ميقاتي من شيراك إلى ماكرون.. الفرصة الفرنسية

"نجيب ميقاتي الجديد". هذا أدق توصيف لمشهدية رئيس حكومة لبنان لحظة خروجه من قصر الإليزيه ووقوفه على يمين رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون، قبل أن يضع الإثنان حكومة لبنان الجديدة على سكة خارطة الطريق التي رسمتها المبادرة الفرنسية لـ"إنقاذ لبنان" قبل سنة من الآن.

عندما كُلف نجيب ميقاتي في ربيع العام 2005 برئاسة الحكومة، لم يكن خطف المهمة من فم عبد الرحيم مراد من صنع هذا السياسي الفرنسي. نام فريق 8 آذار على “أبو حسين” رئيساً للحكومة ووجد نفسه في الصباح على موعد مع إستشارات تفضي إلى تكليف ميقاتي. كان رئيس الحكومة المكلف لا يملك كل معطيات المهمة التي أسندت إليه في تلك اللحظة اللبنانية الإستثنائية؛ لحظة إغتيال رفيق الحريري وإنسحاب سوريا وإعادة إنتاج السلطة من خلال إنتخابات نيابية قرر رئيس الحكومة أن يديرها وفق إلتزام مسبق بعدم الترشح فيها عن مقعد طرابلس.

في إحدى رحلاته الرسمية إلى إحدى الدول الأفريقية قبل عقد من الزمن، إقترب منه الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة، وقال له “أنت نجيب ميقاتي”. أجابه الأخير “نعم أنا هو فخامة الرئيس”. قال بوتفليقة هل تعلم أنني كنت شريكاً في قرار تسميتك رئيساً للحكومة في العام 2005. أجاب ميقاتي نافياً معرفته بالقصة. عندها شرح له بوتفليقة كيف إتصل به الرئيس الفرنسي جاك شيراك وطلب مساعدته في إقناع الرئيس السوري بشار الأسد بإختياره رئيسا للحكومة بدل عبد الرحيم مراد.. وأن تتمة الرواية عند الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز الذي أعطى موافقته لشيراك.. وكان ما كان.

بعد ستة عشر عاما على تلك الواقعة، بدا الفرنسيون أكثر حماسة لتكليف ميقاتي. هذه كانت رغبتهم غداة مأساة بيروت بعد إنفجار مرفئها في صيف العام 2020. خيار تأجل أكثر من سنة، بسبب إستشعار سعد الحريري محاذير إسناد المهمة لميقاتي في تلك اللحظة اللبنانية والإقليمية، وهي لحظة تحولات في الإقليم ستكون لها إنعكاساتها ليس على مستقبل لبنان، بل على صعيد التوازنات في دوائر طائفية ومذهبية لبنانية عديدة.

وبين تجربتي 2005 و2021، تسنى لميقاتي أن يتنطح لمهمة “حكومة القمصان السود” (2011). هذه التجربة أفضت إلى تراجع ثقة حزب الله وبقية حلفائه بميقاتي، مقابل إرتفاعها عند الآخرين.. لكن ما يُسجل للرجل أنه قَبِل المهمة ـ المحرقة، برغم نهايتها المأساوية. قَبِل بها وريثاً لسعد الحريري عندما دخل الأخير إلى البيت الأبيض رئيساً لحكومة لبنان وخرج منه مجرد عضو في نادي رؤساء الحكومات! قَبِل بها في عز إندلاع “الربيع العربي”، وفي اللحظة التي قرر فيها حزب الله للمرة الأولى منذ تأسيسه، أن يخرج “علناً” من لبنان إلى الإقليم، فإنخرط في الحرب السورية وما يزال حتى يومنا هذا.

