الأردن وإيران.. حوار سري ـ علني!

إيران والأردن؛ ودّ وصداقة وتضامن في زمن الشاه، توتر وقطيعة وانفراج محدود في زمن الثورة. مؤخراً؛ حوار في السر ومواقف مُتقلبة في العلن. علاقة تتداخل فيها الجغرافيا والدين والسياسة والاقتصاد وعوامل إقليمية ودولية.

مع إستقلال الأُردُن في العام 1946 والمناداة به مملكة وبالأمير عبد الله الأول ملكًا، افتتحت القنصلية الإيرانيَّة الأولى في عمان، وتلاها افتتاح قنصلية أُردُنيَّة في طهران، إثر زيارة ملك الأردن لإيران في العام 1949. هاتان المحطتان فتحتا الأبواب أمام فرص وآفاق جديدة في العلاقات بين البلدين.

في العام 1959، دشّن الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال والشاه محمد رضا بهلوي السفارة الإيرانية في عمّان، إثر زيارة الأخير للمملكة الهاشمية في توقيت ذي دلالة، كان فيه الأردن يعيش عزلة إقليمية على وقع انحلال عقد الاتحاد الهاشمي بين الأردن والعراق عام 1958، الذي لم يعش سوى لأشهر معدودة، بعد أن أطاحت ثورة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف بالنظام الملكي في العراق، وولدت الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) في العام نفسه.

أظهرت تلك الأحداث وغيرها أن السياسات الإقليميَّة لعبت دوراً رئيساً في توطيد العلاقة في تلك الفترة بين الأردن وإيران، ولم تتأثر الأولى كثيراً باعتراف الشاه بالكيان الإسرائيلي عام 1960 مقارنة بالمواقف العربية المنددة بتلك الخطوة حينذاك. وظلّت العلاقة بين الملك والشاه على ما يرام حتى آخر أيام محمد رضا بهلوي، حتى أن الملك زار طهران عام 1978 عشية إنتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني، محاولاً تدعيم موقف صديقه الشاه.

شكّل سقوط الشاه خسارة كبيرة للنظام الأردني (ولأنظة خليجية أخرى) الذي لطالما وجد فيه ضالته، في مواجهة المد الثوري الناصري. بالمقابل، لم ينعم الأردن بعلاقة مستقرة مع إيران الثورة إلا في ما ندر، وتحديداً في زمن الرئيسيْن الإصلاحييْن علي أكبر هاشمي رفسنجاني والسيد محمد خاتمي.

الأردن الذي لطالما قارب علاقته بإيران انطلاقاً من متغيريْن؛ أحدهما إقليمي (المتغير السعودي) وآخر دولي (المتغير الأميركي)، وبالتالي ما يطرأ على هذين المتغيرين ينعكس بطبيعة الحال على السياسة الخارجية الأردنية تجاه الجمهورية الإسلامية

كانت إيران راغبة في تعزيز وتوطيد تلك العلاقة منذ مطلع التسعينيات بعد أن تخففت من ثقل حقبة تصدير الثورة، لمصلحة أولوية بناء الدولة وانفتاحها على محيطها، لا سيما العربي منه، حسبما كان يطمح رفسنجاني ومن بعده خاتمي رافع لواء “حوار الحضارات”. لكن العقل الثوري ظلّ مُهيمناً على مراكز القرار الرئيسة في إيران، لمصلحة إستراتيجية التمدد الإستراتيجي وخوض مواجهات على غير أرض إيران من أفغانستان شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً، ناهيك بالموقف المبدئي للجمهورية الإسلامية دعماً للقضية الفلسطينية ورفضاً لخيار التسوية مع “إسرائيل”، مقابل رؤية عربية مغايرة للقضية الفلسطينية بدأت طلائعها مع اتفاقية “كامب ديفيد” عام 1978، وانتهت باتفاقات إبراهيم عام 2020، مروراً باتفاقي وادي عربة وأوسلو عام 1994. زدْ على ذلك ما تركته الحرب العراقية ـ الإيرانية من ندوب في علاقات الجمهورية الإسلامية ببعض الدول العربية التي دعمت نظام صدام حسين وأول هؤلاء المملكة الأردنية.

