فى خمسينيّات وستينيّات القرن الماضى، جرى التعويل على جماعة الإخوان المسلمين ضمن تحالفات إقليمية ودولية لإجهاض المشروع القومى العربى. كان ذلك نوعًا من التوظيف السياسى بذريعة الانتقام من نظام «جمال عبدالناصر».
وفى حرب أفغانستان، التى امتدت لعشر سنوات، تبدّت أخطر وأطول عملية توظيف سياسى باسم الدفاع عن الإسلام فى مواجهة الشيوعية والإلحاد لاصطياد الاتحاد السوفييتى. أفضت الحرب إلى نتيجتين كبيرتين: أولاهما، انفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولى بعد تفكك الاتحاد السوفييتى ونهاية الحرب الباردة.. وثانيتهما، ظهور موجة عنف وإرهاب فى دول بالمنطقة والعالم ممن أطلق عليهم «العائدون من أفغانستان»، ونشأت تنظيمات إرهابية أخطرها «القاعدة».
تبنّت بعد ذلك الإدارات الأمريكية المتعاقبة نهج «الاحتواء» والرهان على «الإسلام السياسى» لإعادة هندسة المنطقة من جديد، قبل أن تذهب أخيرًا إلى الصدام الخشن بإعلانها إرهابية، بما يقتضى مصادرة أموالها وملاحقة منتسبيها، فى ثلاث دول بالذات: مصر والأردن ولبنان. ولاية تكساس سبقت «ترامب» فى هذه الخطوة، وفرنسا تتأهب لخطوة مماثلة.
لماذا اختيرت دول بالاسم ودول أخرى استُبعدت برغم ارتباطها الوثيق بجماعة «الإخوان»؟ إنها البرجماتية السياسية التى تفرضها المصالح المحققة لا المبادئ المدّعاة.
كان دخول رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو»، المتهم دوليًا بارتكاب جرائم حرب، على الخط بشكر «ترامب» على قراره، داعيًا لاستنتاج منطقى أنه يقصد جماعات المقاومة الفلسطينية، وبخاصة «حماس»، التى ارتبطت فى تأسيسها بـ«الإخوان المسلمين» برغم تخليها (2017) فى وثيقتها الرئيسية عن أى ارتباط أيديولوجى أو تنظيمى بـ«الإخوان».
قبل أقل من عامين، أبدى «باراك أوباما» حرصًا زائدًا على وجود ممثلين لـ«الإخوان» أثناء إلقاء خطاب فى جامعة القاهرة موجهًا إلى العالم الإسلامى. نظّمت إدارته حوارات غير معلنة مع الجماعة للوصول إلى تفاهمات استراتيجية تضمن المصالح الأمريكية وتتبع خطاها فى الإقليم، وساعد بالضغوط على وصولها إلى السلطة؛ لكنه توصل بعد انقضاء تجربة «الإخوان» فى السلطة، فيما يشبه النقد المتأخر، كما جاء فى مذكراته نصًا: «الفلسفة الأصولية لجماعة الإخوان تجعلها غير جديرة بالثقة كوصى على التعددية الديموقراطية»
هناك فارق جوهرى بين جماعة سياسية تورّطت فى أعمال عنف وإرهاب بالفعل، وبخاصة فى مصر، وبين شرعية المقاومة الفلسطينية طلبًا لحق تقرير المصير وبناء دولة فلسطينية كاملة السيادة. الخلط جريمة تاريخية متكاملة الأركان.
قضية السلطة اختلفت فيها الحسابات والرهانات. إثر احتلال بغداد (2003) تبدّت إشارات ورسائل معلنة عن دور أمريكى محتمل فى تزكية صعود الجماعة إلى السلطة. بدت الإشارة الأهم ما قالته «كوندوليزا رايس» وزيرة الخارجية الأمريكية (2005) من أن بلادها لا تمانع فى وصول الإسلاميين إلى السلطة، تلتها دعوة من الاتحاد الأوروبى لحوار مع الجماعة.