وللتذكير فقط، عندما توجه المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين خليل إلى مدينة حلب للتشاور مع بشار الأسد في الإسم الذي توافق عليه فريق 8 آذار رئيسا للحكومة، قال لهما الأسد: “في الخريف الماضي (تشرين الثاني/نوفمبر 2010) خذلني الإيرانيون عندما تمسكوا بنوري المالكي رئيساً للحكومة، بينما كنت قد إلتزمت مع الملك عبدالله بن عبد العزيز (في حقبة السين ـ سين) بـأن يأتي إياد علاوي رئيساً للحكومة. اليوم تأتون إليّ بإسم نجيب ميقاتي. لا إعتراض عليه ولكن أنا إلتزمت بأن يبقى الحريري رئيساً للحكومة. إسمحوا لي أن أتمسك بإلتزامي”.

وبالفعل، عاد “الخليلان” إلى بيروت وسمعا من رئيس مجلس النواب اللبناني والأمين العام لحزب الله أنهما لن يقبلا إلا بميقاتي رئيساً للحكومة، فما كان من الأسد إلا أن وافق على مضض، قبل أن يكتشف بعد شهور قليلة “أن خيار الإيرانيين (كان حسين أمير عبد اللهيان، وقتذاك، نائبا لوزير الخارجية لشؤون العالم العربي ومن أكثر المتحمسين في طهران للمجيء بميقاتي) بقطع الطريق على علاوي والحريري في كل من بغداد وبيروت، حمى الخاصرة السورية شرقاً وغرباً”، على حد تعبير أحد الخليلين.

بطبيعة الحال يراهن ميقاتي على ما يراهن عليه زميله مصطفى الكاظمي. كلما إرتفعت إحتمالات “الإتفاق” الأميركي ـ الإيراني إرتفعت فرص نجاح الحكومتين وأن تكون للرجلين ولاية ثانية. هنا ليس المقصود بالضرورة “الإتفاق النووي” بل أي “إتفاق”. كلما إرتفعت حظوظ التفاهم السعودي ـ الإيراني، كلما إنفرجت أسارير ميقاتي والكاظمي

ميقاتي الجديد

عندما أطل ميقاتي بعد ظهر اليوم (الجمعة) من أمام قصر الأليزيه بخطابه المدروس، بدا أنه نسخة جديدة مختلفة عن سابقتيها. لا هو رمز مرحلة إنتقالية عمرها بضعة شهور (نموذج 2005) ولا هو رئيس منبوذ في بيئته وجد نفسه مضطراً للبحث عن مشروعية سنية وسعودية من خلال رفع سقف خطابه، المذهبي والسياسي، (نموذج 2011) إلى حد جعل من أتوا به رئيساً للحكومة يندمون على “فعلتهم” هذه..

ليس ميقاتي الذي تعرّف اللبنانيون على نسخته الفرنسية الجديدة في هذه الأيام مجرد لاعب إحتياطي. صار مرشحاً طبيعياً ودائماً لرئاسة الحكومة، تُفتح أمامه أبواب قصر الأليزيه، كما ستُفتح قصور أخرى قريباً في الأردن والقاهرة وبغداد وإسطنبول. خلال اللقاء مع ماكرون، وضع الفرنسيون إمكاناتهم بتصرفه، شرط المضي في خارطة الطريق التي وضعها رئيس فرنسا أمام المشاركين في لقاء قصر الصنوبر الشهير قبل سنة من الآن. صار بمقدور رئيس حكومة لبنان أن يتواصل مباشرة مع رئيس فرنسا. الملك الأردني عبدالله الثاني أكد له أن الأردن يقف إلى جانبه وثمة دعوة رسمية مفتوحة إليه لزيارة عمان. يسري ذلك على مصر التي ستوفد وزير خارجيتها سامح شكري إلى بيروت في شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل. أيضاً تلقى ميقاتي إتصالا من نظيره العراقي مصطفى الكاظمي وإتفقا على لقاء قريب وعلى دعم عراقي يمكن أن يتجاوز كمية المليون طن من الفيول سنوياً لمؤسسة كهرباء لبنان. ثمة حديث عن موفدين أميركيين وروس وأوروبيين سيزورون بيروت في الأسابيع القليلة المقبلة. حسين أمير عبداللهيان وزير خارجية إيران، وحسب وكالة “سبوتنيك”، سيزور بيروت في الشهر المقبل. وفد من إدارة صندوق النقد سيبدأ خلال عشرة أيام زيارة عمل إلى بيروت للتوافق على آلية التفاوض بين الصندوق والحكومة اللبنانية، في ظل إرادة فرنسية وأوروبية بتسريع وتيرة المفاوضات من أجل إبرام تفاهم بين الجانبين قبل نهاية السنة الحالية.

