اعتراض مثقف سوداني.. الوليد مادبو في المواجهة الرابحة

ما يصنع المسافة الكبيرة بين أطروحات الدكتور الوليد آدم موسى مادبو، المهندس والفقيه والأكاديمي والمثقف الرفيع، وبين صداها المرتبك في الشارع الثقافي والفكري والسياسي السوداني، أنه يُطل على القضايا التي يتناولها من مكان عالٍ يعجز معه من يوافقونه أو يخالفونه الرأي، في القدرة على النظر إلى التفاصيل التي يحشدها على طاولة البحث والتشريح قبل أن يصل إلى خلاصات مُبهرة أو مُذهلة أو صادمة في كثير من الأحيان.

أزعم أنني كنت على صلة بكتابات الدكتور مادبو منذ مقالته الأولى عقب عودته من الدراسة قبل أقل من عقدين من الزمن بقليل، وكانت مقالة ناقدة لأداء الصحافة السودانية، وانتقادها بشكل صارم بأنها ممثلة لقطاع محدد من المجتمع وبالتالي فإنها غير مؤهلة للعب الدور المنوط بها كسلطة رابعة في الإصلاح والتقويم والتنوير.

منذ تلك المقالة، واصل مادبو في مشروعه الفكري بأكثر من وسيلة شملت النشاط الاجتماعي؛ المشاركة المؤسسة في المجتمع المدني عبر اتحاد الكتاب السودانيين؛ النشاط السياسي؛ وفوق كل ذلك المثابرة المتصلة في الكتابة والتأليف والنشر والأحاديث العامة في عهد تراجع فيه شغف الناس بكل هذه الأشياء، لكن من قال إن المثقف ينساق مع التيار ويؤسس مساهمته في الحياة العامة على شغف العوام؟

***

مما قد لا يحتاج إلى كثير إيضاح انني لا أتفق مع الدكتور مادبو في الكثير من أطروحاته، وهذا المقال ليس من باب التضامن والمؤازرة فالمثقف أمة لوحده، والأقلية الساحقة من حملة مشاعل الفكر والمعرفة قادرة بطبيعة الحال على الانتصار بمصداقية واستقامة أفكارها، لكنني اكتب هنا من مدخل الإعجاب بمثابرة الكاتب واعتماده على الكلمة وحدها برغم العنت في مجتمع يبلغ فيه عدد الأميين أضعاف عدد القادرين على القراءة والكتابة، والقلة القليلة من بين هؤلاء هي الحاصلة على مستوى يعتد به من التعليم النظامي أو غير النظامي، الأمر الذي يحرمها من التواصل على موجة مشتركة مع مثقف مستنير حاصل على حزمة من المعارف الممتازة عبر الدراسة النظامية والتثقيف الذاتي.

***

في بلد كالسودان كان الأسهل على دكتور مادبو أن يُؤسّس حركته السياسية العسكرية ولديه كافة الشروط التي تجعل منه المشير الدكتور القائد العام، وتؤهله فور إطلاق رصاصة واحدة في الهواء للجلوس إلى الدبلوماسيين والجواسيس الغربيين وحملة حقائب الدولارات العرب، ووضع شروطه المتزايدة دائماً على طاولة حكومات الخرطوم.

كان بإمكانه اعتماداً على بطاقة واحدة فقط أن يصير الثابت الوحيد والكل يتحرك في مدار لا يكف عن الاهتزاز من حوله، لكنه آثر مثل أصحاب الأفكار الرفيعة دائماً الاعتماد على الكلمة وحدها.

حين تولى الدكتور جون قرنق – وهو خريج إحدى الجامعات الأمريكية والمنتمي لأكبر قبيلة سودانية حينئذٍ – زعامة الحركة الشعبية لتحرير السودان وقيادة جيشها، كان التمرد قد سبقه بقيادة كاربينو كوانين ورفاقه لكنه كان أوفر منهم في شروط الزعامة. يمكن أن تتخيلوا لو أن الدكتور مادبو قد انضم لإحدى حركات التمرد المسلحة دون تكبد مشقة تأسيسها.. كم كان سيحتاج من الوقت إلى تولى زعامتها كما فعل الدكتور قرنق؟

