إيران وأميركا وإسرائيل: صراع بلا حسم في زمن التوازنات المعقّدة

لم تعد الحروب في الشرق الأوسط تُقاس بنتائج المعارك، بل بقدرة الأطراف على إدارة ما بعدها. فالجولات العسكرية الأخيرة، وربما هي الأكثر اتساعاً منذ الحرب العالمية الثانية، لم تُنتج منتصراً واضحاً، لكنها كشفت تحوّلاً أعمق: انتقال الصراع من منطق الحسم إلى منطق التحكم بالتعقيد (نموذج اغلاق مضيق هرمز) في هذا السياق، لا تبدو المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل مجرّد صراع قوى، بل اختباراً لقدرة كل طرف على التكيّف مع بيئة تتداخل فيها التكنولوجيا بالسياسة، والاقتصاد بالأمن، والطاقة بالمعابر، في معادلة تتجاوز الحسابات التقليدية للحروب.

تعاملت طهران مع الجولة الأولى من الحرب في حزيران/يونيو 2025 بوصفها اختباراً وجودياً كشفت الكثير من الثغرات بقدر ما أبرزت مكامن القوة، ما دفعها إلى تسريع غير مسبوق في برامج التحديث العسكري والتكنولوجي، ضمن رؤية تعتبر أن الصراع لم يعد يُحسم بالقدرات التقليدية، بل بالسيطرة على الفضاءات غير المرئية، من الاتصالات إلى الفضاء السيبراني وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، لم يكن تعطيل بعض منظومات الإنترنت الفضائي في الجولة الثانية من الحرب (28 شباط/فبراير 2026) إجراءً تقنياً محدوداً، بل رسالة استراتيجية مفادها أن إيران باتت قادرة على تحييد أدوات التأثير الخارجي التي كانت تُستخدم لاختراق مجتمعها، وأنها انتقلت من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة في إدارة الحرب الناعمة.

وما جرى في الداخل الإيراني إثر الضربات التي استهدفت قمة الهرم القيادي (المرشد السيد علي الخامنئي ونحو 50 شخصية قيادية) شكّل اختباراً أكثر خطورة، حيث كان الرهان الخارجي يقوم على إحداث صدمة تؤدي إلى تفكك تدريجي في بنية النظام خلال أيام قليلة. غير أن ما حدث جاء معاكساً، إذ أظهرت البنية الإيرانية طبيعة مركّبة تقوم على توزيع وظيفي للسلطة بين مستويات متعددة، دينية وأمنية وسياسية، بحيث لا يؤدي استهداف رأس الهرم إلى شلل شامل، بل إلى إعادة تموضع سريعة تضمن استمرارية القرار وفق صيغة قائمة على لامركزيو مفرطة. هذه الخاصية البنيوية تعود إلى تجربة تاريخية طويلة في إدارة الأزمات، ما جعل النظام أكثر تكيفاً مع الضربات الخارجية وأقل قابلية للانهيار المفاجئ.

في المقلب الأميركي، تعكس مقاربة إدارة الرئيس دونالد ترامب تحوّلاً لافتاً للانتباه في فهم حدود القوة. فالامتناع عن طلب تفويض جديد للحرب من الكونغرس يعكس إدراكاً متزايداً بأن كلفة الانخراط في حرب مفتوحة مع إيران تتجاوز أي مكاسب محتملة. وتُظهر التقديرات الاقتصادية أن أي مواجهة ممتدة ستنعكس مباشرة على الداخل الأميركي في ظل تضخم الدين العام وضغوط الأسواق ولا سيما لجهة ارتفاع سعر غالون البنزين، فيما تؤكد تقارير استراتيجية أن قدرات الردع الإيرانية، المعلنة وغير المعلنة، باتت تشكل عامل غموض مقلق يحدّ من قدرة واشنطن على تقدير نتائج أي تصعيد. ويكتسب هذا العامل أهمية إضافية في ظل بيئة داخلية أميركية تميل إلى رفض الحروب الخارجية، ما يفرض على صانع القرار إعادة حساباته ضمن معادلة تجمع بين الردع وتجنب الانزلاق إلى حرب غير مقيّدة.

ومن الواضح أن الرهان الأميركي على إحداث تغيير داخلي في إيران استند إلى مقاربة غير دقيقة ومعلومات خاطئة، حيث جرى افتراض أن الضغط الاقتصادي والعسكري يمكن أن يؤدي إلى انقسام داخل النخبة الحاكمة، على غرار ما حصل في فنزويلا، غير أن الواقع الإيراني أظهر أن النظام لا يقوم على طبقة واحدة قابلة للكسر، بل على شبكة من الطبقات المتداخلة التي تمتلك كل منها أدواتها في إدارة السلطة. هذه البنية تسمح بامتصاص الضربات عبر إعادة توزيع الأدوار بسرعة، ما يجعل فكرة الانهيار الشامل أقرب إلى فرضية نظرية منها إلى احتمال عملي في المدى المنظور.

