مصر وتركيا في ليبيا.. تأجيل روسي للصدام؟
Demonstrators wave flags and step on posters of some world leaders as they take part in a rally against eastern Libyan strongman Khalifa Haftar and in support of the UN-recognised government of national accord (GNA) in Martyrs' Square in the GNA-held capital Tripoli on January 10, 2020. - Haftar yesterday said he would not stop military operations against forces loyal to a Tripoli administration, even as he praised a ceasefire initiative by Ankara and Moscow. Haftar's forces in April launched an offensive against the capital, seat of the GNA. Turkey supports the GNA while Russia is accused of supporting Haftar. (Photo by Mahmud TURKIA / AFP) (Photo by MAHMUD TURKIA/AFP via Getty Images)

عكست ردود الفعل التركية على انسحاب قائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر من مفاوضات التهدئة التي عقدت في موسكو قبل أيام، خيبة أمل من التوصل إلى صيغة اتفاق سياسي برعاية روسية لطرفي النزاع في ليبيا.

الاتفاق الموسكوفي بين قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر ورئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج كان يمثل فرصة ذهبية تدعمها روسيا لجعل تركيا الراعي الإقليمي لحل سياسي يرغم القوى الإقليمية والأوروبية، وعلى رأسها القاهرة وأبوظبي وباريس، على قبول أنقرة ضمن عملية إعادة محاصصة سياسية واقتصادية قد تفضي إلى تسوية لا تقتصر على الشأن الليبي، بل تتجاوزه لتشمل ملفات استراتيجية، كملف الغاز في البحر المتوسط.

التصعيد التركي في ليبيا كان قد بدأ بتوقيع اتفاقيات اقتصادية وعسكرية وترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني، وذلك بعد الخسائر التي تكبدتها الأخيرة أمام قوات المشير حفتر، التي سيطرت على مدينة سرت الليبية، وحاصرت مدينة مصراتة الاستراتيجية، ووصلت إلى ضواحي العاصمة طرابلس.

هكذا جاء التدخل التركي كطوق نجاة تمثّل في حصول السراج على دعم رسمي من أنقرة غداة مصادقة البرلمان التركي عليه، وبموجبه تقدم تركيا دعماً عسكرياً ولوجستياً لا يقتصر على التدريب والتسليح، بل يمتد – وهنا النقطة الأهم – إلى توفير غطاء سياسي من جانب تونس والجزائر، كمحاولة تدعيم إقليمي – بجانب الوساطة الروسية – للتحرك التركي الذي اعترضت عليه مصر، ومن خلفها الإمارات، وتحفظت عليه القوى الأوروبية.

منطلقات القاهرة وأنقرة في ليبيا

 اتخذت مصر ردود أفعال متنوعة تجاه التصعيد التركي الأخير، وتراوحت بين فتح حدود الدعم العسكري واللوجستي لقوات حفتر، والتلويح بالتدخل العسكري المباشر في حال بادرت تركيا بالأمر ذاته، وبين فتح مسارات دبلوماسية وسياسية في مختلف الأطر الإقليمية والدولية من منطلق الحفاظ على الأمن القومي ومقدرات مصر الاقتصادية، وعدم تحويل منطقة جنوب المتوسط إلى ساحة نزاع عسكري بين مختلف القوى الإقليمية على غرار الحرب في سوريا، خاصة بعد إشراف أنقرة على نقل آلاف من المقاتلين الموالين لها من الأراضي السورية إلى مسرح العمليات في ليبيا، والتي قدرتها مختلف المصادر بحوالي 3000 مقاتل وصلوا إلى هناك حتى الآن.

وفي وقت ترحب القاهرة بأية جهود للتهدئة في ليبيا برعاية القوى الدولية، وبموافقة القوى الإقليمية، دون انفراد إحداها بها، إلا أنها تقف مع حلفائها وبخاصة أبو ظبي للحيلولة دون التوصل إلى تسوية، أو حتى هدنة، برعاية تركية، لاسيما وأن أنقرة عمدت في تصعيدها الأخير إلى محاولة الانفراد بالملف الليبي استناداً للتوافق بينها وبين موسكو في مختلف الملفات وعلى رأسها الغاز وسوريا، وحاولت توظيف هذا في الاستئثار بالمتغير الروسي في المنطقة في ظل انكماش الدعم الأميركي.

أما على الجانب التركي، فإن ليبيا تمثل منفرجاً لأزمات داخلية وخارجية لحكومة رجب طيب اردوغان.

