“زوبعة نانسي”.. ومراهقة «ديبلوماسية المواجهة»!

ساذج وقصير النظر كل من يعتقد أن رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي قامت بكل هذه "الهمروجة التايوانية" من دون تنسيق مع دوائر الأمن القومي الأميركية ومن دون علم البيت الأبيض. 

لكأن ما حدث أشبه ما يكون بتمثيلية توافقت عليها واشنطن وبكين، لذلك قبل الولوج في تقديم حجج يقبلها ميزان المنطق، وقبل البدء بتحليل ما وراء هذا الحراك، لنلقِ نظرة على مواقف العملاقين الإستراتيجية التي سبقت «زوبعة نانسي».

الصين تعتبر تايوان جزءاً من ترابها الوطني وأن عودتها إلى أحضان الوطن الأم أمر حتمي لا مفر منه. ومنذ وصول شي جي بينج إلى الحكم بدأ ترداد مقولة أن «العودة ستتم بالطرق السلمية أو بالقوة». ولكن قبل سنوات كانت العلاقات بأحسن الأحوال، نعم العلاقات الاقتصادية والتجارية، إذ كانت تايوان من أكبر المستثمرين صناعياً في الصين وساهمت بشكل فعال جداً في نهضة الصين الصناعية وكان التواصل بين السكان والتنقل بين البر والجزيرة سهلاً وميسراً وارتفع عدد السواح التايوانيين في الصين إلى مئات الآلاف.

إلا أن الابتسامات المتبادلة لم تُخفِ النوايا المتناقضة: أرادت تايوان أن يساهم النمو الاقتصادي في دفع الصين نحو حكم أكثر انفتاحاً يمكن التوافق معه حول فكرة «دولة واحدة بنظامين». بالمقابل، سعت الصين لإستيعاب طبقة رجال الأعمال والصناعيين، أي محرك قوة تايوان الإقتصادية عبر محاولة إجتذابهم بالامكانيات الضخمة التي يمكن أن يجنوها جراء «الاندماج» بالوطن الأم.

إلا أن ما «خربط» هذه الحسابات حدثان: الأول؛ انتخاب «تساي إنغ وين» رئيسة لتايوان، وهي تمثل الفريق الرافض رفضاً تاماً لفكرة الاندماج وتدعو لإعلان استقلال الجزيرة. الثاني؛ تألق نجم الرئيس الصيني شي جين بينج في سماء الحزب الشيوعي بشكل افرادي بالتوازي مع ارتقاء الصين إلى مصاف الدولة العظمى الرقم ٢. وهذا ما دفع تشي إلى «تمزيق» معاهدة استرداد هونغ كونغ التي صيغت على أساس «دولة واحدة ونظامين». من هنا افترق طريق التوافق بعد الصدمة التي سببتها عملية «ابتلاع وتدجين» هونغ كونغ، ومن بعدها عاد تعبير التوحيد بالقوة إلى سطح الإعلام الصيني.

اليوم تقوم بكين بمناورات ضخمة في محيط تايوان وتثبت مرة أخرى خطأ محاولة التهديد بالقوة بدليل أنها استجلبت الاساطيل الغربية إلى المنطقة وجعلت اليابان وكوريا الجنوبية في حالة تأهب، فيما هي غير مستعدة لحرب خصوصاً قبل المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني الذي سيكرس تشي زعيماً مدى الحياة

موقف واشنطن لم يتغير: «دولة واحدة ونظامان» ولكن مع إضافة بسيطة هي«دعم ديموقراطية تايوان والتصدي لأي تغيير بالقوة».

هذا الإشتباك بين كلا الدولتين، الصين والولايات المتحدة، كان على طريقة لعبة الداما الاستراتيجية: الصين تدفع بطريق الحرير الجديد الذي يقتحم وسط أوروبا ويشبك القارة الأفريقية بسلسلة تحالفات، فتجيب الولايات المتحدة ببناء «ناتو المحيط الهادىء».

عاملان كانا خارجين عن إرادة بكين وواشنطن دفعا بهما نحو المجابهة المباشرة: جائحة كوفيد ثم غزو أوكرانيا.

