حرب إيران ومأزق ترامب.. مذكرة التفاهم على حافة الانهيار!

يصعب التعويل على أي تصريحات يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التوصل إلى استنتاجات أخيرة، حقيقية وموثوقة، بشأن أي صفقة مفترضة مع إيران توقف الحرب التي تتهدد بتداعياتها الكارثية العالم بأسره.

بتغريدات جازمة كتب ترامب: «الحصار البحري سيرفع الآن».. «السفن العالقة في مضيق هرمز ستعود إلى بلدانها فورًا».. «أنا داخل الآن إلى غرفة العمليات لاتخاذ القرار النهائي».. ثم لم يخرج شيء عن ذلك الاجتماع، وجرى التراجع سريعًا عن الرسائل الجازمة التي أوحت للعالم كله بأن التوقيع على مذكرة التفاهم مسألة ساعات، وأن الحرب انتهت فعلًا، والباقي تفاصيل!

هكذا اهتزت مجددًا أي قيمة منسوبة إلى تصريحات ساكن البيت الأبيض، كما لم يحدث في التاريخ الأمريكي كله، حتى إن المستشار الألماني فريدريش ميرتس وصف المفاوضات بأنها عملية إذلال للولايات المتحدة!

كانت تلك القراءة الألمانية نصف الحقيقة، لا الحقيقة كلها، في وصف المشهد التفاوضي المتعثر.

النصف الآخر من الحقيقة: الكفاءة الإيرانية البادية في استثمار الارتباك التفاوضي الأمريكي الفادح لكسب رهاناتها، اعتمادًا على طول النفس ووضوح الأهداف.

لا يمكن فهم أسلوب التفاوض الإيراني بعيدًا عن تجربتي «البازار» و«صناعة السجاد».

الأولى؛ رسخت قواعد وأصول التفاوض على السعر المناسب لبضائعها.

والثانية؛ أكدت ضرورات طول النفس لنسج سجاجيدها بالغة الجمال والإتقان.

الإيراني لا يتعجل النتائج قبل استكمال مقومات وفرص كسب رهاناته.

باعتراف ترامب، فإن المفاوض الإيراني على درجة عالية من الكفاءة، ويعرف كيف يعقد الصفقات.

بصياغة أخرى، فإنه يعرف ما يريد وما لا يريد، ومتى يصمت، ومتى يضغط.

نحن أمام أسلوبين متناقضين في إدارة التفاوض؛ الأمريكي يكاد يكون عشوائيًا، وتتحكم فيه النوازع أكثر من الاستراتيجيات، وتغيب عنه منذ البداية أي معلومات حقيقية عن طبيعة إيران وحضارتها وشعبها.

تباينت أهداف الحرب بين الشريكين الأمريكي والإسرائيلي حتى أصبح كل منهما عبئًا على الآخر، يقيد حركته ويربك حساباته الانتخابية الوشيكة؛ الكنيست والتجديد النصفي لمجلسي الكونجرس في الخريف المقبل.

بالحساب الأمريكي، فإن إنهاء الحرب بأكبر قدر ممكن من المكاسب الملموسة مصلحة انتخابية للجمهوريين يميل إليها ترامب.

وبالحساب الإسرائيلي، فإن إنهاء الحرب على نحو ما انطوت عليه مذكرة التفاهم هزيمة استراتيجية مؤكدة تزعزع حظوظ نتنياهو الانتخابية مع حلفائه في اليمين الصهيوني.

وبتداخل الحسابين، فإن أنصار إسرائيل في الكونجرس الأمريكي يميلون إلى مواصلة الحرب.

معضلة ترامب أن مصلحته المباشرة تتناقض مع مصالح حلفائه الموثوقين.

هذا يفسر إلى حد كبير الارتباك الظاهر في صناعة القرار التفاوضي.

عاد ترامب بأسرع من أي توقع ليناقض نفسه وينسف وعوده بإنهاء الحرب «الآن» و«فورًا».

نقطة الضعف الأخرى في إدارة التفاوض هي شخصية ترامب.

فهو نرجسي مفرط يتحدث كثيرًا بكلام يناقض بعضه بعضًا.

زعم في البداية أنه سوف يحقق اتفاقًا أفضل مما أنجزه الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2015، الذي طالما وصفه بأنه كارثي، فإذا به الآن أمام مذكرة تفاهم أقل بكثير من اتفاق أوباما.

كلما بدا أنه أمام فرصة حقيقية لإنهاء الحرب، يتراءى أمامه شبح أوباما والسخرية من ادعاءاته السابقة.

