كنت في إسطنبول.. وهذا ما قلته عن احتمالات الحرب المفتوحة

بدعوة من "مجموعة الحوار الفلسطيني" انعقدت في مدينة اسطنبول التركية، حلقة نقاشية في التاسع والعشرين من شباط/فبراير 2024 حول "أبعاد الحرب الصهيونية على قطاع غزة"، شارك فيها باحثون وأكاديميون أتراك وعرب وتضمنت عناوين عدة من بينها "احتمالات اتساع نطاق الحرب على جبهة لبنان وأثرها على الوضع الفلسطيني".

في الحديث عن الجبهة اللبنانية، أو كما في تسمية أخرى، “الجبهة الشمالية”، لا بأس من العودة قليلاً إلى الوراء، لأجل الإنارة على الرابط التاريخي بين حرب الإستنزاف التي تخوضها المقاومة اللبنانية منذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر الماضي وبين تاريخ الجنوب اللبناني المقاوم.

قبل أيام، كنتُ أقرأ كتاب “الحركة السرية العربية” لشفيق جحا (1912 -2011) وهو من أعضائها الكبار، وقد تأسّست تلك الحركة عام 1935 بغطاء فكري وتنظيمي من المفكر القومي العربي قسطنطين زريق (1909- 2000)، وفي هذا الكتاب يستند جحا إلى أوراق السياسي اللبناني كاظم الصلح (1904 – 1976) وإلى مذكرات السياسي السوري فخري البارودي (1887- 1966)..

في هذا الكتاب تفاصيل عن تحول مدينة بنت جبيل في أقصى الجنوب اللبناني إلى مركز عمليات لدعم المقاومة الفلسطينية في ثورة عام 1936.

هذه إشارة أولى.

الإشارة الثانية تاريخية أيضاً، ففي 11 كانون الأول/ديسمبر 1947 استشهد أول لبناني على أرض مدينة حيفا مشاركاً في المقاومة الشعبية الفلسطينية، ذلك الشهيد هو قاسم أبو طعام من بنت جبيل أيضاً.

الإشارة الثالثة مرتبطة بمرحلة ما بعد انطلاق العمل الفدائي، وبالتحديد بعد العام 1967، وفي ذاكرة الجميع يتموقع استشهاد “الأخضر العربي” واسمه الحقيقي أمين سعد، إبن مدينة بنت جبيل. حصل ذلك في أواخر العام 1969.

وأما الإشارة الرابعة، فزمانها في سبعينيات القرن الماضي، وبعد انتقال المقاومة الفلسطينية إلى لبنان، فلا حاجة لعرض شريط الذاكرة، ولا حاجة أيضاً إلى استحضار تماهي أهل الجنوب اللبناني وغالبية اللبنانيين مع المقاومة الفلسطينية، بفصائلها كافة وتنظيماتها جميعاً.

هذا الإستعراض المكثف غايته القول إن جبهة الجنوب اللبناني، وأهل الجنوب عموماً، كانوا وما زالوا، يرون في القضية الفلسطينية قضيتهم، وعيهم، ضميرهم، ذاكرتهم، حاضرهم ومصيرهم.

وعلى هذا النحو، جاء قرار المقاومة اللبنانية في 8 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، وبعد يوم واحد من عملية “طوفان الأقصى”، ليؤكد على هذا المسار التاريخي الطويل في الانخراط المساند لفلسطين على تعدد مقاوماتها، وفي هذا السياق، يندرج قرار المقاومة اللبنانية الحالي تجاه الحرب العدوانية على قطاع غزة، بجعلها جبهة استنزاف قاسية لم يعرف تاريخ الصراع مع إسرائيل مثيلاً لها منذ حرب الاستنزاف الأولى على الجبهة المصرية في العام 1969.

على هذه الجبهة خط نار مشتعل على طول 105 كيلومترات، وفي عمق لا يقل عن 100 كلم أيضاً، وحيث بات الجنوب منذ أسابيع وكما بات معروفاً، وكذلك البقاع بعد استهداف مدينة بعلبك، منطقة مفتوحة للمواجهة، وعلى ما يظهر أيضاً، أن الأيام المقبلة، في حال لم يتم التوصل إلى وقف العدوان على غزة، ستشهد اتساعاً لدائرة النار.. واتساعاً في رقعة المواجهة ونوعيتها.

