“على مدى العقود الثلاثة والنصف الماضية، كان الهدف الرئيسي للولايات المتحدة إدماج حلفائها المتباينين في نظام إقليمي يقوم على حماية إسرائيل واحتواء إيران والعراق في البداية، ثم إيران وحلفائها، أو ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، لاحقاً.
لم تكن الحرب التي شنها الرئيس دونالد ترامب على إيران خروجاً على هذه الاستراتيجية، بل دفعت بها إلى منتهاها المنطقي: القضاء على التهديد الإيراني بالقوة، وبضربة واحدة. وكما فعل القادة الأميركيون قبل غزو العراق عام 2003، وكما فعلت إسرائيل في حروبها المتكررة ضد حزب الله وحركة حماس، بالغ مهندسو حرب إيران في تقدير ما يمكن للقوة العسكرية تحقيقه، وقللوا من قدرة الخصوم على التكيف، وافترضوا انصياع الحلفاء، وتعاملوا باستخفاف مع الكلفة البشرية التي ستدفعها المجتمعات المدنية. وهكذا تحولت مغامرة ترامب في إيران إلى تجسيد للخلل المتأصل في الاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط.
للوهلة الأولى، وفي ظل حرب لم تُحسم وإيران خرجت منها بنفوذ أكبر، قد يبدو أن حلفاء واشنطن، ولا سيما دول الخليج، سيلجأون إلى زيادة مشترياتهم من الأسلحة والمطالبة بضمانات أمنية أميركية إضافية. وقد يوحي ذلك باستمرار الوضع القائم، وكأن حرب إيران لم تُحدث تغييراً جوهرياً في شبكة التحالفات التي يقوم عليها النظام الإقليمي بقيادة الولايات المتحدة.
لكن حتى لو حدث ذلك، فإنه لا يعني أن نظاماً جديداً لن يبدأ بالتبلور. اليوم تعود إلى الأذهان أزمة السويس عام 1956 باعتبارها لحظة الاحتضار الأخير للنفوذ الإمبراطوري البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط. صحيح أن الهيمنة الأميركية لن تختفي بين عشية وضحاها، لكن الشكوك التي تراكمت على مدى سنوات بشأن القوة الأميركية والغايات التي تُستخدم من أجلها تجاوزت نقطة تحول حاسمة. فقد غيرت الحرب على إيران، وقبلها الحرب الإسرائيلية على غزة، حسابات حلفاء الولايات المتحدة وخصومها على السواء. ولن يكون في مقدور جولة جديدة من القتال، أو وصول رئيس أميركي مختلف إلى السلطة، رأب هذا الصدع بسهولة.
تنذر السنوات المقبلة بمزيد من الاضطرابات والصدامات. فإسرائيل لها مصلحة في إبقاء الشرق الأوسط غارقاً في الفوضى والعنف، وهي تسعى بالفعل إلى توسيع نطاق سيطرتها الإقليمية، بما في ذلك عبر ضم أكبر مساحة ممكنة من فلسطين التاريخية، وفرض وجودها بالقوة على أجزاء واسعة من لبنان وسوريا، فيما لا تملك الولايات المتحدة سوى أدوات محدودة لكبحها.
أما إيران، وبافتراض أن نظامها لن ينهار في المدى المنظور ـ وهو احتمال يبدو مستبعداً للغاية ـ فستخرج أكثر جرأة، وستسعى إلى حماية نفوذها الإقليمي وتوسيعه من خلال جر واشنطن إلى صراعات «المنطقة الرمادية» المفتوحة، التي لا تبدأ بحرب شاملة ولا تنتهي بتسوية واضحة، وهي ساحة لطالما أجاد الإيرانيون العمل فيها.
ومع أن الظروف الراهنة ليست مثالية، في ظل شعور كثير من حكومات المنطقة وشعوبها بالغضب نتيجة جرها إلى كارثة الحرب مع إيران، فإن ثمة فرصة أمام الولايات المتحدة لإقامة علاقات أكثر توازناً في الشرق الأوسط، يمكن أن تفضي في نهاية المطاف إلى الاستقرار المستدام الذي طالما ادعت واشنطن أنها تسعى إليه. لكن ذلك يتطلب التخلي عن الاستراتيجية القديمة: دعم الحكام المستبدين، وتحصين الحلفاء من المساءلة، واحتواء الخصوم بالقوة العسكرية.