يحمل الوليد مادبو عدداً من البطاقات لم تتوفر للراحل قرنق ولا للإمام المهدي نفسه من قادة الحركات الثورية العسكرية السودانية من جهة الدين واللغة والعلم والأرومة وبسطة الرزق ووفرة الألقاب، فما حاجته للمتاعب والمساهمة بالكلمة أضعف الإيمان؟

ينتمي مادبو وفق أي من تلك البطاقات التي لم يستخدمها قط إلى الطبقة العليا في المجتمع والموعودة بحياة رغدة هانئة بغض النظر عن الحكام أو أنظمة حكمهم، وإذا استعرنا القاموس الماركسي فإنه ينتمي إلى الطبقة البرجوازية وفق بعض البطاقات وإلى البرجوازية الصغيرة وفق بطاقات أخرى، لكنه اختار الوقوف إلى جانب المسحوقين والفقراء وضحايا الحروب التي يشعلها الجهلة والمجرمون والأغبياء – وهذه ليست حزمة من الشتائم مما لا يروم الكاتب هنا أو في أي مكان آخر- وإنما كتوصيف محايد فقط.

***

بهذه الوقفة الباسلة مارس الدكتور مادبو – انتحاراً طبقياً – تخلى بموجبه عن الاستحقاقات السياسية التي يُوفّرها له وضعه السوسيو-اقتصادي، لمصلحة الحصول على ذات الحقوق عبر توسيع بوابة الدخول لتكون أكثر تعبيراً عن احتياجات الطبقات الأقل حظاً وفق نظرية الثائر الأفريقي من أجل التحرير والمثقف الراحل أميلكار كابرال، الذي قاد النضال الثوري الأفريقي لتحرير غينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر في النصف الثاني من القرن الماضي.

كتب المفكر المصري الراحل سمير أمين عن كابرال أنه كان صاحب أفضل الأفكار في بناء دولة حديثة ديموقراطية وشعبية يمكنها ان تُقدّم تنمية حقيقية. كان كابرال يعلم أن تطبيق نظرية “الانتحار الطبقي” لن يكون سهلاً وقد رأى بنفسه كيف يموت أبناء الطبقات الأقل حظاً في السلطة والثروة والنفوذ في خطوط النار الأمامية، بينما يبقى الزعماء في مأمن تحت كل الظروف. يمكننا التمثيل هنا بقصة رجل الدين المعروف في حي بيت المال بأم درمان الأمين عمر الأمين الذي بقي بسلطته الاجتماعية آمناً – حفظه الله وأهله ورعاهم – بينما يُقتَل الناس من حوله، وتُنهب ممتلكاتهم دون أن يجرؤ أي من الطرفين المتحاربين على المساس به. ضربت هذا المثال للتدليل على كمية السلطات التي تخلى عنها الدكتور مادبو ليبقى على سلطة المثقف وحدها وسيفه وقلمه.

***

يحق لنا أن نتساءل هل مجتمعنا بحاجة إلى مثقفين يتخلون طوعاً عن امتيازاتهم الطبقية للمساهمة في صلاح الشأن العام أم نحن بحاجة إلى شيوخ قبائل، ورجال عصابات يتجولون بسيارات مسلحة ويغلقون الطرقات حين يعبر أطفالهم من منازلهم لمقاصفهم المختارة، ويفرضون على جماهير شعبنا رؤاهم السقيمة؟

كان حرياً بالمتعلمين السودانيين أن يحتفوا بالدكتور مادبو وبمساهماته الراشدة في الحياة العامة، وأن يتحصلوا منها على الكثير مما ينفعهم وينفع هذه البلاد وأن يستخدموها لضبط المشهد العام في حياتنا السياسية والثقافية والفكرية، فما أكثر حاجتنا إلى العارفين، وما أقل حاجتنا وكثير زهدنا في النشطاء السياسيين الجهلة الهاربين من سوق العمل إلى خمول التكسب بالتسول السياسي، والإتجار بالمواقف، وممالقة الرجال، واحناء الظهور.

***

قال إدوارد سعيد وقد ضاق بكثرة المفكرين في الحياة الأمريكية والغربية “إن عدد المفكرين عندنا أكثر بكثير من عمال المصانع” يا لرفاهية الحياة الغربية وبؤس الحياة السودانية التي يزيد فيها عدد المشتغلين بالسياسة عن الجماهير نفسها.