ومن الطبيعي ان تواجه العلاقة الإيرانية الأردنية أزمة إنعدام ثقة، لا سيما إثر غزو العراق عام 2003، وبدء الاحداث في سوريا عام 2011، حيث أمست إيران على تخوم حدود المملكة الهاشمية بشكل أو بآخر، سواء من جهة سوريا أو العراق، أو من جهة فلسطين حتى، من خلال حركات المقاومة في الداخل الفلسطيني.

ومن الطبيعي أيضاً أن تخشى المملكة الهاشمية الجمهورية الإسلامية، فالأردن الأكثر ارتباطاً بالقضية الفلسطينية، ونظامه بطبيعة الحال لا ينسجم مع سياسة إيران ومحورها، وبالتالي كان تحذير العاهل الأردني عبد الله الثاني من قيام هلال “شيعي” في المنطقة عام 2004، يعكس تلك الخشية من إيران. وترافقت قمة جدة الأخيرة مع ما نُسب من مواقف إلى الملك الأردني حول وجوب قيام “ناتو عربي” علماً أن الملك قد أوضح لاحقاً في مقابلة مع صحيفة الرأي الأردنية (24/07/2022) موقفه بهذا الخصوص، حيث أشار إلى أن دعوته كانت محصورة بقيام “منظومة عمل دفاعي مؤسسي عربي”، وليس بالضرورة ضدّ إيران، وحرص على ترك الباب مفتوحاً أمام تطوير العلاقة مع الأخيرة. وقال “لا نريد توتراً في المنطقة، والأردن وكل الدول العربية تريد علاقات طيبة مع إيران مبنية على الاحترام المتبادل وحسن الجوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها”، مؤكداً أن “الحوار هو السبيل لحل الخلافات”.

وكان وزير خارجية العراق فؤاد حسين، قد كشف في حزيران/يونيو الماضي، عن حوار سري قائم بين إيران والأردن والأمر نفسه مع جمهورية مصر العربية، وهذا يعني أن ثمة تطورات إقليمية ودولية من شأنها أن توفّر فرصة للأردن وغيره من دول المنطقة لاعتماد مقاربة جديدة في موضوع العلاقة مع إيران.

فالأردن الذي لطالما قارب علاقته بإيران انطلاقاً من متغيريْن؛ أحدهما إقليمي (المتغير السعودي) وآخر دولي (المتغير الأميركي)، وبالتالي ما يطرأ على هذين المتغيرين ينعكس بطبيعة الحال على السياسة الخارجية الأردنية تجاه الجمهورية الإسلامية. فالرياض تقود منذ حوالي السنة حواراً مع طهران بدأت تتأتى أولى ثماره في قرار إستئناف العلاقات الدبلوماسية، وتنظيم شؤون الحجاج الإيرانيين، وتثبيت الهدنة اليمنية. وفي المقابل، تجهد إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لإنجاح مفاوضات فيينا بدفع أوروبي هذه المرة، نتيجة الحاجة الملحة للغاز الإيراني لسد جزء مما تحتاجه القارة العجوز من طاقة إثر الحرب الأوكرانية.

إقرأ على موقع 180  لا ينتصر الانتظام على النزاع.. إلا بالدولة ـ الهوية

فيما تُحيل الصحافية الأردنية رانية الجعبري سعي الأردن إلى تطوير علاقته بإيران إلى التوزيع المُستحدث لخارطة النفوذ في الإقليم بعد عودة روسيا إلى المنطقة في العام 2015 من البوابة السورية وتعاطيها مع إيران كنقطة ارتكاز في المنطقة لا يمكن تجاهلها، وهذا ما فرض التواصل مع الأخيرة من قبل معظم الدول العربية، وبينها الأردن، وذلك عند السعي أو الشروع بأي مشروع يتصل بكل من العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن حيث النفوذ الإيراني البائن.

فمشروع استجرار الكهرباء من الأردن إلى لبنان عن طريق سوريا، وقبله ما عُرِفَ بمشروع “الشام الجديد” بين مصر والأردن والعراق، كلها مشاريع تستدعي التواصل مع الجمهورية الإسلامية، التي بدورها ترى في تلك المشاريع فرصة للتقارب مع محيطها العربي، وترحب بالدور الإقليمي للعراق كعقدة ربط بينها وبين ذلك المحيط. وتقول الجعبري لـ(180post) إنه “ثمة أصوات في الأردن تدعو صنّاع القرار الأردنيين أن يولوا الجانب الاقتصادي الاهتمام اللازم وتجاوز الخلافات السياسية والأمنية مع إيران.. والتعاون في الموضوع السوري”، وتشير إلى أن الأردن يعتبر ثاني المتضررين من “قانون قيصر” من بعد سوريا نفسها.