تشققات في الأساس
عندما اندلعت انتفاضات «الربيع العربي» بسرعة مذهلة، أدركت الحكومات العربية أن التهديد الداخلي يمكن أن ينشأ من أي مكان، بل ومن خارج حدودها. وحين شاهدت سقوط حسني مبارك في مصر عام 2011، استنتجت أنها لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة لإنقاذها من التحديات الداخلية، وأن عليها، إذا أرادت ضمان بقائها في السلطة، أن تتولى بنفسها مواجهة مصادر الخطر واحتواءها.
غير أن التدخلات الأميركية المتكررة أفضت بدورها إلى نتائج مدمرة، وأسهمت في نهاية المطاف في انقلاب عسكري في مصر واندلاع عدد من الحروب الأهلية العربية.
في المقابل، تعاملت إيران مع «العدو الخارجي» باعتباره حقيقة دائمة، وبنت استراتيجية بقائها على هذا الأساس. ومع حرمانها من التكنولوجيا العسكرية الأميركية والأوروبية، استثمرت في الإنتاج العسكري منخفض الكلفة، وطورت طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية رخيصة نسبياً، قادرة على تحدي أنظمة خصومها المتطورة تكنولوجياً والباهظة الكلفة، كما أسهمت على مدى عقود في إنشاء شبكة «محور المقاومة» وتوسيعها.
أما إسرائيل، فحظيت بأقوى الضمانات الأمنية الأميركية. وقد مكّنها التفوق العسكري والثقة بالدعم الأميركي من إعطاء الأولوية للحفاظ على ائتلافاتها الحاكمة ومواجهة التهديدات السياسية الداخلية، بدلاً من معالجة القضية الفلسطينية بجدية أو خفض مستوى عدم الاستقرار الإقليمي. وعندما حطمت هجمات «طوفان الأقصى» هذا الاطمئنان، كان الرد الإسرائيلي تصعيداً عسكرياً شاملاً.
ويعود جزء من قدرة النظام الذي تقوده الولايات المتحدة على الاستمرار كل هذه المدة إلى أن ترتيباته الأمنية لم تتعرض لاختبار حقيقي. فقد اشتكى قادة المنطقة مراراً من احتمال تخلي واشنطن عنهم، لكنهم لم يتصرفوا كما لو أن هذا الاحتمال بات واقعياً.
ولسنوات طويلة، لم تكن الحرب المباشرة بين الدول تشكل تهديداً جدياً. كانت الاعتداءات الإسرائيلية على غزة ولبنان تتكرر منذ عقود، لكن أياً من الدول العربية الحليفة للولايات المتحدة لم يكن يعتقد جدياً أنه قد يتعرض لهجوم إسرائيلي، ولا حتى لهجوم إيراني مباشر، وهو مصدر القلق الأكبر لديها. أما الهجمات غير المباشرة التي نفذتها قوى محسوبة على محور المقاومة، فلم تفعل سوى ترسيخ الاعتقاد بأن التفوق العسكري الأميركي ساحق إلى حد يجعل تحديه من جانب إيران أمراً غير واقعي.
بدأت هذه الثقة تهتز عام 2019، عندما لم ترد الولايات المتحدة على الهجوم الذي استهدف منشآت نفطية سعودية ونُسب إلى إيران. ثم اهتزت مجدداً عام 2022، عندما استهدفت هجمات بطائرات مسيّرة نفذها الحوثيون الإمارات.
في الوقت نفسه، كانت واشنطن تسعى إلى إضفاء طابع مؤسسي على نظامها الإقليمي من خلال إقامة تعاون عسكري وسياسي معلن بين حلفائها العرب وإسرائيل. ولم يكن هذا الهدف جديداً؛ فمنذ عام 1991، كان إنشاء اصطفاف إقليمي تقوده الولايات المتحدة في مواجهة إيران هدفاً مشتركاً للإدارات الأميركية المتعاقبة.
لكن ترامب اختلف عن أسلافه في أنه دفع هذا المسار قدماً من دون ربط التطبيع العربي ـ الإسرائيلي بأي تقدم في القضية الفلسطينية، ونجح في دفع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب إلى توقيع «اتفاقيات أبراهام».