في هذا السياق، تترسخ معادلة غزة – جنوب لبنان: تتوقف الحرب هناك، تتوقف الحرب هنا، فايقاع الجبهة اللبنانية غدا مضبوطاً ومنضبطاً على ايقاع جبهة غزة، وهذا ما بدا واضحاً في مشهد الهدنة المؤقتة في الرابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، وفي أكثر من موقف أعلنته قيادة المقاومة اللبنانية، ومفاده أن لا وقف لحرب الاستنزاف شمالاً (الجبهة اللبنانية) إذا لم يتوقف العدوان جنوباً (قطاع غزة).

جبهة جنوب لبنان لن تُغلق إلا إذا أُغلقت حرب غزة. كما أن هذه الحرب بدأت تشهد اتساعاً غير مسبوق لتطال أكثر من نصف لبنان، ومن المتوقع أن تتسع أكثر في ظل استمرار الحرب على غزة. أما الحرب الشاملة والمفتوحة، فقرارها في واشنطن أكثر مما هو في تل أبيب، إلا إذا انفرد نتنياهو بقرار الحرب، وعندذاك سيكون حديث آخر وتحليل آخر وتقدير آخر

وعلى أساس هذه المعادلة؛ يبرز السؤال الآتي: جبهة الجنوب اللبناني إلى أين؟

إن الإجابة على هذا السؤال مرتبطة بما ستؤول إليه التطورات الميدانية في قطاع غزة، فلو تم التوافق على وقف النار في غزة، ستشهد الجبهة اللبنانية هدوءاً، وفي حال فشلت أو سقطت محاولات وقف النار، سوف تبقى هذه الجبهة مشتعلة؛ جبهة ضغط وحرب استنزاف.

وفي المقابل، يؤدي سقوط المساعي الرامية إلى وقف العدوان على غزة، إلى طرح سؤالين: أولهما؛ هل تتوسع دائرة النار في لبنان؟ وثانيهما؛ هل تشتعل الجبهة اللبنانية بما يؤدي إلى حرب شاملة؟

في الإجابة على السؤال الأول يمكن قول الآتي:

إن عدم التوصل إلى وقف النار في غزة، سيُبقي الجبهة اللبنانية على استنزافها واشغالها لجيش الإحتلال، مع تقدير موازٍ باتساع دائرة المواجهة والاستهداف على خطي الصراع والمواجهة، فمن جانب جيش الاحتلال، ثمة تقدير يذهب إلى القول بأن القسم الأكبر من الأراضي اللبنانية سوف يكون عرضة لأعمال عدوانية، وهذا ما أظهرته الأسابيع القليلة الماضية، إذ أن الاستهدافات الإسرائيلية طالت مناطق عدة في أقضية النبطية ومرجعيون والزهراني وصور وحاصبيا وبنت جبيل وجزين وصيدا، أي كل الجنوب اللبناني، وكذلك فإن امتداد العدوان إلى عتبة مدينة بعلبك، يُنذر هو الآخر، بتمدد أعمال العدوان إلى منطقة البقاع، وهذا يعني أكثر من نصف لبنان.

إقرأ على موقع 180  قٌضي الأمر.. إدارة الإنهيار وصدمة سياسية كبيرة

في جانب المقاومة، من الواضح تماماً، أن اتساع دائرة العدوان على لبنان، سيُقابله توسيع لدائرة الرد، وكما لوحظ في الفترة القصيرة الماضية، أن العمق الذي تطاله استهدافات المقاومة، يتسع شيئاً فشيئاً، إلى أن اقترب أو تعدى الـ 20 كلم في العمق المحتل، وعلى طول أكثر من 100 كلم (نحو عمق جبهة الجولان)، وبالموازاة أيضاً، كانت المقاومة تعمد إلى إدخال نوعية جديدة من الأسلحة، بين صواريخ أرض-أرض أو أرض-جو، أو مضادة للدروع، وبحسب التقديرات الإسرائيلية، لم تستخدم المقاومة اللبنانية ما لديها من قوة نوعية إلا نحو عشرة في المائة مما تمتلك من عدة وعتاد.

في الإجابة على السؤال الثاني:

من نافل القول إنه منذ الأيام الأولى للعدوان على غزة، ارتفعت اصوات داخل حكومة بنيامين نتنياهو مطالبة بفتح جبهة ثانية في الشمال، ومن هذه الأصوات، وزير الدفاع يؤاف غالانت.

