هذا الإعلان المزدوج من الطرفين التركي والباكستاني بدا متزامناً مع ما يجري على الساحة الإيرانية من تطوّرات، إلا أن ما كشفه الوزير الباكستاني بأن العمل كان جارياً لإتمام الاتفاقية منذ نحو عام يجعل المسألة أعمق من كونها ردود فعلٍ مستجدّة. بل إنّه جهد سابقٌ على تولّي دونالد ترامب سدة الرئاسة في ولايته الثانية، وسابقٌ على اندلاع الحرب بين باكستان والهند أيضاً في أيار/مايو الفائت، وإن كان لاحقاً على التغيرات التي طرأت على المشهد السوري بعد سقوط النظام الأسدي. لكنّ اللافت للانتباه هنا، أنّ أولى زيارات الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع خارج البلاد كانت إلى السعودية، ما فُسّر حينها بوجود تطمينات من تركيا- بوصفها الراعي الرسمي تقريباً لسوريا الجديدة- لجهة عدم الممانعة في تقاسم النفوذ ضمن إطار تعاوني معيّن.
وإذا كانت العلاقة بين باكستان وتركيا أو بينها وبين السعودية-لا سيما بعد اتفاق الدفاع الاستراتيجي بينهما في أيلول/سبتمبر الفائت- سابقة على الحدث ومتجّذرة في تاريخ العلاقة بين الطرفين، فإن المستجد هو طبيعة التقارب التركي السعودي بشكله الجديد الأكثر عمقاً، على الرغم من إمكانية لمسه في السنوات الأخيرة في مسارات التعاون الدفاعي–الصناعي بحيث تُقدّم تركيا خبرتها التصنيعية مقابل التمويل السعودي.
كما يمكن رصد التنسيق الثلاثي بين هذه الدّول في أكثر من ساحة، من ضمنها الليبية مثلاً، حيث زار قائد الجيش الباكستاني بنغازي ليلتقي الجنرال حفتر ويوقع معه اتفاقا عسكريا مشتركاً، وكان الأخير قبل هذه الزيارة قد التقى في أنقرة مسؤولين أتراكاً في إطار تعاون سعودي تركي باكستاني لحسم المسألة الليبية العالقة منذ سنوات. كذلك الأمر في السودان إذ توافقت الأطراف الثلاثة على دعم الجيش السوداني ضد “قوّات الدّعم السريع”. غير أن ما وصلت إليه الأمور مؤخراً دفع بعض التحليلات الصحفية والفكرية إلى الحديث عن محور سعودي-باكستاني- تركي أو عن إطار دفاعي يشبه الناتو خارج الغرب، يستدعي باكستان كمظلّة نووية والجيش التركي كقوة عسكرية، والسعودية كقوة إقتصادية، من أجل خلق كتلة من شأنها ان تُحدث توازناً قبالة استبداد الكيان الصهيوني بحلف وحيد يحكم كل المنطقة، وبمظلة نووية صهيونية.
يمكن للمراقب أن يُعطي التّكتّل الصّاعد وظيفة رمزية – إسلامية، بمعنى تهيئة سردية حلف إسلامي مقابل “الحلف الإبراهيمي”. بالاستناد إلى أكثر من معطى. الأول، تركياً، هو خطاب هاكان فيدان نفسه عندما قال إن العالم الإسلامي “استيقظ من سبات عميقٍ دام مئة عام.. وعندما نجتمع ندرك ما نحن قادرون عليه، ونؤمن بضرورة الاتحاد”. كلامٌ هو الوجه الخارجي/الدبلوماسي لنفس المنطق الذي يعبّر عنه رجب طيب أردوغان داخليًا: “وضعنا القومية الكردية تحت أقدامنا، واللازية، والتركية، والعربية.. لا للقوميات التي تفرّق المسلمين، القوميات من الشيطان“. أما سعودياً، فإذا كان ولي العهد محمد بن سلمان قد حاصر سلطة الوهابية التقليدية وأعاد تعريف العقد الاجتماعي (الانفتاح الاجتماعي، تهميش المؤسسة الدينية، الضغط على نموذج الريع)، فهو يحتاج راهناً إلى سردية شرعية تمنحه قيادة عالم إسلامي مسلّح وقادر كبديل يُقدَّم للداخل عن ربط المستقبل الأمني مع إسرائيل، عبر تحالف وثيق مع القوة النووية الإسلامية الوحيدة ومع قوة سنّية كبرى ذات إرث عثماني، ما يسمح بصياغة خطابٍ قوامه أننا نحن نقود محورًا إسلاميًا يحمي المنطقة والحرمين، ولسنا مجرد تابع ليبرالي للغرب.
يأتي هذا التقارب الثلاثي في وقت وُضعت فيه جماعة “الإخوان المسلمين” التي ترعاها تركيا على لائحة الإرهاب أميركياً، ما يجعل من هذا التحالف وكأنه “ريبراندنغ” إسلامي تركي، لا سيما بلحاظ أن مساحة الحركة الإعلامية لجماعة “الإخوان” في تركيا قد تقلصت، وتم سحب الجنسية التركية من بعض الشخصيات الإخوانية، في إطار إعادة تموضع في السياسة الخارجية تُحوّل “الإخوان” من حليف استراتيجي إلى ورقة قابلة للمساومة ضمن هندسة إقليمية أوسع، تعيد إدماج تركيا داخل إجماع سُنّي أوسع. في المقابل، تتعاطى السعودية حيال تركيا بمنطق تحويلها إلى شريك دفاعي واقتصادي يضع حدًّا لتفرّدها الخطابي في قضايا فلسطين وسوريا، ويجعل أنقرة مجبرة على مراعاة حسابات الرياض في ملفات حساسة، كما ظهر في التنسيق حول سوريا وغزة ومؤخراً إيران، ما يفضي في نهاية المطاف إلى إمكانية أن يخاطب كلا الطرفين شرائح مختلفة من المسلمين، لكن في إطار سردية كبرى مشتركة: استيقاظ العالم الإسلامي، وتعدّد الأقطاب، وتقليص الهيمنة الغربية المباشرة.