وفي الوقت نفسه، فإن شبح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حاضر دومًا في المشهد نفسه، عائقًا رئيسيًا أمام أي تسوية ممكنة لحرب باهظة التكاليف، لا يؤيدها الرأي العام في بلاده، وتسحب من رصيد شعبيته على المكشوف، كما لم يحدث مع أي رئيس أمريكي سابق.

«سنقوم باستخراج الغبار النووي بالتنسيق مع إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية».

كان ذلك تصريحًا ترامبيًا تغلب عليه أمنياته أكثر من حقائقه.

وفق مذكرة التفاهم، فإن الملف النووي كله مؤجل إلى مرحلة تالية من التفاوض.

«إيران لن تمتلك أبدًا سلاحًا نوويًا».

لم يكن هناك جديد في التعهد الإيراني بعدم إنتاج أسلحة نووية، لكنه أراد أن يبدو في صورة من حقق إنجازًا كبيرًا.

وفق تصريحاتهم الرسمية، أكد الإيرانيون أنه لا يوجد أي بند في مذكرة التفاهم ينص على تدمير اليورانيوم المخصب.

كان ذلك تحديًا مبطنًا لما أراد ترامب أن يوحي به.

النقطة الحساسة في مذكرة التفاهم تتعلق بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وقدرها 12 مليار دولار كدفعة أولى.

«إيران لن تدخل أي مفاوضات أخرى إلا بعد الحصول على تلك الأموال».

الأموال تحتاجها إيران لترميم تصدعات اقتصادها، وهي غير مستعدة لأي تردد أمريكي فيما جرى الالتزام به في مذكرة التفاهم، بضغط إسرائيلي أو غير إسرائيلي.

تحريك الاقتصاد المنهك مسألة جوهرية بكل حساب إيراني.

إنها مسألة أمن قومي، كما هي من ضرورات تثبيت النظام.

وفق مذكرة التفاهم، فإن الحرب يفترض أن تتوقف على كل الجبهات، وبالذات على الجبهة اللبنانية.

هذه نقطة أخرى بالغة الحساسية.

لا الإيرانيون بوسعهم إدارة ظهورهم للبنانيين وتركهم وحدهم تحت النار، ولا الأمريكيون بمقدورهم إجبار الإسرائيليين على الالتزام بوقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني.

إقرأ على موقع 180  لنغادر أحزاب الصمت.. رأفة بالمستقبل العربي

عندما أعلن ترامب، بدرجة عالية من الجزم، رفع الحصار البحري عن إيران وفتح مضيق هرمز أمام السفن العالقة للإبحار إلى بلدانها، بدا العالم كله كأنه أمام انفراج حقيقي في الأزمة المستحكمة. غير أن إسرائيل، في اليوم نفسه، رفضت في مفاوضاتها مع وفد عسكري لبناني احتضنه البنتاجون، أي انسحاب من الأراضي المحتلة.

كان ذلك إخلالًا جسيمًا بنص ملزم في مذكرة التفاهم، أقرب إلى أن يكون فيتو إسرائيليًا على فكرة الانسحاب، سواء عبر المسار التفاوضي الأمريكي ـ الإيراني، أو عبر المسار الإسرائيلي ـ اللبناني؛ لا انسحاب ولا حديث عن سلام محتمل، وكل ما هو معروض للتفاوض نزع سلاح حزب الله، ولا شيء سوى الشروع في تفجير لبنان من الداخل ودفعه إلى الاحتراب الأهلي.

وبدرجة مماثلة، صعّدت إسرائيل حربها على غزة بذريعة يتبناها مجلس السلام العالمي، الذي أسسه ويترأسه الرئيس الأمريكي، وهي أن ما يعيق إعمار غزة هو عدم موافقة حماس على نزع سلاحها، ولا شيء آخر.

الطلب الإسرائيلي بنزع كل الأسلحة على جميع الجبهات يستهدف، بالضبط، إخضاع المنطقة كلها لإرادتها المنفردة.

إنه سلام القوة، والشرق الأوسط الجديد.

لم تكن مصادفة أن يدعو ترامب الدول الرئيسية في المنطقة إلى عقد اتفاقيات إبراهيمية مع إسرائيل، كأنه مخرج سياسي من مأزقه ومأزقها معًا، بتحقيق الأهداف الاستراتيجية للحرب الخاسرة بمقاربات أخرى. غير أن الحقائق وحدها تتكلم.

لا منطق القوة يصلح لإملاء الإرادات، ولا مشروع إسرائيل الكبرى يمكن أن يمر.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  ٣ سيناريوهات محتملة لمجابهة النظام الإقليمي الإسرائيلي الزاحف