وعندما حاولت إدارة جو بايدن لاحقاً إقناع السعودية بالانضمام إليها، أخطأت في تقدير أهمية القضية الفلسطينية لدى الرأي العام السعودي، كما أخطأت في تقدير حدة التنافس المتصاعد بين الرياض وأبوظبي، وأخفقت في إدراك تنامي الرفض الشعبي للتطبيع أو استشراف الكارثة الوشيكة في غزة.
ضربة مزدوجة
سبق للنظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة أن تعرض لهزات كبرى، ولا سيما بعد غزو العراق الكارثي عام 2003 وانتفاضات «الربيع العربي»، لكنه كان يعيد إنتاج نفسه في كل مرة. وكان صانعو السياسة الأميركيون أسرى للبنية التي أنشأوها بقدر ما كانت القوى الإقليمية المنخرطة فيها أسيرة لها. فمنذ عهد بيل كلينتون، تولى كل رئيس أميركي منصبه متعهداً بتقليص انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ثم وجد نفسه منجراً إلى السياسات والحروب نفسها.
وقد تبدو الأزمة المزدوجة، المتمثلة في تدمير إسرائيل لغزة والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، مجرد حلقة جديدة في هذه الدورة. لكن الحدثين، مجتمعين، وجها ضربة قاصمة إلى النظام الذي تقوده الولايات المتحدة.
فالدعم الأميركي لحرب إسرائيل على غزة بدد ما تبقى لواشنطن من رصيد أخلاقي في المنطقة. أما إخفاق ترامب في إيران، فقد حطم وهم القدرة العسكرية الأميركية المطلقة. وأظهر الحدثان للدول العربية معاً أنها لا تملك نفوذاً حقيقياً داخل النظام الإقليمي، وأن قيمة الضمانات الأمنية الأميركية آخذة في التراجع.
وإذا كانت حرب غزة قد أثارت الشك في مستقبل القيادة الإقليمية الأميركية، فإن الحرب على إيران عمقت هذا الشك إلى حد يصعب الرجوع عنه. فقد غضب قادة الخليج لأن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا الحرب من دون التشاور معهم، رغم علمهما بمعارضتهم لها، وفي وقت كانت سلطنة عُمان تتوسط في مفاوضات مع إيران. لقد وجدوا أنفسهم في حرب لم يكن لهم رأي في قرارها، لكنها عرّضتهم مباشرة للانتقام الإيراني، وألحقت الضرر بمصالحهم، وقوضت صورة الاستقرار التي يقوم عليها النموذج الاقتصادي والاجتماعي الخليجي.
لكن الصدمة الخليجية لم تكن ناجمة فقط عن تجاهل واشنطن مواقف حلفائها؛ بل عن انكشاف حدود قدرتها أيضاً. فقد أخفقت الحملة الأميركية ـ الإسرائيلية في إسقاط النظام الإيراني أو إزاحته من السلطة، ثم وقفت واشنطن عاجزة بينما استخدمت إيران مضيق هرمز لتهديد الاقتصاد الخليجي بأسره.
وأدى ذلك إلى مزيد من تآكل الثقة الخليجية بالولايات المتحدة. فالضمانات الأمنية الأميركية، وهي جوهر الترتيب الإقليمي القديم، لم تعد تبدو موثوقة كما كانت. وإذا كانت أحداث 2011 قد أوضحت أن واشنطن لا تستطيع حماية حلفائها من التحديات الداخلية، فإن الحرب الأخيرة أثارت سؤالاً أكثر جوهرية: إذا لم يكن ممكناً الاعتماد على الولايات المتحدة حتى في التشاور مع حلفائها، أو هزيمة خصومها، أو حماية شركائها من تبعات مغامراتها، فما قيمة ضماناتها؟
وزاد إصرار واشنطن على دفع الدول العربية إلى التعاون مع إسرائيل من تعقيد المشهد. فقد واصلت الإمارات تعاونها مع إسرائيل خلال الحرب على غزة، وفي وقت كانت إسرائيل تشن ضربات في العراق ولبنان وسوريا واليمن وحتى قطر. وخلال الحرب على إيران، نسقت أبوظبي مع إسرائيل والولايات المتحدة في ضرب أهداف إيرانية، وفقاً لما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال».