في العام ١٩٧٦م نشر الفيلسوف والمؤرخ الاقتصادي الإيطالي كارلو تشيبولا كتيباً صغيراً صغير الحجم وبالغ الأهمية بعنوان (القوانين الأساسية للغباء الإنساني) في نسخ محدودة معدودة باللغة الإنجليزية، ورفض لعقود عدة ترجمة هذا الكتاب لأي لغة بما فيها لغته الأم الإيطالية التي حصل المتحدثون بها على نسختهم بعد إثني عشر عاماً.

يُحذّر تشيبولا في هذا الكتاب من سطوة الغباء الإنساني، والجهل محمول ضمن روافع أخرى على الغباء، ويُقرّر أن خطورة الأغبياء تزداد كلما اقتربوا من السلطة. يكتب تشيبولا أنه “بين رجال الخدمة العامة البيروقراطيين، والجنرالات، والساسة، ورؤساء الدول فإن المرء لا يجد صعوبة في العثور على أغبياء ذوي قدرة تدميرية ازدادت كثيراً بفعل المواقع التي يتولونها في السلطة”.

هل يحتاج المرء إلى تذكير ليدرك أن القوة التدميرية الهائلة التي أفضت إلى هذا الجحيم ببلادنا هي من صنع البرهان وحميدتي وياسر العطا وعبد الرحيم دقلو ومحمد الفكي ووجدي صالح وصلاح مناع وصديق الصادق والواثق البرير وجعفر حسن والدقير وعرمان وآمنة المكي وخالد مصطفى (تبش) ومناوي وعبد الواحد، و(شكراً) حمدوك؟ هل يمكن أن نضم استخدام المؤثرات التي تذهب العقل إلى أسباب الغباء وبالتالي اعتماد مستخدميها ضمن الأغبياء ذوي الخطر الذين حذر الفيلسوف الإيطالي تشيبولا من عقابيل اقترابهم من السلطة؟ إذا اعتمدنا هؤلاء وحاولنا رصدهم فإننا سنكون بحاجة إلى كتاب ضخم- للأسف!

لنضع اختباراً بسيطاً بغرض إنصاف هذه الجماعة المحدودة التي ذكرنا أسماءها كأمثلة وليس حصراً حتى لا يكون اتهامنا لها بالمسئولية عن الفاجعة افتئاتاً: فيمَ نجح أي من هذه المجموعة في القضايا التي ظلّوا يعملون فيها؟ هل حقّق أيٌّ منهم نجاحاً يرد إلى استخدام مجهوده الذهني؟ إن توفر هذا فإننا على استعداد لمحوه من القائمة وتبرئته أخلاقياً من مسؤولية الجحيم الذي رُميت فيه بلادنا.

إقرأ على موقع 180  ألم يحن الوقت لتعريب الحلول لأزماتنا وحروبنا؟

***

في بلد – مثل بلدنا – ظلّ يسود الحياة العامة فيه الجهلة والكسالى والأغبياء فإن الحاجة تزداد كل يوم لإضاءة بلادنا بواحد من المجتهدين الأذكياء. هل كان مصير بلادنا سيكون ذات المصير الذي انزلقت اليه بحماسة وإصرار يوم ١١ أبريل/نيسان ٢٠٢٣م لو كان في الساحة السياسية علماء وخبراء وأذكياء في مقام الوليد آدم مادبو وغيره؟ بالتأكيد لا.

العقل البشري عامل أساسي من عوامل النهوض والتقدم، والتطور، والرفعة والأمان. أنظر كيف نجحت إثيوبيا في عهد ملس زيناوي في تحقيق تنمية اقتصادية غير مسبوقة في القارة؟ بأي وسيلة حقّقت اليابان وسنغافورة ورواندا ما تحقّق لها من رفعة وتقدم؟ هل لهذه الدول ثروات في باطن الأرض تزيد عن السودان، أو الكونغو، أو جنوب السودان، أو تشاد؟ لا ولكن العامل الفارق هو العقل البشري، والعقل البشري فقط.

