ما بعد توقيف القحطاني.. إضعاف “المعتدلين” في “جبهة النصرة”!

تقف "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) عند منعطف خطير في سيرتها الطويلة المفعمة بالتحولات والتبدلات.

توقيف أبي ماريا القحطاني في شهر آب/أغسطس الماضي، وهو أحد مؤسسي “الجبهة” في أواخر عام 2011، وأبرز قادتها من غير السوريين، لا يُمكن أن يمرّ مرور الكرام ولا سيما أن الملابسات التي أحاطت بالحادثة، وما سبقها من تطورات على صعيد علاقة “هيئة تحرير الشام” بالمحيط الإقليمي والدولي، تدلّ بشكل أو بآخر على وجود مقاربة دولية وإقليمية جديدة للتعاطي مع “الهيئة” بما يمكن أن يحدّ من طموحاتها التوسعية ولكن من دون أن يؤدي ذلك إلى إضعافها لدرجة أن تفقد دورها الوظيفي في إبقاء جذوة التصعيد مشتعلة ضد الجيش السوري وحلفائه.

ولم يجد أبو محمد الجولاني بدّاً من اتخاذ إجراء تأديبي بحق القحطاني، صديقه القديم منذ أيام الجهاد في العراق، بعد ما تسربت معلومات حول اعتراف بعض المقبوض عليهم من عناصر “الجبهة” بتهمة التعامل مع جهات خارجية بوجود دور قيادي له في إدارة هذه الخلايا. وذكر البيان الصادر عن القيادة العامة لـ”هيئة تحرير الشام” أنه بناءً على ذلك تمّ استدعاء القحطاني للتحقيق وتبين أنه “ورد اسم أبو ماريا القحطاني في بعض التحقيقات التي أُجريت أخيراً، وعلى الفور قرّرت القيادة العامة تشكيل لجنة خاصة لمتابعة القضية، وبادرت اللجنة إلى استدعائه ومساءلته بكل شفافية ووضوح تقديراً منا لدرء الشبهات وإزالة اللبس، حيث تبيّن للجنة المكلّفة، أنّه قد أخطأ في إدارة اتصالاته من دون اعتبار لحساسية موقعه أو ضرورة الاستئذان وإيضاح المقصود من هذا التواصل، وعليه، أوصت اللجنة بتجميد مهامه وصلاحياته”.

ولم يكن المطاف لينتهي بالقحطاني إلى تجميد صلاحياته لولا ما تكشف من حقائق حول وجود جناحين متصارعين داخل “هيئة تحرير الشام”، الأول؛ بقيادته رفقة زميله أبو أحمد زكور القيادي الإقتصادي البارز في “الهيئة”، ويضم غالبية المقاتلين المنتسبين إلى المحافظات الشرقية. ويقود الجناح الثاني المعروف بجناح بنّش أبو أحمد حدود القيادي الأمني المحنّك رفقة زميله أبو حفص بنش الذي تربطه علاقة مصاهرة بالجولاني.

ويُوصف جناح الشرقية الذي يقوده أبو ماريا القحطاني بأنه الجناح الأكثر اعتدالاً وبراغماتية في إدارة تحولات “هيئة تحرير الشام” بما لا يجعلها تصطدم مع الأجندات الدولية والإقليمية بحيث كانت تجد دائماً سبيلاً لتغيير جلدها في اللحظة المناسبة قبل أن تجرفها محركات المسارات الإقليمية ولا سيما التفاهمات الروسية التركية. بينما يُعرف الجناح الثاني بأنه أكثر تطرفاً وتشدداً سواء من الناحية الإيديولوجية أو السياسية وحتى العسكرية والأمنية.

ما يحتاج إلى مراقبة خلال الفترة المقبلة هو رصد الجهة التي لها مصلحة في إضعاف ما يسمى الجناح المعتدل في “الهيئة” وتقوية الجناح المتشدد، وهل الصراع بين الجناحين هو صراع حقيقي أم مجرد توزيع أدوار، وما هي التداعيات التي يُمكن أن تحدث إذا تمكن أبو أحمد حدود من فرض توجهاته على “هيئة تحرير الشام”