في خضم الجائحة التي انطلقت شرارتها من مدينة ووهان في الصين بان للغرب مدى ارتباطه بـ«مشغل العالم» أي بمراكز الصناعة في الصين، وكشفت «ديبلوماسية الكمامات والتلقيح» التي اتبعتها الصين عن «امبريالية صينية تتحدى الإمبريالية الأميركية»، وهو ما أشار إليه الرئيس السابق دونالد ترامب، فكان أن قرر فرض عقوبات صناعية على الصين ورفع التعرفة الجمركية. وجاء خلفه جو بايدن مع وعد رفع هذه العقوبات ولكنه لم يفعل شيئاً من ذلك.

جاءت الحرب في أوكرانيا والتفت الغرب مباشرة نحو الصين ليرى ما إذا كان «الحلف الاستراتيجي» بين موسكو وبكين سَيُفَعَّل. وفي موازاة التلويح بعقوبات ضد الصين إذا حاولت مساعدة روسيا، بدأ التساؤل فيما إذا كانت بكين ستتبع طريق موسكو وتضع يدها على تايوان برغم اختلاف الحالتين الأوكرانية والتايوانية، تاريخياً وجغرافياً.

لم يساعد مؤتمر «حلفاء الحلف الأطلسي» في مدريد والذي ضم ما يزيد عن ٤٠ دولة في تهدئة العلاقات. البيان النهائي للمؤتمر أشار إلى الصين بأنها «عامل قلق» (بينما روسيا هي العدو). ولكن لم ينتبه بايدن وأعضاء الحلف إلى نقطتين مهمتين رافقتا حراك الحلف الأطلسي: الأولى، أن عدداً كبيراً من الدول التي لبت دعوة الحلف وقفت على الحياد بين موسكو والحلف وإن هي انتقدت الغزو الروسي. الثانية؛ لم يجف حبر البيان النهائي للحلف حتى اجتمع فلاديمير بوتين برجب طيب أردوغان رئيس تركيا «القوة الثانية» في الحلف وذلك على أرض طهران المنفتحة على الصين في حلف استراتيجي.

هنا يعتقد البعض أن نانسي بيلوسي قررت بدء «عطلتها» بجولة تشمل تايوان في هذا المسار المليء بالعوامل الجاذبة للصدام!

ما آلت إليه الأمور يشير إلى أن واشنطن أرادت أن تختبر بكين وتضعها في زاوية «استراتيجية عدم المس بتايوان» وعدم تقليد بوتين. بالطبع اليوم من المستبعد أن تغزو الصين تايوان.

ولكن واشنطن نجحت في مجال آخر: إبراز قلة خبرة الصينيين في العلاقات بين العمالقة. ذلك أن التهويل بالويل والثبور قبل زيارة بيلوسي كان يمكن أن يسجل لصالح بكين في حال «تراجعت» واشنطن وهو ما لم يحصل. هكذا أثبت القيمون على الاستراتيجية الديبلوماسية في بكين ضعفاً في تقدير ردات فعل واشنطن. لو أن التهويل جاء «تحت الطاولة بعيداً عن الإعلام» خصوصاً في عصر السوشيل ميديا لكانت بكين نجحت أو كشفت نوايا الاميركيين. إلا ان المطالبة بتراجع علني لاميركا يدل على مراهقة «ديبلوماسية المواجهة».

إقرأ على موقع 180  بايدن الشرق أوسطي: ترويض العقال، حصار العمامة وطمأنة القلنسوة

اليوم تقوم بكين بمناورات ضخمة في محيط تايوان وتثبت مرة أخرى خطأ محاولة التهديد بالقوة بدليل أنها استجلبت الاساطيل الغربية إلى المنطقة وجعلت اليابان وكوريا الجنوبية في حالة تأهب، فيما هي غير مستعدة لحرب خصوصاً قبل المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني الذي سيكرس شي جين بينج زعيماً مدى الحياة.

Print Friendly, PDF & Email
بسام خالد الطيّارة

كاتب لبناني وأستاذ جامعي مقيم في باريس

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  حرب نفط وغاز في شرق المتوسط.. هل ينّفذ نصرالله تهديده؟