وكانت السعودية تتابع هذا التعاون الإماراتي ـ الإسرائيلي بقلق، وترى فيه تهديداً لدورها القيادي في المنطقة. فالرياض وأبوظبي كانتا تختلفان أصلاً بشأن سوريا؛ إذ دعمت السعودية نظام ما بعد بشار الأسد، بينما اقترب الموقف الإماراتي من موقف إسرائيل المعادي له. وهما تختلفان أيضاً بشأن اليمن، حيث تتهم السعودية الإمارات بدعم حركات انفصالية تقوض الاستقرار. وأسهم هذا التنافس في إحباط مساعي واشنطن إلى حشد القوى الكبرى في المنطقة خلف حملتها ضد إيران.
هذه المرة مختلفة
أصبح من الشائع تشبيه الحرب على إيران بلحظة السويس عام 1956 بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وثمة بالفعل أوجه شبه بين الأزمة الراهنة والمخطط البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي الفاشل للسيطرة على قناة السويس، الذي انتهى بانتصار سياسي باهر للرئيس المصري جمال عبد الناصر. وأصبحت السويس لاحقاً رمزاً لانهيار الإمبراطوريات الأوروبية وانتقال النظام الدولي نحو الثنائية القطبية التي حكمت الحرب الباردة.
ستحتاج الآثار الكاملة للكارثة الأميركية في إيران إلى وقت حتى تتبلور. وعلى المدى القصير، لن ينهار النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة أو يختفي. وقد تتخلى واشنطن عن بعض القواعد العسكرية التي تعرضت للدمار، لكنها ستظل لاعباً رئيسياً في الدفاع الإقليمي. كما أن دول الخليج لن تنفصل على الأرجح عن الولايات المتحدة قريباً. بل ربما يدفعها خوفها من المستقبل وغياب بدائل واضحة إلى السعي لتعزيز بعض روابطها بواشنطن.
لكن هذا لا يلغي الاتجاه الأعمق. فواشنطن ستظل ميالة إلى التمسك بالسياسات التي حكمت مقاربتها للشرق الأوسط طوال عقود، مستندة إلى علاقاتها مع القادة والمؤسسات التي تشكلت داخل النظام الذي أنشأته. وإذا تمسك القادة الأميركيون بالمسار نفسه، فعليهم توقع النتيجة نفسها: منطقة تعاني عدم استقرار مزمن، وفشلاً اقتصادياً وسياسياً، وانفجارات متكررة من العنف. وقد لا تنخرط القوات الأميركية مباشرة في كل أزمة، لكن الفوضى ستستهلك مزيداً من الموارد من دون إنتاج استقرار دائم.
وقد تبدو هذه النتيجة مقبولة لصناع السياسة الأميركيين الذين اعتادوا إدارة الأزمات والحفاظ على علاقات مع شركاء يصعب ضبط سلوكهم. لكن الولايات المتحدة لا تستطيع منع الانتقال إلى نظام إقليمي جديد بمجرد التصرف كما لو أن شيئاً لم يتغير.
فالحلفاء العرب الذين فقدوا جزءاً كبيراً من ثقتهم بواشنطن سيصبحون أكثر ميلاً إلى ممارسة الاستقلالية في سياساتهم الخارجية. وقد يعني ذلك توسيع الاتصالات الدبلوماسية مع إيران، وتعميق العلاقات مع الصين وروسيا، حتى عندما يتعارض ذلك مع الرغبات الأميركية.
وبرغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بإيران نتيجة الحرب، فإن النظام ما زال قائماً، ونفوذه الإقليمي ازداد، وأثبت قدرته على التأثير الفعلي في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وعلى ضرب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. كما أن الانتكاسات التي تعرض لها بعض حلفائه، مثل حزب الله، لن تقضي بالضرورة على قدرته على إعادة بناء نفوذه. وقد يؤدي الضغط الأميركي على الحكومتين العراقية واللبنانية لنزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران وحزب الله قبل توافر الشروط الداخلية لذلك إلى إشعال صراعات جديدة قد تكون فيها الكفة راجحة لمصلحة حلفاء طهران.
وبدلاً من الاعتماد حصراً على الحماية الأميركية، قد تسعى دول خليجية إلى إبرام تفاهمات منفصلة مع إيران لتجنب استهدافها. كما يُرجح أن تدور السياسة الإقليمية بصورة متزايدة حول منافسة محتدمة على النفوذ والريادة، ولا سيما بين السعودية والإمارات.