ويقود جناح القحطاني الجهود التي يبذلها الجولاني من أجل تلميع صورة تنظيمه ومحاولة رفعه عن قوائم التصنيف العالمية، كما كان وراء تشبيك العلاقات الاستخبارية مع “قوات التحالف الدولي” لمحاربة تنظيمي “داعش” و”القاعدة” والتي أثمرت عن مقتل اثنين من خلفاء الأول في مناطق سيطرة “الهيئة”، وعن مقتل واعتقال العشرات من عناصر وقادة جماعة “حراس الدين” المبايعة لتنظيم “القاعدة”. ويُنسب إلى هذا الجناح أنه لم يكن يمانع في تمرير التفاهمات الروسية – التركية بخصوص منطقة خفض التصعيد في إدلب طالما لا يؤدي ذلك إلى تجاهل دور “الهيئة” على الأرض، ولكن أهم جهد يُنسب إلى هذا الجناح هو مساعيه لتقوية علاقات “الهيئة” مع فصائل الجيش الوطني الممول من تركيا في منطقتي درع الفرات وغصن الزيتون بهدف اختراق هاتين المنطقتين والعمل على مدّ نفوذ “الهيئة” إليهما.

ولكن منذ مغامرة الجولاني في السيطرة على مدينة عفرين خريف العام الماضي، تبين وجود مقاربة دولية وإقليمية للتعاطي مع “الهيئة” وفق معايير مختلفة. إذ بعد ما كان يعتقد بوجود تجاوب أميركي إزاء مساعي الجولاني لرفع التصنيف (الإرهابي) وإن بشكل بطئ، سارعت الإدارة الأميركية إلى اتخاذ موقف مضاد من توسع الجولاني بما فهم منه أنها تقف ضد تمدده إلى مناطق جديدة وإن لم تكن حدّدت موقفها من سيطرته على إدلب. ولكن الموقف الأهم الذي صدر عن الإدارة الأميركية هي أنها اتخذت قراراً بالتنسيق مع الجانب التركي لفرض عقوبات على أبو أحمد زكور “عيسى جهاد الشيخ” كما هو معروف إعلامياً واسمه الحقيقي عمر الشيخ، وهو زميل القحطاني في قيادة جناح الشرقية الذي يقال إنه الأكثر اعتدالاً داخل “الهيئة”.

وطوال الأشهر الماضية، أي منذ سيطرة الجولاني على عفرين، لم تتخذ الإدارة الأميركية أي قرار أو موقف من قادة الجناح الثاني الذي يقال إنه الأكثر تطرفاً وتشدداً.

إقرأ على موقع 180  معهد بحثي إسرائيلي: الحرب أحد مخارج الأزمة ولكن!

وبما أن واشنطن أعربت أكثر من مرة عن عدم وجود نيّة لديها لإعادة النظر في تصنيف “هيئة تحرير الشام”، بل اتهمتها في أكثر من تقرير بارتكاب انتهاكات خطيرة بحق الأقليات في مناطق سيطرتها، يبدو أن الجناح المتشدد الذي يقوده أبو أحمد حدود وجد الفرصة سانحة من أجل تقوية نفوذه داخل “الهيئة” والعمل على الإمساك بمفاصل اتخاذ القرار فيها، وكان التخلص من أبو ماريا القحطاني خطوة ضرورية على هذا الطريق لأنه خصم عنيد ولا ينقصه الدهاء والمكر.

ويُدرك الجولاني أن تحييد القحطاني قد يؤدي إلى تغيير موازين القوى بين الجناحين المتصارعين؛ لذلك حاول قدر إمكانه أن لا يتخذ ضده إجراءات حازمة يستفيد منها الجناح المناهض له، واكتفى بناء على ذلك بتجميد صلاحياته من دون عزله أو إنهاء عضويته في التنظيم.

وما يحتاج إلى مراقبة خلال الفترة المقبلة هو رصد الجهة التي لها مصلحة في إضعاف ما يسمى الجناح المعتدل في “الهيئة” وتقوية الجناح المتشدد، وهل الصراع بين الجناحين هو صراع حقيقي أم مجرد توزيع أدوار، وما هي التداعيات التي يُمكن أن تحدث إذا تمكن أبو أحمد حدود من فرض توجهاته على “هيئة تحرير الشام”، هل سينعكس ذلك تصعيداً ضد الولايات المتحدة التي حاولت اغتياله مرة ولكنه نجا عام 2016، أم ربما ثمة صفقة جديدة لإبراز الجناح المتشدد في “هيئة تحرير الشام” وتمكينه من تصدر المشهد في رسالة واضحة إلى إيران وروسيا وسوريا بأن اللعب في شرق الفرات سيقابله عبث عميق في إدلب.

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  معهد بحثي إسرائيلي: الحرب أحد مخارج الأزمة ولكن!