في إسرائيل، يسعى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى تحقيق إنجاز سياسي يعيد تثبيت موقعه الداخلي ويخفف الضغط المتزايد، مع تركيز خاص على الجبهة اللبنانية بوصفها ساحة قابلة لتحقيق اختراقات محدودة. غير أن هذا التوجه يصطدم بتحولات إقليمية واضحة، حيث برز دور عربي فاعل في رسم حدود اللعبة، إذ تشير المعطيات إلى أن السعودية تدخلت لبانياً تحت سقف يضمن التهدئة الداخلية، ولا يصل إلى حد السلام الشامل (المفاوضات مع إسرائيل) ولا ينحدر إلى فوضى مفتوحة.

وتزداد تعقيدات المشهد مع ارتفاع احتمالات التوصل إلى اتفاق أميركي إيراني، ذلك أنه مهما كان شكله، سيعيد توزيع عناصر القوة في المنطقة بطريقة قد تضعف موقع إسرائيل الاستراتيجي. فالاتفاق المحتمل قد يمنح إيران اعترافاً ضمنياً بدورها الإقليمي ويخفف الضغوط الاقتصادية عنها، ما يُعزّز قدرتها على تثبيت نفوذها. ومن هنا، ترى مصادر سياسية أن إسرائيل تجد نفسها أمام معادلة صعبة: نجاح الاتفاق يحدّ من قدرتها على الحركة، وفشله يُبقي المنطقة في حالة توتر دائم قابلة للانفجار، خصوصاً على الساحة اللبنانية.

وفي بعد أعمق، تشير دراسات غربية إلى تحوّل تدريجي في موقع إسرائيل داخل البيئة الدولية، حيث لم تعد تحظى بالإجماع التقليدي نفسه، حتى داخل الأوساط الداعمة لها تاريخياً. وينعكس هذا التراجع على النقاش الداخلي مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وتشير المعطيات إلى أن احتمال فوز اليمين في إسرائيل في الانتخابات المقبلة يبقى مرتفعًا نسبيًا، في ظل تماسك قاعدته الاجتماعية وقدرته على التحشيد مقارنة بتشتت معسكري الوسط والمعارضة. إلا أن الأهم من نتيجة الفوز بحد ذاتها هو الاتجاه العام، إذ يبدو أن المناخ اليميني آخذ في الترسخ بغضّ النظر عن هوية الحكومة المقبلة، مدفوعًا بعوامل أمنية متصاعدة وتحولات ديموغرافية تعزز حضور التيارات الدينية–القومية، فضلاً عن انزياح الخطاب السياسي برمّته نحو مواقف أكثر تشددًا. وفي هذا السياق، يبقى بنيامين نتنياهو لاعبًا محوريًا، لكن عودته المحتملة ترتبط بائتلاف أكثر يمينية، ما يعني تضييق هامش المناورة السياسية وتعزيز الخيارات الصدامية، بحيث لا يعود السؤال الفعلي من يفوز في الانتخابات، بل كيف بات اليمين يشكّل الإطار العام الذي تتحرك ضمنه السياسة الإسرائيلية في المرحلة المقبلة.

إقرأ على موقع 180  حرب تموز اقتصادية... ما هي خيارات "حزب الله"؟

وفي هذا السياق، تحذر مصادر دبلوماسية من أن استمرار النهج اليميني الحالي قد يوسّع دائرة الاشتباك لتشمل قوى إقليمية صاعدة، مع تصاعد الخطاب العدائي تجاه دول محورية، ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً من الصراع.

بناءً على ما تقدّم، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو حرب كبرى بقدر ما تدخل في مرحلة صراع مفتوح منخفض الحدة وعالي التأثير. فالمعادلة لم تعد قائمة على من يملك القوة الأكبر، بل على من يجيد إدارتها ضمن بيئة معقّدة ومتعددة المستويات. وفي ظل نظام دولي يتجه نحو تعددية مرنة، يصبح الحسم أقل احتمالاً، فيما تتحول القدرة على التكيّف وامتصاص الصدمات إلى العامل الحاسم في رسم توازنات المرحلة المقبلة.

Print Friendly, PDF & Email
داود رمال

صحافي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  ميقاتي عندما يُرضي "المحور" ولا يُغضب.. أمريكا!