسؤولية فشل سياسي جديد، خاصة وأنه أخذ على عاتقه زيارة لبنان مرة ثالثة، وهي زيارة لن تتم إلا إذا ترافقت مع ولادة حكومة لبنانية جديدة، وذلك تحت طائلة إرجاء الزيارة حتى إشعار آخر.

بهذا المعنى، يبدو الفرنسيون أكثر إرتباكاً من أي وقت مضى. هم يتصرفون ليس بوصفهم خبراء وعارفين بالوضع اللبناني. حتى الآن، لم يظهروا كفاءة عالية، بخلاف الإنطباع السائد عنهم، وخصوصا في أعقاب زيارة ماكرون الأولى إلى بيروت، غداة إنفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/ أغسطس 2020.

يحاول الفرنسيون تحصين مبادرتهم اللبنانية، دولياً وإقليمياً. ما أخذوه من الأميركيين لا يكفي للفوز بحكومة، وهذا الأمر يسري على ما أخذوه من الإيرانيين أيضاً. ولنفترض أن ماكرون ذهب إلى الرياض وإجتمع بولي العهد السعودي محمد بن سلمان وإستطاع أن يحصل على ضمانات سعودية لمبادرته اللبنانية، فضلاً عن إعادة فتح أبواب المملكة الموصدة أمام سعد الحريري، هل يكفي ذلك لتشكيل حكومة لبنانية؟

الجواب لا.

لا يكفي أن يحصل ماكرون على ضمانات من مصر والإمارات والسعودية والولايات المتحدة وإيران ولا أن يوفد باتريك دوريل إلى بيروت مجدداً. هناك مشكلة لبنانية حقيقية تعكسها حقيقة الشروط المتبادلة بين الحريري وجبران باسيل. يقود ذلك إلى الإستنتاج أن الفرنسيين بحاجة إلى فريق من “الخياطين السياسيين” الذين يُلمّون بالوضع اللبناني ويستطيعون تقديم أفكار تكسر حالة الجمود، وإلا ما الذي يمكن أن يجعل جبران باسيل (بعد فرض العقوبات الأميركية عليه)، يقبل بأي تنازل عن السقف الذي لم يحد عنه طوال المرحلة الممتدة من لحظة تكليف الحريري حتى يومنا هذا؟

هناك ثلاثة عناوين خلافية جدية أولها وأسهلها عدد الوزراء، فالتيار الحر ما زال متمسكاً بإقتراح العشرين وزيراً مقابل تمسك الحريري بحكومة من 18 وزيراً.

ثانيها، عدد الوزراء الذين سيكونون من حصة التيار الحر ورئيس الجمهورية. هنا يريد باسيل ستة وزراء لا يكون من ضمنهم الوزير الأرمني الذي يسميه حزب الطاشناق. يقول المقربون من باسيل إن هذا الشرط لا يتصل فقط بقرار الطاشناق تسمية الحريري رئيسا للحكومة خلافاً لإرادة تكتل لبنان القوي، بل لأن هذا الحزب الأرمني يرفض دائما أن يكون جزءاً من الثلث المعطل خلال التصويت في مجلس الوزراء. هذه النقطة ما تزال بلا حل حتى الآن.. ثمة أفكار متداولة بينها أن يأخذ الفرنسيون على عاتقهم إقناع الطاشناق بأن يكونوا جزءا من تصويت كتلة لبنان القوي في مجلس الوزراء، أو البحث عن وزير ملك يسميه الفرنسيون من حصة رئيس الجمهورية ويلتزم الحياد في التصويت في مجلس الوزراء. هذه النقطة لم تجد حلاً حتى الآن، ولا يبدو أن هناك من وجد أي مخرج لها حتى الآن.

النقطة الثالثة، تتعلق بتوزيع الحقائب. لم يتمكن أي طرف من تذليل عقد حقائب الداخلية والعدلية وحتى الطاقة التي يتمسك بها التيار الوطني الحر، خلافاً لوجهة المبادرة الفرنسية التي إشترطت أن لا يكون وزير الطاقة من حصة جبران باسيل. هل يمكن أن يطلب الحريري عودة الحقائب السيادية إلى واقعها الحقيقي، فتعود الداخلية إليه، والدفاع للأرثوذكس والخارجية للموارنة، كما عادت وزارة المالية للشيعة؟

رئيس الجمهورية ميشال عون يرفض هذا المخرج، مثلما رفض أن يسمي وزيرا مسيحياً للداخلية يوافق عليه الحريري وكذلك مخرج تسمية وزير سني للعدلية يسميه الحريري ويوافق عليه رئيس الجمهورية.

إقرأ على موقع 180  "جنرالات إسرائيل".. أفول الأدوار السياسية!

لذلك، يمكن القول إن العقد الداخلية لم تتزحزح قيد أنملة حتى الآن.