إن بلادنا بحاجة إلى الانفتاح أكثر على العلماء والعارفين والمثقفين الأماجد (لتمييزهم عن طبقة حملة الشهادات الانتهازيين من أصحاب مبادرة لكل قضية) والابتعاد قدر المستطاع عن الأغبياء والجهلة وقادة التسطيح. بلادنا غنية بالفعل بمواردها وثرواتها وعقولها لكن هناك جماعة قوية تقف في طريق هذه العقول وتحاربها وتريد أن تستبعد عامل الفكر والمعرفة من التنافس على خدمة تولي الشأن العام.

***

إنني كمواطن صالح أشعر بالامتنان تجاه الدكتور الوليد آدم مادبو كونه رمى بالبطاقات التقليدية التي يستخدمها العاجزون وحمل بطاقة المثقف وحدها يساهم بها في الصلاح والخير العام لبلاده وشعبه.

إن الجماعة التي تقف لاستبعاد عامل الفكر والمعرفة جماعة قوية وضخمة لكنها مهزومة مهما طال الزمن وقد كتب تشيبولا في مؤلفه المبهر بوضوح أن “هذه الجماعة أقوى بكثير من المافيا، أو مجمع الصناعات العسكرية، أو الأممية الشيوعية. إنها جماعة غير محددة وغير منظمة بدون زعيم أو رئيس أو قوانين منظمة ومع ذلك فإنها تعمل بأعلى درجة من التناغم كأنما تقودها يد خفية”.

أنظر إلى المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير المبادة، أو الهيئة التنسيقية للقوى المدنية (تقدم) وتأمّل في قياداتها ومعايير العضوية والانتساب إلى تلك الجماعة وخليفتها. هل الانتماء على أساس الأحزاب السياسية بالتساوي؟ إذن من يمثل فلان وفلان وفلانة الذين لا ينتمون إلى أحزاب سياسية؟ هل هي حركة جماهيرية مفتوحة لجميع السودانيين للانتساب إليها – فرادى أو جماعات – على أساس برنامج سياسي؟ إذن كيف يمكن التقدم للعضوية والحصول عليها؟ هذه الجماعة هي جماعة مغلقة تعمل بتناغم وتجانس والانتماء إليها ليس وفقاً لمعايير معلنة وإنما وفق معايير سرية أساسها بالطبع ما أشار إليه تشيبولا وهناك فروع من بينها العطالة والبحث عن دور والعمالة للعدو الأجنبي وما شاكل ذلك.

***

ماذا قال الوليد مادبو ليسهر الخلق جراء ما قال ويختصموا؟

يقف الرجل موقفاً أختلف معه بالكامل وهو موقف مسالم إزاء الحرب (Pacifist) بينما اتخذت كمواطن وككاتب مشتغل بالشأن العام موقفاً وطنياً (Patriotic) قبل ثلاث سنوات من الحرب وحذّرت من وقوعها (راجع مقالات البرهان وحميدتي: مواجهة مؤجلة و معركة في كادوقلي.. نذر المواجهة مع قدس مثلاً) وأشعر بالحاجة هنا لتأكيد هذا الموقف تفادياً لمزايدات الجماعة السرية التي حذّر منها تشيبولا.

عبّر الدكتور مادبو عن رفضه للحرب وعن ضرورة تفادي استمرارها، ومع أن هذا الموقف في تقديري غير صحيح، إلا أنني مستعد للدفاع عن حق الدكتور مادبو في التعبير عنه بدلاً من توجيه الاتهامات الظالمة والسهلة له بأنه جنجويدي متخفٍ أو عنصري أو معادٍ للقبائل الشمالية وعشائر المركز ونهر النيل، وهو اتهام مجاني تستخدمه الجماعات التي حذّر منها الفيلسوف الإيطالي بسبب عدم قدرتها على الحديث مع مادبو بلغة مشتركة.

ولعل الاستثناء الوحيد عن الشخص الذي حاول قيادة مجادلة على أساس فكري معه هو الدكتور محمد جلال هاشم، وهو ما احتفت به بعض الدوائر التي تزعم الدفاع عن شمال السودان والمركز الثقافي العروبي، وهي لا تعلم أن المثقف الكوشي أكثر معاداة لها ولجيشها ولنظامها الاجتماعي والثقافي والسياسي والاقتصادي.