وقبل اندلاع الحرب مع إيران في نهاية فبراير/شباط، كانت الرياض قد بدأت بالفعل في بلورة اصطفاف يضم مصر وباكستان وقطر وتركيا، في مواجهة محور إماراتي ـ إسرائيلي يحظى بدعم واشنطن. ومن المرجح أن يعود هذا التنافس بعد انحسار القتال، وأن يمتد تأثيره إلى دول تعاني أصلاً أزمات داخلية حادة، مولداً سلسلة جديدة من الصراعات التي ستجد واشنطن، المنشغلة بملفات عالمية أخرى، صعوبة متزايدة في إدارتها.
وفوق ذلك، ستواجه معظم الأنظمة ضغوطاً شعبية متزايدة مع انتقال تداعيات الحرب على إيران إلى اقتصادات المنطقة المتعثرة. ولن تقتصر الآثار على الدول التي تعرضت بنيتها التحتية للضربات الإيرانية. ففي مصر، على سبيل المثال، تؤدي الزيادات الحادة في أسعار الوقود والغذاء، والخسائر الكبيرة في إيرادات قناة السويس الناجمة عن اضطراب حركة الشحن العالمية، إلى تفاقم الأزمات المالية والبطالة.
وقد تفقد دول عديدة، تضررت أصلاً من خفض المساعدات الأميركية، مصدراً إضافياً من الاستثمار الخارجي في وقت تعاني فيه دول الخليج نفسها ضغوطاً اقتصادية. ومع امتزاج المظالم الداخلية بالغضب الشعبي مما يحدث في غزة، قد تنشأ بيئة قابلة لموجة احتجاجات جديدة شبيهة بانتفاضات «الربيع العربي».
الفرصة الأخيرة
قد يؤدي الانهيار العنيف للنظام الإقليمي القديم إلى تعطيل أي محاولة لإنشاء نظام جديد قابل للحياة. لكنه قد يتيح أيضاً للولايات المتحدة فرصة لإعادة النظر في التفاهمات الأساسية التي أفضت إلى النتائج الكارثية الراهنة.
ويتطلب بناء سياسة أميركية جديدة تجاه الشرق الأوسط إعادة النظر أولاً في إعطاء الأولوية للعلاقات مع الحلفاء المستبدين، مهما كان سلوكهم، باسم «البراغماتية». فعلى مدى عقود، افترضت واشنطن أنها ليست مضطرة إلى الاهتمام كثيراً بالرأي العام العربي ما دامت تستطيع الاعتماد على الحكام في قمع المعارضة.
وبالمثل، افترضت أن الاكتفاء بترديد عبارات جوفاء عن دعم حل الدولتين، فيما تواصل إسرائيل ضم الأراضي الفلسطينية تدريجياً وتتجنب مفاوضات سلام حقيقية، يكفي لإبقاء حلفائها العرب في صفها. وكانت النتيجة أن الولايات المتحدة لم تضطر قط إلى التفكير جدياً في سياسات يمكن أن تحظى بقبول شعوب المنطقة، كما أنها لم تستطع التعامل بجدية مع مسألتي الديمقراطية وحقوق الإنسان لأن استراتيجيتها كانت تعتمد عملياً على غيابهما.
لن تغير إدارة ترامب، التي لا تبدي اهتماماً كبيراً بالديمقراطية أو سيادة القانون في الداخل والخارج، هذا الواقع. ومن الصعب تصور ترامب، بتقلباته الحادة بين الاستراتيجيات، وهو يصوغ نظاماً إقليمياً جديداً متماسكاً. لكن خليفته قد يحصل على فرصة حقيقية للخروج من الوضع القائم وبناء استراتيجية أكثر اتساقاً وفاعلية.
ويبدأ ذلك بالتخلي عن التدخل العسكري بوصفه الخيار الأول، وإنهاء الدبلوماسية القائمة على الضربات الجوية. يجب أن تكون أولوية واشنطن الدفاع لا الهجوم. ومن بين السبل لإظهار هذا التحول عدم إعادة بناء بعض القواعد العسكرية الأميركية المتضررة أو المدمرة في الخليج، والتركيز بدلاً من ذلك على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز أنظمة الدفاع الصاروخي لدى الشركاء الخليجيين، والحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز.