تكمن أهمية التصعيد الأخير كما جاء في حيثيات تصويت البرلمان التركي على التفويض العسكري بأنه يأتي لضمان حقوق تركيا البحرية

ومن ناحية تكمن أهمية التصعيد الأخير كما جاء في حيثيات تصويت البرلمان التركي على التفويض العسكري بأنه يأتي لضمان حقوق تركيا البحرية، وذلك في ظل إقصاء الأخيرة من اتفاقيات وتكتلات الغاز المتعددة بين دول شرق المتوسط، وتحديداً مصر وإسرائيل وقبرص واليونان، وذلك بغية فرض إعادة محاصصة من دون اللجوء إلى صدام بحري مباشر في شمال شرق المتوسط لوحت به أنقرة طيلة العام الماضي من دون أن تتخذ أية خطوات فعلية من شأنها تفجير الوضع، وهو ما لا ترغب به موسكو.

هذا التردد انتقدته المعارضة التركية والأصوات الناقدة لأردوغان ضمن المنظومة الحاكمة – بما في ذلك رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو – باعتباره “تفريطاً وإهمالاً” للحقوق الاقتصادية لتركيا.

من ناحية أخرى، تمثل ليبيا المسار الحتمي لآلاف المقاتلين الموالين لأنقرة في سوريا، بعد الإخفاق التركي في جعلهم ظهيراً موالياً لها في الشمال السوري، وخاصة في ظل التسويات المتعددة مع موسكو، وانتهاء الدور الوظيفي لهذه الجماعات المسلحة، وهو ما يعد أيضاً تطوراً منطقياً للدور الذي مثلته طرابلس بالنسبة إلى أنقرة كقاعدة يُستمد منها المقاتلون والسلاح من سوريا وإليها طيلة السنوات الماضية، فضلاً عن استخدامهم كورقة ضغط مع دول جنوب أوروبا ضمن إطار مشكلة اللاجئين والهجرة غير الشرعية.

تمثل ليبيا المسار الحتمي لآلاف المقاتلين الموالين لأنقرة في سوريا، بعد الإخفاق التركي في جعلهم ظهيراً موالياً لها في الشمال السوري

لكن المتغير الأهم في تصعيد تركيا الأخير، بجانب الدافع الاقتصادي وخطوط الطاقة والملاحة، هو توسيع مجالها الجيوستراتيجي إلى جنوب المتوسط وشمال أفريقيا، بعد انسداد أفقه شرقاً في آسيا، وغرباً في أوروبا، وهو ما تبنيه أنقرة على سردية ثقافية وجيوسياسية مستمدة من العهد العثماني، من خلال إعتبار ليبيا “جارة على عكس مصر” تشكل امتداد مباشراً لها من خلال إرث السلطنة العثمانية.

أما القاهرة، وأمام هذه السردية التركية، وبموجب سياسة رد الفعل والتحرك عبر أطر وتحالفات أورومتوسطية وإقليمية، فتلتزم بخطاب تقليدي مفاده الحفاظ على منطقة مستقرة تعزز من فرص التعاون الاقتصادي بين دوله، وهو ما يجعل الخطاب المصري قاصراً على ترديد مشتركات عامة وقائية، تتماهى مع حالة الانكماش وعدم الرغبة في لعب دور يتجاوز حدود مصر السياسية، بما يشمل الفعل العسكري، وهو النمط المسيطر على السياسة الخارجية المصرية بشكل عام خلال العقد الأخير.

سقف التحرك المصري- التركي في ضوء الفاعل الروسي

علاوة على المحددات الأمنية والعسكرية للدعم المصري لحفتر، والمتمثلة في تأمين الحدود الغربية لمصر، التي شكلت نقطة انطلاق للعمليات الإرهابية في العمق المصري، تفضل مصر التحرك من منطلق رد الفعل وضمن محور أو مسعى دولي أو إقليمي لاستقرار الأوضاع في ليبيا، وهو لم يتحقق بفعالية منذ العام 2014، بسبب تضارب الأولويات بين حلفاء مصر في الشرق الأوسط، وعدم التناغم في ما بينهم.

تفضل مصر التحرك من منطلق رد الفعل وضمن محور أو مسعى دولي أو إقليمي لاستقرار الأوضاع في ليبيا

وتأتي السعودية على رأس هؤلاء الحلفاء، حيث لم تشكل لها ليبيا أولوية قصوى مقارنة بالحرب في سوريا واليمن مثلاً، وهو ما ينسحب على باقي الفاعلين الدوليين سواء الأوروبيين أو الأميركيين أو الروس.

