ترامب يُعيد إحياء الورقة السورية في لبنان

في مقابلة أثارت موجات واسعة من التساؤلات والتأويلات، تحدّث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن "ضوء أخضر" قد يمنحه للسلطة الانتقالية السورية للتدخل في لبنان، مشيراً إلى أنها ستتعامل مع ملف حزب الله بطريقة مختلفة، أكثر دقة وأقل ميلاً إلى الهدم. وأضاف أنه "يعلم أن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع يرغب بذلك". وجاء التصريح مقروناً بهدية سياسية لدمشق، تمثلت في مطالبة ترامب الكونغرس الأميركي برفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

غير أن هذا الموقف، الذي يبدو في ظاهره داعماً للسلطة السورية، ينطوي على تناقض واضح مع حاجتها الملحّة إلى تثبيت الاستقرار الداخلي واستقطاب الاستثمارات. فكيف يمكن لمستثمر محلي أو أجنبي أن يغامر بأمواله في بلد يُطرح اسمه في سياق حرب إقليمية جديدة مجهولة النتائج؟ ولعل هذا ما يفسر المسارعة السورية إلى نفي أي نية للتدخل في لبنان.

ولفهم أبعاد تصريحات ترامب، لا بد من قراءة مستوياتها المختلفة. الرسالة الأولى موجهة إلى الرأي العام الأميركي والعالمي، الذي بات أكثر صدمة من حجم الدمار الذي تلحقه إسرائيل بقرى جنوب لبنان، وهو دمار يوازي ما شهدته غزة، بل يتجاوز ما عرفه الجنوب اللبناني حتى خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته. وقد ترافق ذلك مع تهجير واسع للسكان، وتهديدات إسرائيلية صريحة بفرض سيادتها على الجنوب باعتباره “منطقة آمنة”، فيما يذهب بعض المسؤولين الإسرائيليين إلى التلويح بتوسعات إضافية، بينما يسعى آخرون إلى فرض وصاية سياسية كاملة على الدولة اللبنانية عبر مفاوضات غير متكافئة.

أما الرسالة الثانية، فهي موجهة إلى تل أبيب، وبنيامين نتنياهو تحديداً، ومضمونها أن الولايات المتحدة ليست مستعدة لتوفير غطاء مفتوح لتدمير لبنان أو لتمدد إسرائيلي غير محدود تحت عنوان القضاء على حزب الله. والأهم أن ترامب يريد التأكيد أن إدارة إعادة رسم خرائط المنطقة، بما فيها الملف الإيراني وتداعياته، هي شأن أميركي أولاً، لا إسرائيلي. وقد عكس السجال العلني غير المسبوق بين نائب الرئيس جي دي فانس ومسؤولين إسرائيليين حجم هذا التباين.

وتأتي الرسالة الثالثة لتستهدف بيروت مباشرة: إما القبول باتفاق سلام وتعاون مع إسرائيل وفق الرؤية الأميركية، وإما إبقاء احتمال عودة التدخل السوري إلى لبنان قائماً. وكان المبعوث الأميركي توم براك قد مهد لهذا الطرح عندما ألمح إلى احتمال إعادة رسم الجغرافيا السياسية للبنان.

تكشف هذه التصريحات عن استراتيجية أميركية طويلة الأمد لا تستهدف إيران وحدها، بل إعادة هندسة التوازنات الإقليمية برمتها. فهي تقوم على الجمع بين الضغط العسكري والدبلوماسي بهدف احتواء إيران، وإضعاف أذرعها الإقليمية، وإعادة توزيع مراكز النفوذ في الشرق الأوسط. ولا يخفي ترامب طموحه إلى لعب دور المهندس السياسي للمنطقة، فهو يتحدث عن دوره في تشكيل الحكومة العراقية، ويقود المفاوضات بين بيروت وتل أبيب، ويرى نفسه شريكاً أساسياً في صعود السلطة الجديدة في دمشق، على الرغم من التحفظات الإسرائيلية عليها، التي ترتبط بحسابات تتعلق بإبقاء الباب مفتوحاً أمام التوسع في الأراضي السورية متى سنحت الفرصة.