اعتقدت بعض الأطراف القيادية فى الجماعة أن للحوار ضروراته العملية، وأنه لا يصح أن تصدّ نفسها عن دعوات للحوار من أطراف نافذة فى النظام الدولى. كان ذلك رهانًا مبكرًا على الجواد الأمريكى فى الوصول إلى السلطة.
فى نفس التوقيت التأم حوار لافت للانتباه فى بيروت بين شخصيات بحثية مقربة من الإدارة الأمريكية وقياديين محسوبين على التيار الإسلامى من عدة دول عربية. تعذّر التحاق «الإخوان» به، غير أن «الجماعة الإسلامية» فى لبنان تولّت بالنيابة تمثيلها. فى الوقت نفسه، لم يكن السفراء والدبلوماسيون الغربيون فى القاهرة مرتاحين لإشارات تصدر من واشنطن وبروكسل عن حوارات جرت، أو قد تُجرى، بين الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبى مع «الإخوان».
كان تقدير الدكتور «هيو روبرتس» مدير مشروع شمال إفريقيا فى “مجموعة الأزمات الدولية” (ICG)، عند منتصف العقد الأول من القرن الجديد، أن موقف الدبلوماسيين الغربيين بالقاهرة مفهوم وطبيعى نظرًا لما هو مطلوب منهم من أدوار فى تحسين العلاقات بين الدول والحفاظ عليها دون توترات قد تضر بمصالح استراتيجية.
سألته وقتها، وموقعه يمكنه من الاقتراب من دوائر صنع القرار: هل هناك الآن قنوات حوار غير معلنة بين «الإخوان» فى مصر والإدارة الأمريكية؟ كانت إجابته: «ليس لدى ما يؤكد أن هذا الحوار قد بدأ فعلاً بأفقه الجديد الذى دعت إليه «كوندوليزا رايس» وقيادات فى الاتحاد الأوروبى.. لكن ما أستطيع أن أؤكده أن هناك طريقتين فى التفكير داخل دوائر صنع القرار، بل وداخل مؤسسات التفكير والأبحاث الأمريكية والغربية: الأولى، تحاول أن تبحث فى الدستور عن مساحة لوجهة نظر إسلامية تدمج التيار الإسلامى فى بنية المجتمع المدنى والسياسى. والثانية، تنظر إلى المشكلة من زاوية الجغرافيا السياسية، أو من وجهة نظر غربية محضة.
كان اعتقاده أن الحوار المطلوب من «كوندوليزا» ليس استكشاف التيار الإسلامى، وإنما العمل على ضمه إلى صفوف السياسة الأمريكية، لا تقبّله كما هو، بل تطويعه لما تريده مصالحها الاستراتيجية.
فى عام (2011) حدث تغير جوهرى آخر حين هبّت عواصف التغيير. دعا الرئيس الأمريكى الأسبق «باراك أوباما» نظيره المصرى «حسنى مبارك» إلى مغادرة منصبه بذريعة لافتة للانتباه: «إذا كنت تريد انتخاب حكومة لا يهيمن عليها الإخوان فقد حان وقت التنحى».
قبل أقل من عامين، أبدى «باراك أوباما» حرصًا زائدًا على وجود ممثلين لـ«الإخوان» أثناء إلقاء خطاب فى جامعة القاهرة موجهًا إلى العالم الإسلامى. نظّمت إدارته حوارات غير معلنة مع الجماعة للوصول إلى تفاهمات استراتيجية تضمن المصالح الأمريكية وتتبع خطاها فى الإقليم، وساعد بالضغوط على وصولها إلى السلطة؛ لكنه توصل بعد انقضاء تجربة «الإخوان» فى السلطة، فيما يشبه النقد المتأخر، كما جاء فى مذكراته نصًا: «الفلسفة الأصولية لجماعة الإخوان تجعلها غير جديرة بالثقة كوصى على التعددية الديموقراطية».
(*) بالتزامن مع “الشروق“
