ماكرون المهزوم أوروبياً.. من المغامرة النيابية إلى المقامرة الرئاسية!

ماذا بعد صدور نتائج الانتخابات الأوروبية في فرنسا والهزيمة المُرّة والمُدويّة التي مُني بها الرئيس ايمانويل ماكرون من خلال خسارة وتراجع لائحة حزبه "النهضة" أمام التقدم والفوز غير المسبوق للائحة حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف؟ وما هي أبعاد إقدام ماكرون على حل الجمعية الوطنية الفرنسية والدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة في 30 حزيران/يونيو الحالي و7 تموز/يوليو المقبل؟

“ضربة صاعقة”، “زلزال سياسي”، “لعبة بوكر”، “عملية انتحارية”.. تعدّدت الأوصاف وتسارعت التعليقات الواردة على لسان السياسيين والإعلاميين والمراقبين والمُحلّلين في معرض وصفهم قرار ماكرون “المفاجىء والصادم” من خلال دعوة الناخبين مجدداً إلى صناديق الاقتراع بعد ثلاثة أسابيع.

قليلون رأوا في مبادرة الرئيس الفرنسي “شجاعة سياسية” إلا أن أكثرية المتابعين وصفوا الخطوة بأنها “متهورة” وقد تذهب بالبلاد نحو المجهول واعتبروا أن الهدف المعلن لماكرون “هو التوصل إلى وضع سياسي أكثر وضوحاً” قد يأتي بنتيجة عكسية إذ قد تزداد الأمور غموضاً وتعقيداً مع نتائج الانتخابات النيابية المنتظرة.

دخلت فرنسا في مرحلة سياسية ضبابية غير واضحة المعالم ميزتها عدم الاستقرار مع خطورة أن تُشكل الخطوة الماكرونية قفزة نحو مجهول غير واضح المعالم مع التخوف من تحول الأزمة السياسية الحالية إلى أزمة حكم والأخطر إلى أزمة نظام

وفي هذا الإطار، يُشير المتابعون للمشهد السياسي الفرنسي إلى أن عناصر متعددة تتحكم بمسار الانتخابات النيابية المقبلة وتجعل نتائجها غير واضحة المعالم:

أولاً؛ الانتخابات النيابية تجري على دورتين وحسب نظام الأكثرية، وليس في دورة واحدة، وحسب النظام النسبي كما هو الحال في الانتخابات الأوروبية، وبالتالي تلعب التحالفات والاتفاقات السياسية خصوصاً في الدورة الثانية دوراً مهماً في نتائجها.

ثانياً؛ المدة الزمنية الفاصلة عن موعد الدورة الأولى لا تتعدى الثلاثة أسابيع وهي مدة قصيرة يصعب معها على الأحزاب ترتيب أوضاعها واعداد ماكيناتها الانتخابية وترتيباتها اللوجستية.

ثالثاً؛ ماذا ستكون عليه نسبة المقاطعة بعد أن بلغت حوالي نصف المسجلين في الانتخابات الأوروبية، علماً أن مواعيد الانتخابات النيابية تتزامن مع بدء العطلة الصيفية ونهاية العام الدراسي؟

رابعاً؛ ماذا ستكون عليه التحالفات السياسية بين مختلف الأحزاب والقوى السياسية؟ فهل تذهب أحزاب اليسار المتعددة من “الإشتراكي” إلى “الشيوعي” وصولاً إلى أقصى اليسار مروراً بأنصار البيئة والخضر كقوة سياسية واحدة في تحالف ما يسمى بـ”الجبهة الشعبية” لمواجهة اليمين بمختلف مسمياته معتدلاً أو متطرفاً أو ما بين بين؟

خامساً؛ هل سيُحافظ الناخب الفرنسي ـ الرافض لحزب ماكرون في الانتخابات الاوروبية تعبيراً عن “غضبه” من أدائه ـ على خياره في الانتخابات النيابية وبالتالي إعطاء الأكثرية المطلقة النيابية لأقصى اليمين المتشدد في الجمعية الوطنية المقبلة؟

“Essayez-nous”.. جربونا!

ما هي السيناريوهات المحتملة؟

 1-يرى المتابعون أن المواطن الفرنسي كان في الماضي يمتنع عن الكشف عن خياره الانتخابي ويعتبر الموضوع من خصوصياته الشخصية ولا يجاهر بانتمائه السياسي، ثم تدرج بالبوح بصوت خافت والتلميح إلى الجهة السياسية التي يؤيدها خصوصاً إذا كانت قريبة من أقصى اليمين. أما اليوم، فالأمر اللافت للإنتباه هو أنه بات يُعبر بصوتٍ عالٍ عن تأييده لليمين المتشدد والمتطرف ويُعلّل ذلك بقوله “دعونا نُجرّبه ونُعطيه فرصة.. فقد جربنا بالماضي الآخرين المعتدلين، يميناً ويساراً وأصبنا بأكثر من خيبة”. ويستجيب الناخب بالتالي إلى دعوة مرشحي اليمين المتطرف الذين ينادون على كل المنابر الإعلامية قائلين “جرّبونا”!