وينبغي للولايات المتحدة أن تسعى إلى الاستقرار عبر الدبلوماسية والدفاع الجماعي، لا عبر الاحتواء العسكري. فقد كشفت كارثة إيران حدود الدعوات المتشددة إلى الحرب والوعود باتخاذ إجراءات عسكرية «حاسمة». وحان الوقت لأن تلتزم واشنطن مساراً دبلوماسياً يدمج إيران في منظومة الأمن الإقليمي بوصفها طرفاً فاعلاً، بدلاً من السعي الدائم إلى إخراجها منها. وقد تجد هذه المقاربة آذاناً صاغية في الخليج رغم الغضب من الهجمات الإيرانية الأخيرة.
ويجب أن تشمل إعادة ضبط السياسة الأميركية طريقة تعامل واشنطن مع حلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل. فالظروف الداخلية الأميركية باتت أكثر ملاءمة لمراجعة هذه العلاقة. وبحسب استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك ونُشر في يونيو/حزيران، يرى ما يقرب من ثلثي الديمقراطيين وأكثر من نصف المستقلين أن الولايات المتحدة تقدم دعماً مفرطاً لإسرائيل. وفي منتصف يوليو/تموز، صوت أكثر من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب لمصلحة مشروع قانون يدعو إلى قطع المساعدات العسكرية الأميركية عن إسرائيل.
وينبغي للإدارة المقبلة أن تستفيد من هذا التحول لممارسة نوع من الضغط على إسرائيل لطالما تجنبته الحكومات الأميركية. وليس المطلوب التخلي عن إسرائيل، بل مطالبتها باحترام حقوق الإنسان في جميع الأراضي التي تسيطر عليها، ووقف التوسع التدريجي في الضفة الغربية، وإنهاء تدخلاتها المزعزعة للاستقرار في لبنان وسوريا.
وعلى نطاق أوسع، يتطلب الاستقرار الإقليمي أن تعيد الولايات المتحدة التزامها بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وأن تعارض الحركات الانفصالية في دول مثل سوريا واليمن، وأن تردع التدخلات العسكرية والحروب بالوكالة التي يشنها شركاؤها في ساحات مثل السودان وليبيا، وأن تكف عن الضغط على الحكومتين العراقية واللبنانية لنزع سلاح الميليشيات وحزب الله قبل أن تكون الظروف السياسية والأمنية الداخلية مهيأة لذلك.
أما الاستقرار الداخلي، فيتطلب تغييراً ديمقراطياً. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يعني ذلك تشجيع الإصلاح وحماية حقوق الإنسان، وإنهاء الترتيب الضمني الذي سمح للحلفاء المستبدين بالإفلات من المساءلة عن قمعهم الداخلي. ولن يلقى هذا التوجه ترحيباً في القاهرة أو الرياض أو عواصم أخرى، لكن من الصعب إحداث تحول حقيقي في النظام الإقليمي من دون معالجة الخلل في الأنظمة التي يقوم عليها.
لن تؤدي هذه السياسات إلى إنشاء شرق أوسط مستقر ومسالِم بين عشية وضحاها. وفي البداية، لن تحظى بتأييد شعبي واسع في منطقة اعتادت على التناقض بين الخطاب الأميركي وممارساته. كما أن صعود حكومات أكثر استجابة لمجتمعاتها قد يخلق مشكلات جديدة لواشنطن، إذ سيتنافس سياسيون طموحون على انتقاد الولايات المتحدة وسياساتها.
لكن، على المدى البعيد، من المرجح أن يكون الشرق الأوسط الذي تحكمه أنظمة أكثر خضوعاً للمساءلة الشعبية، وأقل استعداداً لتنفيذ سياسات خارجية غير شعبية أو قمع المعارضة الداخلية، أكثر استقراراً من المنطقة بصورتها الراهنة.
لطالما عجزت واشنطن عن تصور شرق أوسط لا تهيمن عليه، وعن تخيل بدائل حقيقية للنظام الإقليمي الحالي مهما تراكمت إخفاقاته. لكن هذا النظام يتلاشى بالفعل، وقد تكون هذه الفرصة الأخيرة أمام القادة الأميركيين لتغيير المسار.
وإذا لم يفعلوا، فسوف يشاهدون «الشرق الأوسط الأميركي» يتلاشى، كما تلاشت قبله الإمبراطوريات الأوروبية”.
– ترجمة بتصرف عن “فورين أفيرز“.
(*) مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة “جورج واشنطن”، ومؤلف كتاب “الشرق الأوسط الأميركي: خراب منطقة“.