ويبرز التحدّي الإيراني المستجد هنا كورقة تدفع بهذا التقارب إلى مزيد من التمتين، وهو ما عبّر عنه هاكان فيدان بالرغبة بالتنسيق الأمني المشترك، في ظلّ التهديدات التي قد يخلقها أي سيناريو لسقوط النظام، بما فيه التهديد الكردي، خصوصاً بلحاظ أن منظمة التعاون الإسلامي التي تقودها عمليًا السعودية بالتنسيق مع تركيا وباكستان، تبنّت في قراراتها الأخيرة صياغات تدين “قسد” و”حزب العمال الكردستاني” وتضعهما في خانة “التنظيمات الإرهابية”، كما أن وزير الخارجية السعودي السابق عادل الجبير وصف “حزب العمال الكردستاني” صراحة بأنه “تنظيم إرهابي” في تصريح أدلى به من أنقرة؛ وهذا يعني أن تركيا نجحت فعلاً في تدويل سرديتها الكردية داخل المؤسسات الإسلامية، وهو مكسب رمزي مهم يعطيها شرعية إسلامية جماعية ضد أي مشروع كيانية كردية مسلحة عابر للحدود، وقدرة على القول بأن الصراع ليس تركياً–كردياً، بل هو صراع دول إسلامية ضد مشاريع التفتيت والإرهاب والتقسيم. ويأتي التحالف الثلاثي في هذا السياق ليعطي تركيا فرصة تنسيق استخباراتي ولوجستي (تمويل، تسليح، مراقبة حدود) للضغط على الفصائل الكردية المسلحة في الإقليم، واستخدام الثقل السعودي-الباكستاني لحرمان أي كيان كردي مستقبلي من اعتراف أو دعم إسلامي واسع.
على أن أي تقهقر أو سقوط للنظام الإيراني قد يخلق حالة من الفوضى تخشاها دول الخليج، وتخشى معها تراجع الضمانة الأميركية، لتعوضها بالتالي ببناء توازن خارجي جديد، بحيث يكون لديها – إذا تحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة صدامات مفتوحة- شريك عسكري خبير بالحروب التقليدية وغير التقليدية (الجيش الباكستاني) يمكن أن يشارك في حماية المنشآت النفطية وطرق الملاحة، تدريب وتسليح وحدات سعودية لمهام الحدود والحرب غير المتناظرة، وربما المشاركة في قوات مشتركة “إسلامية” لحفظ الاستقرار في نقاط فراغ معيّنة. وهذا ما يمكّنها من استخدام التحالف لتقديم نفسها كـمرجعية استقرار إسلامي في مواجهة الفوضى المذهبية، والتقسيمات القومية (فرس/عرب/أكراد/بلوش) وصعود فواعل غير دولتية (ميليشيات، تنظيمات إلخ..).
أما لجهة باكستان، فإن التحالف يعطيها ظهيرًا عربيًا–إسلاميًا إذا اضطرت لاتخاذ إجراءات قاسية داخل بلوشستان أو على حدود إيران، ويوفر لها مجالًا لطلب دعم مالي وعسكري واستخباراتي من الخليج لتثبيت الحدود بدل أن تُترك وحيدة في مواجهة الفوضى الغربية والهندية معًا.
وعلى الرغم من كل ما سبق، فإن الحديث عن محور دفاعي متكامل أو عن “ناتو إسلامي” ما يزال سابقًا لأوانه، بل أقرب إلى توصيفٍ جنيني لمسارٍ قيد التشكل، أكثر منه تحالفًا صلبًا مكتمل الأركان. فالتنسيق القائم حتى الآن لم تكتمل خطواته، وهو يبدو مرنًا، انتقائيًا، وقابلًا لإعادة الضبط بحسب تطورات البيئة الدولية والإقليمية، وليس التزامًا دفاعيًا تلقائيًا على غرار الأحلاف الكلاسيكية. ويواجه هذا المسار تحديات بنيوية حقيقية، في مقدمتها التناقضات الداخلية بين أطرافه؛ إذ تختلف أولويات تركيا التوسعية الأمنية عن مقاربة السعودية الحذِرة التي لا تزال تحرص على إبقاء قنواتها مع واشنطن مفتوحة، فيما تحكم السياسة الباكستانية اعتبارات داخلية معقدة مرتبطة بالهند، والاقتصاد، وبنية الدولة العسكرية-المدنية. كما أن تباين المواقف من إسرائيل، وحدود الانخراط في الصراعات الإقليمية، وطبيعة العلاقة مع إيران، كلها عوامل قد تُقيّد تحول هذا التقارب إلى تحالف مؤسسي مُلزِم. وعليه، فإن القيمة الفعلية لهذا الإطار، في مرحلته الراهنة، تكمن أقل في كونه نواة بديلة للمنظومات الأمنية الغربية، أو أكثر في كونه أداة ضغط تفاوضية، ومنصة تنسيق سياسي-أمني إن حصلت، ومحاولة لإعادة تعريف موقع الدول الثلاث داخل نظام إقليمي متحوّل.
(*) الصورة الرئيسية من رسم شات جي بي تي