في حال أكد الناخبون الفرنسيون في الانتخابات النيابية المقبلة على خيارهم الذين عبّروا عنه في الانتخابات الأوروبية وأوصلوا أكثرية يمينية إلى الجمعية الوطنية، سيجد ماكرون نفسه مضطراً إلى تكليف شخصية تحظى بدعم هذه الأكثرية بتشكيل حكومة جديدة وبالتالي قبول ما يعرف بـ”المساكنة” أو “التعايش” بين رئيس جمهورية ورئيس وزراء ينتميان إلى فريقين سياسيين مختلفيين لا بل متناقضين. وفي هذا المجال هناك سابقتان في تاريخ الجمهورية الخامسة الفرنسية في عهدي الرئيسين الراحلين فرنسوا ميتران وجاك شيراك. ولكن السابقة التاريخية الأولى ستكون بمشاركة اليمين المتطرف إلى الحكم ودخوله إلى “أوتيل ماتينيون”، مقر رئاسة الوزراء.

2-في حال تم السيناريو الأول، تكون هذه نهاية “الماكرونية السياسية” في منتصف الولاية الثانية للرئيس ماكرون. والسؤال الكبير هل يستمر وحيداً في سدة الرئاسة خصوصاً أن ليس بامكانه الترشح مجدداً للانتخابات الرئاسية اذ ينص الدستور على ولايتين رئاسيتين فقط؟

هناك اجماع لدى هؤلاء المراقبين إذ اعتبروا أن الخطوة الماكرونية تشكل نوعاً من “المقامرة واللعب بالنار”

3-معركة شدّ الحبال المؤكدة بين رئيس جمهورية ورئيس وزراء من فضاءين سياسيين مختلفين لا يمكن لأحد أن يتكهن مسبقاً كيف ستنعكس على مسار عمل المؤسسات الدستورية. وثمة من يحذر من المراقبين من أن البلاد “ستصبح غير قابلة للحكم”.

4-صحيح أن الدستور الفرنسي حفظ لرئيس الجمهورية صلاحية وأحقية النظر في كل المواضيع ذات الصلة في مجالي الدفاع والسياسة الخارجية، إلا أن تضعضع المشهد السياسي الداخلي إضافة إلى التباين في المواقف حيال عدد من القضايا الأوروبية والدولية.. كل ذلك من شأنه اضعاف موقع ودور فرنسا على الصعيد الخارجي.

إقرأ على موقع 180  ليبيا: حفتر من "فاغنر" إلى كش ملك التقسيم!

5-تساؤلات حول انعكاس تسارع هذه التطورات السياسية الداخلية التي تتزامن مع موعد الألعاب الأولمبية التي تستضيفها فرنسا في نهاية تموز/يوليو المقبل على مجريات هذه الألعاب وفعالية تنظيم مختلف أنشطتها.

والسؤال الكبير أي مصير ينتظر فرنسا والفرنسيين غداة الانتخابات النيابية المقبلة؟

يُشكّك العديد من المراقبين بنوايا ماكرون المعلنة الداعية إلى اعطاء الكلمة للشعب الفرنسي “لتوضيح خياره والتعبير عن رأيه بشكل ديموقراطي والقيام بالخيار الأنسب والأصلح”، ورأى هؤلاء أن هذه النوايا تُخفي محاولة مزدودجة: إما الحصول على “تصحيح” خيار الفرنسيين وعدم اعطاء اليمين المتطرف أكثرية نيابية، وإما “نصب فخ” لليمين المتطرف من خلال اظهار عدم قدرته وقلة فاعليته في ممارسة الحكم وبالتالي قطع الطريق الرئاسية أمام زعيمته مارين لوبن.

وهناك اجماع لدى هؤلاء المراقبين إذ اعتبروا أن الخطوة الماكرونية تشكل نوعاً من “المقامرة واللعب بالنار”، وحذّروا من “خطورة هذا الرهان” الذي قد يُدخل فرنسا في حالة غير مسبوقة من الفوضى السياسية وتعطيل سير المؤسسات الدستورية وتهديد الاستقرار الداخلي وزعزعة الأمن المجتمعي من خلال فتح أبواب الحكم أمام دخول اليمين المتطرف.

الأكيد أن فرنسا دخلت في مرحلة سياسية ضبابية غير واضحة المعالم ميزتها عدم الاستقرار مع خطورة أن تُشكل الخطوة الماكرونية قفزة نحو مجهول غير واضح المعالم مع التخوف من تحول الأزمة السياسية الحالية إلى أزمة حكم والأخطر إلى أزمة نظام.

Print Friendly, PDF & Email
باريس ـ بشارة غانم البون

صحافي وكاتب لبناني مقيم في باريس

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  إنه سليمان فرنجية.. هل يُطيح باسيل بالتفاهم مع حزب الله؟