الدكتور جلال هاشم هو صاحب ما أسماه بنظرية شرق إفريقيا التي يدعو إلى القيام بعملية غزو شعبي مسلح من الأطراف على غرار الثورة المهدية تقوم بحل الجيش والأمن والشرطة واستبدالها بعناصر منها مثلما حدث في عدد من الدول الأفريقية (راجع الفيديو أدناه).

كانت عملية تمرد “الدعم السريع” وحربه الإرهابية في العاصمة ومدن الشمال هي التعبير الأصدق عن تصور الدكتور هاشم ومع ذلك وقف ضدها لأن فصيله السياسي والعسكري لم يقم بها ولأنه تضرّر على المستوى الشخصي منها (شفاه الله) وأعتقد أن موقفه – مع التقدير لبراعته في الكتابة والخطابة – لم يكن متسقاً مع أفكاره.

بهذا المثال فإن حديث الدكتور مادبو أجدر بالحفاوة في صفوف التيار الرافض الآن لأطروحاته فهو لم يطالب يوماً باستخدام القوة العسكرية كأداة للتغيير السياسي وإنما هو يطالب باستبعادها على الإطلاق من على الطاولة.

سبق الدكتور مادبو جميع مناهضي “الدعم السريع” الآن في مناهضة تلك القوة وممارساتها ضد قبائل الزغاوة والفور والمساليت، وسائر من تضرّروا من بشاعة سلوكها الذي تواطأت معه تيارات واسعة من المركز العروبي والشمال. كيف يستقيم إذن أن نصِفَهُ بالعنصرية والقبلية وهو الذي اختار قبل الآخرين الوقوف ضد من يمتون له بصلة القرابة لمصلحة خصومهم. لقد كان ذلك الموقف مثالاً لنصرة الحق كما يراه صاحبه.

دفع الدكتور مادبو الثمن ببسالة في مدينة الضعين، عاصمة القبيلة التي ينتمي إلى بيت زعامتها التاريخي حين احتجز في مقر جهاز الأمن، واستجوب بواسطة العقيد محمد عوض الذي ينتمي إلى قبيلة الشايقية في قلب المركز العروبي مدافعاً عن “قوات الدعم السريع” التي تتكوّن بشكل رئيسي من قبيلة مادبو، والتي يقف الأخير رافضاً لها ولممارساتها وتورطها في الحرب. إذن القبيلة ليست عاملاً في الخلاف هنا وإنما الخلاف في جوهره نظري ثقافي وسياسي يُساء فيه استخدام القبيلة.

أشار مادبو في كتابات وأحاديث متصلة لأسماء القبائل بشكل صريح وواضح سواء كانوا من الشمال أو الوسط أو الغرب أو الجنوب كما ينبغي للباحث والمفكر أن يفعل. وفيما يتحدث الناس عن انتماء قائد التمرد الإرهابي محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى الرزيقات، وعثمان محمد حامد إلى الفلاتة مثلاً فإن نفس هذه الجماعة تستنكف إشارته إلى انتماء الفريق عبد الفتاح البرهان إلى الجعليين أو ياسر العطا إلى الشايقية. لماذا؟ وما الذي جعل البرهان والعطا ينوبان عن جميع أهل السودان وهم ليسوا كذلك بينما الرزيقي والفلاتي لا ينتسبان إلا لقبيلتيهما؟ هذه قسمة غير عادلة.

***

إن هذه الحرب الطاحنة قد كشفت عوار الكثير من مؤسسات بلادنا وأسلوب الحكم فيها ونسقها الثقافي وبنائها الاقتصادي الهش وقبل كل ذلك نظامها الاجتماعي البائسِ، وكل هذه العيوب قد تشاركت مجتمعة في تدمير بلادنا بما لا قبل بإصلاحه خلال عشرة أجيال مقبلة من حكم الجماعات التي حذر منها الفيلسوف كارلو تشيبولا، وإن المخرج الوحيد لصلاح الحال هو إعطاء الأمر للعارفين وإخلاء الساحة السياسية والثقافية والفكرية ممن لا يعرفون.

التحية للدكتور الوليد آدم مادبو والمجد للكلمة العارفة.

Print Friendly, PDF & Email
محمد عثمان ابراهيم

كاتب وصحفي سوداني

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  أفغانستان.. سباق بين "إمارة" طالبان والحرب الأهلية