ومن وجهة نظر اقتصادية بحتة، فإن الوضع الاقتصادي للأردن غير مُطمئن، حيث سجلت البطالة أرقاماً غير مسبوقة في السنتين الأخيرتين، وسجل تراجع في الصحة والتعليم وتآكل دخل الأسرة. وبالتالي، يحتاج الأردن إلى فتح آفاق جديدة وخلق استثمارات وفرص عمل، وبلا شك أن تطوير العلاقة مع الجمهورية الإسلامية أحد تلك الأبواب الواعدة إذا ما تخففت المملكة من بعض الهواجس والمخاوف من نوع التهويل بنشر “التشيّع” في الأردن الذي طالما بالغت فيه بعض الجماعات الإسلامية في المملكة التي كان أبناؤها حتى أواخر التسعينيات يخلطون بين “الشيعي” و”الشيوعي” نظراً لغياب الاستقطاب الطائفي، والذي لم ينشأ إلا بعد سقوط بغداد وتأثر الأردن بهذا الاستقطاب. فالمذهب السني الذي تتبعه الغالبية الساحقة من الأردنيين لم يتأثر على مدى أكثر من 1400 عام، وفوق كل هذا وذاك أن العاهل الأردني يعود بنسبه إلى آل البيت.

لا يمكن عزل أي مقاربة للعلاقات الأردنية الإيرانية في يومنا هذا عما يجري من تطورات دولية وإقليمية، من فيينا إلى غزة مروراً بغاز شرق المتوسط. مظلة الحماية التي لطالما كان يُوفرها الأميركيون للعديد من الأنظمة في المنطقة ومنها النظام الأردني أصبحت مثقوبة ولا سيما من لحظة استهداف “أرامكو” بالمسيرات الحوثية

يُذكر أنه توجد في الأردن أضرحة لصحابة الرسول محمد تحظى بتقدير كبير عند الشيعة، وفي مقدمهم ضريح جعفر بن أبي طالب، والمعروف بجعفر الطيار، في مدينة الكرك، ووفقاً للتّقديرات غير الرسمية فإن فتح سياحة المقامات والأضرحة الشيعية المُقدسة في جنوب الأردن أمام العراقيين والإيرانيين الشيعة يُمكن أن يُدِر على خزينة الدولة الأردنية ما يَقرُب من المِليار دولار سنوياً.

وبالمناسبة، يُشكل الشيعة أقلية في الأردن (بين 3 و4%)، ومعظمهم وفَدَ إلى المملكة من جنوب لبنان ابتداء من العام 1860، وأكثرهم بعد الحرب العالمية الأولى، ويقطنون عدة مناطق رئيسة: الرمثا، دير أبو سعيد، اربد وعمان. ولا تحتفظ هذه العشائر بأية عادات أو تقاليد خاصة، مخالفة للتقاليد الأردنية، وتندمج في المجتمع الأردني بشكل كامل، وتشاركه في مختلف المناسبات، وإن كان بعضها يحتفل رمزياً بالمناسبات الدينية الشيعية.

لا يمكن عزل أي مقاربة للعلاقات الأردنية الإيرانية في يومنا هذا عما يجري من تطورات دولية وإقليمية، من فيينا إلى غزة مروراً بغاز شرق المتوسط. مظلة الحماية التي لطالما كان يُوفرها الأميركيون للعديد من الأنظمة في المنطقة ومنها النظام الأردني أصبحت مثقوبة ولا سيما من لحظة استهداف “أرامكو” بالمسيرات الحوثية في العام 2019. تراخي القبضة الأميركية إستدعى البحث عن منظومات حماية بديلة بما في ذلك إعادة صياغة سياسات خارجية وفقاً لمصالح هذه الدول وأولوياتها بدل أن تبقى أسيرة سياسات وأولويات “العم سام”!.

Print Friendly, PDF & Email
مهدي عقيل

كاتب لبناني

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  أوكرانيا لم يخذلها بايدن.. خذلها زيلينسكي!