هنا يأتي التعامل المصري مع الشأن الليبي من موقع رد الفعل، وانتظار توافق أولويات الحلفاء ووجود الراعي الدولي، وهو ما جعل رد الفعل تجاه التصعيد التركي الأخير مقتصراً على التلويح بالقوة العسكرية وخاصة البحرية، وذلك عبر مناورات وتدريبات بُعثت من خلالها رسائل حول رسم حدود الدور التركي في ليبيا وسقفه، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة على الأراضي الليبية.

يأتي ذلك في وقت يتذيل فيه الشأن الليبي وجنوب المتوسط عموماً أولويات مختلف القوى الدولية والإقليمية، فيما تتماهى التوجهات المصرية مع الاعتراضات الأوروبية تجاه إشعال جنوب المتوسط ونقل الفوضى الجهادية إلى هناك من البوابة الليبية، وهو ما ترجو القاهرة أن يكون حاملاً لرؤيتها ومطوراً لها كمشتركات أورومتوسطية تجاه الشأن الليبي.

ما سبق يأتي بالتوازي مع استغلال روسيا الفراغ الأميركي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وحلولها مكانه، وهو ما عبر عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة “روسيا- أفريقيا” في أواخر تشرين الأول/أكتوبر الماضي حين اعتبر أن مصر هي مرتكز لاستراتيجية بلاده في أفريقيا، ما يتسق مع نمط التحركات الروسية على مختلف الأصعدة والملفات، وتوظيفها لحالة التنافس والصراع بين حلفاء واشنطن التقليديين لتحقيق مصالحها المتنوعة.

وفي هذا السياق، فإن موسكو تعمد إلى خلق توازن يحافظ على مصالحها مع كل من طرفي النزاع في القاهرة وأنقرة، وإن كانت تميل فيه نحو الأخيرة بحكم التلاقي السياسي والاقتصادي في ملفي الغاز وسوريا، بينما تقف الأولى في علاقاتها مع موسكو عند سقف العلاقات الثنائية، وبالذات في شقها الأمني والعسكري والاقتصادي، مُدركةً أن ما يتجاوز ذلك، حتى في ما يخص أفريقيا، يأتي بدافع الفراغ الأميركي وليس كخيار استراتيجي يستبدل واشنطن بموسكو، وهو ما تجلى مع التعامل السلبي للقاهرة مع مبادرة بوتين في تشرين الأول/أكتوبر الماضي للوساطة بينها وبين أديس أبابا في أزمة سد النهضة، وتفضيلها المعتاد لوساطة أميركية غير ناجزة.

تعمد موسكو إلى خلق توازن يحافظ على مصالحها مع كل من طرفي النزاع في القاهرة وأنقرة، وإن كانت تميل فيه نحو الأخيرة

وكمحصلة عامة، فإن الفاعل الاقتصادي، وتحديداً غاز المتوسط، يشكل محوراً أساسياً في منطلقات الفاعلين الإقليميين والدوليين في جنوب المتوسط، وعلى رأسهم مصر وتركيا وروسيا، فبجانب المنطلقات الأمنية والسياسية لهذه الدول، تشكل ليبيا، بوضعها الحالي، متغيراً لمعادلة تقاسم غاز المتوسط وخريطة الطاقة والملاحة إلى أوروبا، والتي تتلاقى فيها موسكو وأنقرة بمشاريع ضخمة آخرها “السيل التركي”.

وهنا ينظر إلى الورقة الليبية كمغير لمحاصصة غاز شرق المتوسط التي أقصيت منها أنقرة فراحت تسعى لتغييرها بشكل صدامي، حده الأدنى توظيف الصراع في ليبيا للجلوس على طاولة مفاوضات حول خريطة الطاقة في المتوسط، وحدّه الأقصى انزلاق الكباش الراهن إلى حرب طويلة الأمد على غرار ما حدث في سوريا، وبالتالي فإن تحول الاقتتال الأهلي المدعوم خارجياً إلى حرب إقليمية بالوكالة ليس في وارد القوى الدولية السماح به في الوقت الراهن، وهو الأمر الذي يشكل هامش للتحرك المصري عبر مسارات دبلوماسية وسياسية من خلال حوامل إقليمية وأوربية مشتركة مثل مؤتمر  برلين، ويضاف إلى ذلك تعويل مصر على الاعتراض الأوربي وعدم الاهتمام الأميركي والتحفظ الروسي تجاه التصعيد التركي الأخير بأن يصل إلى مرحلة الحرب طويلة الأمد.

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free