من يضغط على هذا أو ذاك للإفراج عن الحكومة؟

هذا السؤال ليس مقصوداً منه إلا حزب الله. الأخير كان واضحاً بلسان نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم برفضه الضغط على حليفه جبران باسيل لعدم قناعته بذلك، وقال “إذا اتفق الرئيسان ميشال عون وسعد الحريري تنجز الحكومة”، مؤكداً أن حزب الله ” ليس في موقع من يضرب على الطاولة ولا يفرض أي شيء على حلفائه لأنه غير قادر وغير مقتنع بذلك”.

هنا يصبح السؤال متى يتخذ حزب الله قراراً سياسياً كبيراً بالدفع أو الضغط بإتجاه تشكيل حكومة؟

لا أحد يملك جواباً على هذا السؤال حتى الآن. الأكيد أن حزب الله ورئيس مجلس النواب نبيه بري يريدان للحريري ان ينجح بتأليف الحكومة وفي مرحلة لاحقة بإدارة الحكومة بفعالية وبتوازنات لا تعطي أحداً من الأطراف الثلث الضامن أو الثلث المعطل، ولكنهما في الوقت نفسه لا يريدان أن يكونا سبباً في هزيمة إستراتيجية لميشال عون، خاصة وأن الحريري لم يتحول حتى الآن إلى عنوان ثقة لـ”الثنائي”، كما للآخرين، لا بل أظهرت تجربة مصطفى أديب إستعداد رئيس تيار المستقبل للتعامل بحدة سياسية غير مألوفة مع بري، وهذا دليل على أن فريق السلطة كله يفتقد للثقة بين بعضه البعض، بدليل الإتصالات التي أجراها الحريري بعدد من حلفائه، في الساعات الأخيرة، وأبرزهم رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط، الذي كان ينتظر “خبراً سعيداً” يتصل بتأليف الحكومة، فإذا به يجد الحريري عالقاً في المربع الأول للتأليف!

وإذا كان لافتاً للإنتباه أن الحريري تعمد أن يكون موجوداً في العاصمة الإماراتية ثم الفرنسية، بالتزامن مع زيارة وزير خارجية قطر محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، حيث برّر الجانبان ذلك بخلل يتصل بـ”الجدولة”، فإن اللافت أكثر للإنتباه هو الإجتماع الذي عقد بين الوزير القطري وجبران باسيل، وناقش خلاله الطرفان قضايا سياسية، فضلاً عن مشاريع قطرية طاقوية مستقبلية ربطاً بتأليف الحكومة الجديدة. وحسب المعلومات الأولية، أبدى القطريون تفهمهم لمعظم القضايا التي طرحها التيار الحر في ما يخص تأليف الحكومة الجديدة، وقال الوزير القطري لمستقبليه “معكم حق”!

وبرغم الطابع الإستثنائي والعاجل الذي أعطاه القطريون لزيارة وزير خارجيتهم إلى لبنان، حيث طلبوا كل المواعيد بصورة عاجلة مساء الأحد الماضي، فإن برنامج اللقاءات الذي شمل رؤساء الجمهورية ومجلس النواب وحكومة تصريف الأعمال، أظهر أن لا جديد يستوجب هذه الزيارة، ولا مبادرة قطرية على عكس ما تم تسريبه في الصحافة الكويتية عن “مؤتمر دوحة 2″، وكل ما قاله الوزير القطري هو أن بلاده مستعدة لإستضافة اللبنانيين إذا قرروا هم الذهاب إلى الدوحة، لكن قطر لن توجه إليهم مثل هذه الدعوة لأن الظروف مختلفة اليوم عن ظروف العام 2008 (مؤتمر الدوحة)، فضلاً عن أن أي إستثمار قطري في لبنان سيكون مرتبطاً بهوية الحكومة الجديدة وبرنامجها الإصلاحي، وهو الموقف الذي تردده معظم الدول والمؤسسات والصناديق التي كانت تدعم لبنان سابقاً.

هل لزيارة الوزير القطري أية أبعاد أخرى؟

بخلاف الإعتقاد الذي كان سائداً لدى هذا المقر الرسمي اللبناني أو ذاك، كانت محصلة الزيارة صفرية بكل معنى الكلمة. فلو كنا أمام مشهد تأليف حكومة لأمكن فهم الزيارة في سياق الشراكة القطرية في الإستيلاد الحكومي، أما وأن الحكومة مؤجلة، فإن الزيارة لم تخرج عن حدود محاولة الحرتقة القطرية على جهود فرنسا ومصر والإمارات، أي أنها “كانت زيارة سينمائية تركية إلى بيروت”، على حد تعبير مسؤول لبناني كبير. المسؤول نفسه تمنى لو أن القطريين أخذوا فقط على عاتقهم تأمين لقاحات كورونا لمليون لبناني، “وعندها يربحون ما ما لم يربحه الآخرون”.. للبحث صلة.

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  طرابلس مُغتصَبة.. هل تسكُت مُغتصَبة؟