تصريحات الرئيس الأميركي تتجاوز دمشق إلى رسم توازنات إقليمية جديدة، فيما تبدو الرسائل موجهة في آن واحد إلى بيروت وتل أبيب وطهران، وسط رفض سوري وشعبي لاحتمال العودة إلى منطق الحروب

وفي هذا السياق، يسعى ترامب إلى إقامة توازن جديد بين النفوذ الإسرائيلي والنفوذ التركي المتنامي في سوريا ولبنان. فأي تدخل سوري محتمل في لبنان لن يكون ممكناً من دون موافقة تركية صريحة، الأمر الذي يجعل أنقرة شريكاً أساسياً في أي ترتيبات إقليمية مقبلة. كما أن نجاح مثل هذا السيناريو يتطلب تحييد الفصائل الشيعية العراقية أو استنزافها بعيداً عن الساحتين السورية واللبنانية، وهو ما توحي به بعض التطورات الجارية.

ومن الناحية الجغرافية، يمثل شمال لبنان، ولا سيما عكار ثم طرابلس، المدخل الأسهل لأي تحرك سوري محتمل، نظراً إلى البيئة الاجتماعية والسياسية الأكثر تقبلاً للسلطة الجديدة في دمشق. ويستدعي هذا المشهد إلى الأذهان عام 1976، حين بدأ التدخل العسكري السوري في لبنان عبر “جيش التحرير الفلسطيني”. إلا أن البقاع يبقى، من الناحية العسكرية، الهدف الأكثر أهمية، نظراً إلى صعوبة وصول القوات الإسرائيلية إليه مقارنة بجبهة الجنوب.

ولا يمكن إغفال البعد الأيديولوجي للصراع. فقد خلفت الحربان العراقية والسورية عداءً عميقاً بين الفصائل التي تشكل اليوم نواة الجيش السوري الجديد وبين حزب الله، كما كرست قطيعة واسعة بين التيارين الجهاديين السني والشيعي. وإلى جانب ذلك، ما تزال الانقسامات اللبنانية الداخلية تدفع مختلف القوى إلى الاستقواء بالخارج في مواجهة خصومها، فيما شهدت صورة الجهادية السنية قدراً من إعادة التأهيل السياسي، في حين بقيت الجهادية الشيعية موضع شيطنة متواصلة.

أما ما بعد أي مواجهة محتملة، فيرتبط مباشرة بشكل الدولة اللبنانية التي قد تنبثق عنها. ومن المؤشرات اللافتة للانتباه في هذا السياق تراجع الدور التقليدي لتيار المستقبل بزعامة سعد الحريري، وهو ما ظهر بوضوح خلال زيارة وزير الخارجية السوري الانتقالي اسعد الشيباني إلى بيروت، حيث غاب أي لقاء مع شخصيات تمثل هذه الزعامة التاريخية، برغم الطابع التطميني للزيارة.

إقرأ على موقع 180  الإعتقالات السياسية في تركيا.. أرقام قياسية

وفي خضم هذه التطورات، توجه الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى واشنطن للتفاوض في ظروف شديدة الحساسية. فالاتفاق الإطاري الذي وقع الشهر الماضي لا يحظى بإجماع وطني، وتعارضه قوى سياسية وطائفية وازنة، فيما تؤدي الانقسامات الداخلية المتواصلة إلى إضعاف الموقف اللبناني في لحظة يفترض أن تتطلب أعلى درجات التماسك الوطني.

وفي المقابل، تستعد سوريا لاستقبال الأمين العام للأمم المتحدة، فيما لا تزال عملية إعادة بناء الدولة في بداياتها. فالاستقرار الأمني والاجتماعي لم يترسخ بعد، وبناء مؤسسات قادرة على فرض القانون وتحقيق العدالة وترسيخ المساواة ما يزال يحتاج إلى سنوات من العمل المضني.

ومع ذلك، ثمة حقيقة يصعب تجاهلها. فبعد أربعة عشر عاماً من الحرب، تكوّن داخل المجتمع السوري، على اختلاف انتماءاته، شبه إجماع على رفض العودة إلى دوامة الصراع، كما يرفض الانجرار إلى حرب جديدة مع الجوار، وفي مقدمته لبنان. وهذه الإرادة تكاد تتقاطع مع المزاج اللبناني الذي أنهكته الحروب والتدخلات الخارجية. وربما تكون هذه الإرادة الشعبية المشتركة، في البلدين، هي العقبة الأكثر صلابة أمام أي محاولة لإعادة إنتاج الحروب، مهما تعددت “الأضواء الخضر” وتبدلت الجهات التي تمنحها.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
سمير العيطة

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية؛ رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  عون وعبد المهدي.. وبلاد ما بين القصرين