رأي Archives - Page 14 of 366 - 180Post

800-48.jpg

منذ لحظة سقوط النظام السوري في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، بدا واضحًا أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة، يُعاد فيها رسم الخرائط وتنظيم موازين القوى بما يعكس الرؤية الأميركية الإسرائيلية للشرق الأوسط، الذي ما زال يصارع للاستقرار على وقع التوحّش الإسرائيلي والقلق الإقليمي.

IMG_8220.jpeg

قبل عام، وبعد فوز دونالد ترامب بانتخابات عام 2024، نشر الأكاديميان ستيفن ليفيتسكي من جامعة هارفارد، ولوكـان واي من جامعة تورونتو الكندية، دراسة معمقة في دورية «فورين آفيرز» الشهيرة، توقّعا فيها أن تنحدر الولايات المتحدة من نظامها الديموقراطي التنافسي إلى نظام سلطوي تنافسي خلال فترة حكم ترامب الثانية. ورجّح الكاتبان أن ترامب، شأنه شأن قادة منتخبين مستبدين في مناطق أخرى من العالم، سيتحرك بسرعة لحشد مؤسسات الدولة الأمريكية، ثم استخدامها في محاولات متنوعة لإضعاف خصومه السياسيين أو ترهيبهم.

801-1.jpg

تتّسم لغة المتخاصمين في السياسة اللبنانية الداخلية راهناً/سابقاً بالحدّية. طرفان هما على النقيض تماماً، وكلّ حدثٍ يحصل يتمّ إسقاطه على سرديةٍ مكتملة هنا أو هناك تُفسَّر الوقائع من خلالها، وتحاك تباعاً عندها التحليلات. ولأنَّ طرفاً شهد هزيمةً في مشروعه وآخر العكس، فإن هذه الحدية تغدو من بنات الربح والخسارة نفسها، القديمة ـ الجديدة على المشهد اللبناني، والحائلة دون خلق - أو الناتجة من انعدام - هوية مشتركة يشعر فيها الجميع بالهم الوطنيّ الجامع.

NEW-SOURIA-..jpg

بعيدًا عن عنوان احتفالية السنة الأولى: "عام على التحرير"، فإنّ الأهم هو محاولة استشراف المستقبل السوري، من خلال قراءة أداء رئيس المرحلة الانتقالية على مدى السنة المنقضية. فقد بدا أنّ لسوريا اليوم رئيسًا يُخاطب الخارج اسمه أحمد الشرع، ورئيسًا للداخل اسمه "أبو محمد الجولاني"، والفارق بينهما أنّ الأول يلبس بدلة رسمية وربطة عنق، ويتوسّل الاعتراف الدولي والإقليمي به، فيما الثاني ما يزال يرتدي البذّة العسكرية ويعتمدها لغة لتعامله مع مكوّنات المجتمع السوري.

800-44.jpg

لم يُترك النقاش السياسي في لبنان، خلال السنوات التي أعقبت انتفاضة 2019، ليتطوّر بصورة طبيعية تعكس حجم الانهيار البنيوي الذي أصاب الدولة والمجتمع معًا، بل جرى ضبطه وتوجيهه ضمن مسارات محدّدة بعناية، هدفت إلى حماية جوهر النظام القائم وإعادة إنتاج منظومة السلطة نفسها بأدوات جديدة وخطاب مُحدَّث.

800-43.jpg

في زمنٍ صار فيه الوطن مسرحًا للجهل السياسي وللاقتراحات المستوردة على شكل "رؤى" و"مبادرات"، يخرج علينا البعض ليُخبرنا أنّ الحل بسيط: سلّموا سلاح المقاومة وانتهى الأمر. وكأنّ لبنان دولة بقدرات سويسرا، وحدوده خطوط طباشير، وخصمه كيان مسالم لا ينام إلا على وسادة القانون الدولي. يتعاملون مع الملفّ وكأنّه "طلبية" تُرسل إلى عنوان واضح، أو فاتورة تُسدّد دفعة واحدة. الحقيقة أبعد بكثير، وأكثر تعقيدًا من هذه السذاجة التي تُباع على الشاشات ومواقع التواصل.

800-41.jpg

لم يعد ممكنًا للبنان اليوم أن يفاوض خارجيًّا على حدوده، أو على قواعد الاشتباك، أو على حقوقه السيادية، فيما يبقى الداخل بلا حسمٍ واضحٍ لحدود السلطة بين الدولة واللاعبين الداخليين. فالنهج الذي حكم التجربة اللبنانية لعقود لم يعد قابلًا للاستمرار، ذلك أنّ الشروط التي سمحت به تسقط واحدةً تلو الأخرى

800-37.jpg

يتشكّل المشهد السياسي المعاصر داخل فضاء سريع التحوّل، تتكاثر فيه الإشارات وتتراجع فيه صلابة التعريفات. السياسة تظهر كحقل دلالي سيّال، تتحرّك مفاهيمه مع حركة العالم، وتكتسب معانيها من سياق الاستعمال أكثر مما تكتسبها من جذورها النظرية.

arza.jpg

أعادت حادثة «بيت جِن» الأخيرة، والاشتباك المسلّح الذي وقع فيها بين مجموعات مسلّحة سورية والقوات الإسرائيلية المتوغّلة في محيط جبل الشيخ (كما في درعا والقنيطرة مؤخراً)، طرح سؤال بالغ الحساسية: هل ما يجري مجرّد حوادث أمنية موضعية، أم أنّه حلقة جديدة في مشروع إسرائيلي – أميركي قديم متجدّد يستهدف جبل الشيخ والجنوب السوري والجنوب اللبناني معًا؟

800-36.jpg

ليس من حق أي مسؤول رسمي لبناني، خصوصاً عندما يتولى حقيبة سيادية أساسية، تُعبّر عن سياسة بلده، أن يجعل المعيار الذاتي، سواء أكان طائفياً أم مذهبياً أم حزبياً أم سياسياً، أساس تعامله مع حكومات الدول، ذلك أن الموقع الإقليمي لأي بلد في معادلات الصراع أو التسويات أو التوازنات، هو قرار سياسي بامتياز يتخذه أهل الدولة مجتمعين. ما هي مناسبة هذه المقدمة؟