إقرأ على موقع 180  10 ملاحظات على "الحياد الناشط": الراعي وعقدة التاريخ!

لا تقود هذه الجردة إلى مجرد القول أن لا أبواب مقفلة بوجه حكومة ميقاتي. ثمة حافلة كانت قد خسرت كوابحها وإندفعت نحو الهاوية السحيقة، قبل أن يرمي أحدهم صخرة كبيرة (تأليف الحكومة) في طريقها حالت دون ما يسمى “الإرتطام الكبير”. الحافلة التي تأذت كثيراً تقف في مكانها الآن. المعطيات الراهنة لا تشي بإنزلاقها مجدداً نحو الأسفل، لكن شروط صعودها متعددة وأولها تفاهم الحكومة مع صندوق النقد. لن يعطي أي صندوق قرشاً للبنان من خارج التفاهم مع صندوق النقد. الهبات والمساعدات ستكون بالقطارة على شاكلة ما قدمه العراقيون والمصريون والأردنيون أو ما سيقدمه الأتراك قريباً (المفاوضات جارية حالياً للإتيان بهبة بواخر تزوّد لبنان بالطاقة الكهربائية). الخليجيون ليسوا متحمسين لدعم لبنان. سفير الكويت في لبنان أبلغ ميقاتي أن بلاده مستعدة لإعادة العمل بمذكرة التفاهم القديمة بين البلدين، لكن أي تمويل لمشاريع الكهرباء ممره الإلزامي صندوق النقد أولاً والتفاهم مع دول الخليج ثانياً. يسري ذلك على القطريين الذين أبلغوا جهات لبنانية إستعدادهم لتقديم رزمة كبيرة من الدعم لكنها أيضاً مشروطة.. إقتصاديا ومالياً وسياسياً.

بطبيعة الحال يراهن ميقاتي على ما يراهن عليه زميله مصطفى الكاظمي. كلما إرتفعت إحتمالات “الإتفاق” الأميركي ـ الإيراني إرتفعت فرص نجاح الحكومتين وأن تكون للرجلين ولاية ثانية. هنا ليس المقصود بالضرورة “الإتفاق النووي” بل أي “إتفاق”. كلما إرتفعت حظوظ التفاهم السعودي ـ الإيراني، كلما إنفرجت أسارير ميقاتي والكاظمي. رئيس وزراء لبنان، وقبيل دخوله الى قصر الأليزيه تلقى تقريراً ديبلوماسياً يفيد بأن وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير إجتمع أمس (الخميس) في مطار بغداد بالأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الجنرال علي شمخاني. هذا الإجتماع، إذا صح إنعقاده، له ما له ربطاً بالتطورات المتدحرجة في الميدان اليمني.

ثمة تطورات كبرى تنتظر الإقليم. لم يعد خبر إنسحاب أميركا من العراق وسوريا غريباً.. ولا بعيداً. القادة الروس والأتراك لا يخفون إبتساماتهم العريضة في هذه الأيام. الإيراني يعيد التموضع قبل أن يبدأ بجني ثمار “الصبر الإستراتيجي”. هذا ليس زمان الحروب ولكنه ليس بالضرورة زمن التسويات. في هذه المرحلة الإنتقالية في الإقليم، لا يجوز الإستهانة بالمطبات الداخلية في لبنان وأبرزها لغم التحقيق في إنفجار مرفأ بيروت. رفع الدعم نهاية هذا الشهر، إستقرار سعر صرف الليرة اللبنانية، مطب ترسيم الحدود البحرية. هذه وغيرها مما قد يعترض حكومة ميقاتي تحتاج إلى وقفة بذاتها.. للبحث صلة.

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الحريري وباسيل يستنجدان بالخواجة: الحكومة مؤجلة!