غير أن حرب الشمال لها اعتباراتها وحيثياتها الإقليمية والدولية، فاندلاعها لن يكون مقتصراً على الجبهة اللبنانية، بل قد تشمل المساحة الأكبر من الإقليم، وفي واقع الأمر، تشي تقديرات عدد من الخبراء المخضرمين بأن حرباً إقليمية لو نشبت ستؤدي إلى قلب الاستراتيجيات الغربية التي تضع على رأس أولوياتها التصدي للتحديين الروسي أولاً.. والصيني ثانياً.

بحسب هذه التقديرات أيضاً، أن حرباً إقليمية لا تحمل إجابة على “اليوم التالي”، هي نوع من العبث، إذ لا أهداف لمثل هذه الحرب إلا الحرب، ولذلك لا طائل منها ولا جدوى.

فوق ذلك، فالجيش الإسرائيلي المنهك في غزة، لا يملك جهوزية خوض حرب على جبهة ثانية قد تستمر أشهراً عدة مضافة إلى الأشهر الخمسة في غزة، وبما يعني أن حرباً إقليمية تسعى إليها دولة الإحتلال، ليست أكثر من محاولة لتوريط الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، وهي الساعية إلى تخفيف التزاماتها العسكرية في المنطقة، وبدا هذا جلياً في الإنسحاب من أفغانستان، وخفض الوجود العسكري الأميركي في العراق ومن ثم البحث عن آليات الإنسحاب، كما توحي المناخات السائدة هناك منذ فترة.

أيضاً في الإجابة على السؤال الثاني، يحضر مشهد خوض إسرائيل حرباً على ثلاث جبهات في حرب 1967، وخوضها حرباً على جبهتين في عام 1973، لكن هاتين الحربين كانتا مع جيوش كلاسيكية، لها عقيدتها القتالية المختلفة عن حركات المقاومة، وفوق ذلك فهي خاضعة لاعتبارات متصلة بسياسات الدول وحساباتها، وهذه العوامل لا تُقيّد حركات المقاومة، وما يحدث في غزة من مواجهة غير مسبوقة وعلى مدى خمسة أشهر متواصلة لم تعرفها الحروب العربية السابقة مع إسرائيل، دليلٌ إلى ذلك، وعلى هذا، فالترجيح عدم اتجاه تل أبيب إلى حرب مفتوحة في لبنان، وكما يقول أحد أهم الخبراء العسكريين الإسرائيليين اللواء إسحق بريك، بأن إسرائيل ليس لديها جيش وانما لديها قوة جوية فقط.

بعد كل ذلك يأتي السؤال الأخير:

هل هناك احتمال بأن تتحول جبهة الجنوب اللبناني إلى جبهة مفتوحة؟

هذا احتمال وارد وإن كان منسوبه ليس مرتفعاً، وأما عناصره فقد تكتمل في حالتين:

الأولى؛ في حال استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، مما قد يدفع بنيامين نتنياهو ليتبنى موقف وزير دفاعه فضلاً عن وزيري الأمن ايتمار بن غفير والمالية بتسلئيل سموتريتش، وفي هذه الحال قد يندفع نتنياهو إلى شن حرب مفتوحة على لبنان لتوريط الأميركيين أولاً، وللتغطية على استمرار عدوانه على غزة، بما فيه مشروع التهجير، بحيث تبدو حرب غزة حرباً صغيرة قياساً مع حرب مفتوحة على لبنان لن يكون الإقليم بمنأى عنها.

الثانية؛ احتمال توسع الحرب في الجبهة اللبنانية قد ينتج عن حسابات خاطئة، أو تقدير خاطىء ناتج عن ضربة قد تؤدي إلى سقوط عشرات الشهداء اللبنانيين، مما يُلزم المقاومة اللبنانية برد مماثل، وفي ظل الضربات والضربات المضادة، قد تنفتح الحرب على مصراعيها بل على مصاريعها.

في الخلاصة؛ ما يجري في جنوب لبنان عبارة عن حرب حقيقية وقاسية واستراتيجية، وهذه الجبهة لن تُغلق إلا إذا أُغلقت حرب غزة. كما أن هذه الحرب بدأت تشهد اتساعاً غير مسبوق لتطال أكثر من نصف لبنان، ومن المتوقع أن تتسع أكثر في ظل استمرار الحرب على غزة. أما الحرب الشاملة والمفتوحة، فقرارها في واشنطن أكثر مما هو في تل أبيب، إلا إذا انفرد نتنياهو بقرار الحرب، وعندذاك سيكون حديث آخر وتحليل آخر.. وتقدير آخر.

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  النزل الاسباني.. "هونغ كونغ" أم "هانوي" في بيروت المضطرمة