Featured 1 Archives - Page 8 of 328 - 180Post

Libanon1_1.png

يقف لبنان اليوم عند تقاطع مسارات إقليمية ودولية معقدة. لم تعد المعادلات الداخلية، سياسةً وميداناً، وحدها تتحكم بمآلات الحرب على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية. باتت هذه الحرب، إلى حد بعيد، جزءاً من صراع أوسع تتحكم بإيقاعه ثلاث قوى هي الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. في ظل هذا الواقع، يبدو أن مسار الأحداث يتشكل وفق حسابات هذه القوى الثلاث التي تتصارع فوق رقعة الشرق الأوسط، فيما يجد لبنان نفسه مرة جديدة في موقع الساحة التي تتقاطع فيها الرسائل العسكرية والضغوط السياسية والرهانات الاستراتيجية.

800-17.jpg

بينما كنّا نائمين، كأغلب اللّبنانييّن، وكأغلب الطّبقةِ الحاكمةِ في البلدِ وأغلبِ حلفائِها أجمَعين، في ليلةٍ رَمضانيّةٍ مُظلمةٍ مُضيئةٍ غريبةٍ، من الشّهر الهجريّ الميلاديّ الجاري الكَريم.. اتّخذ القرار، وأُعطي الأمر. أُخذ قرارٌ، في المضمون وفي اعتقادي، ليس بمجرّد الانخراط في المعركة العسكريّة القائمة في الإقليم إلى جانب "الجهوريّة الإسلاميّة": بل، أُخذ القرار عمليّاً بالانقلاب على الوضع القائم في لبنان منذ حوالي عام ونيّف إلى اليوم.

800-15.jpg

تكشف الحرب الدائرة في الشرق الأوسط حالياً عن سؤالٍ أكبر من مجرد توازن عسكري في الشرق الأوسط: أين تقف الصين حقًا عندما تندلع الحروب؟ فبينما تُقدَّم بكين في الخطاب السياسي العالمي كقوة صاعدة تسعى إلى تحدي الهيمنة الأمريكية وبناء نظام دولي بديل متعدد الأقطاب، تبدو مواقفها في الأزمات الكبرى أكثر حذرًا مما توحي به هذه الصورة، بدليل رد الفعل الصيني على الحرب ضد إيران (الشريك الاستراتيجي لبكين) والذي لا يتجاوز حدود الإدانة الدبلوماسية. 

800-14.jpg

دخل العدوان الأميركي – «الإسرائيلي» على إيران أسبوعه الثاني وسط تمدد نيرانه، ليس فقط إلى دول الجوار في الخليج العربي، بل أيضاً إلى لبنان وقبرص عند العتبة الأوروبية. وبدأت أسعار النفط والغاز تتصاعد بوتيرة قياسية (لامست عتبة الـ120 دولاراً)، لتجرّ الاقتصاد العالمي تدريجياً إلى حالة من عدم الاستقرار، منذرة بكوارث قد تطال الكثير من الدول. وسط هذه الأجواء يبرز السؤال المشروع: إلى أين تتجه هذه الحرب، وكيف يمكن أن تنتهي؟

trump.jpg

في الحروب الحديثة لا تكون المشكلة في إطلاق الشرارة الأولى، بل في القدرة على إطفاء النار بعد اشتعالها. هذه القاعدة القديمة تبدو اليوم أكثر وضوحًا في المواجهة الدائرة في الشرق الأوسط، حيث يجد دونالد ترامب نفسه أمام معادلة معقدة: حربٌ مع إيران كان يُفترض أن تكون خاطفة وسريعة، تتحول تدريجيًا إلى مشهد استنزاف مفتوح لا يمكن التحكم بإيقاعه بسهولة.

799.jpg

منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران صباح 28 شباط/فبراير الفائت، واستهداف المرشد الإيراني الأعلى الإمام علي خامنئي، عاشت إيران حالة من الفراغ السياسي نتيجة غياب المرشد، في الوقت الذي انشغلت فيه القوات المسلحة بمواجهة هذا العدوان الذي استهدف جميع المحافظات الإيرانية، وتحديدًا المؤسسات العسكرية والأمنية والنووية ومراكز الشرطة في المحافظات، إضافة إلى مدارس ومستشفيات ومراكز لجمعية الهلال الأحمر الإيراني.. ومن الطبيعي أن يكون لاستهداف أيٍّ من هذه المراكز أهداف ودلالات معينة جرى دراستها والتخطيط لها بعناية فائقة.

800-9.jpg

سجّلت الأسواق المالية في إسرائيل، في صباح الثالث من آذار/مارس 2026، مشهداً صادماً للمنطق التقليدي؛ ففي الوقت الذي كانت فيه المؤشرات العالمية الكبرى تتراجع تحت وقع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، بلغت بورصة تل أبيب أعلى مستوى تاريخي لها. ولم يكن هذا التباين تفصيلاً عابراً، بل عكس ديناميكية متجذّرة في سلوك السوق الإسرائيلية، حيث تتحوّل الحرب – على عكس ما هو مألوف عالمياً – إلى محفّز مالي بدل أن تكون عاملاً كابحاً.

800-8.jpg

أمّا وقد بدأت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران بعد تحشيد عسكري غير مسبوق، وقُتل المرشد الأعلى السيد علي خامنئي وعدد كبير من قيادات الصف الأول، في الساعات الأولى للحرب، ودخلت المنطقة في مدار فوضى تنتقل كالنار في الهشيم، فإنّ الأمور في مثل هذه الحروب تُقاس بالخواتيم لا بالبدايات.

750-1.png

الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن قراءتها كجولة عسكرية معزولة، بل كحلقة مفصلية في مسار إعادة تشكّل النظام الدولي. ما يجري هو تعبير مكثّف عن انتقال العالم من لحظة أحادية قطبية إلى مرحلة تعددية صراعية، تتقابل فيها رؤيتان متناقضتان لمفهوم القوة والشرعية والسيادة. إننا أمام صدام بنيوي بين فلسفة ترى أن الاستقرار يُنتَج عبر الهيمنة المنظَّمة، وأخرى تعتبر أن مقاومة الهيمنة شرطٌ لإعادة التوازن

800-6.jpg

فعلها دونالد ترامب مُجدّداً. خلال عمليّة المفاوضات، يتمّ توجيه ضربة للطّرف الآخر، وبشكل مخادع تماماً. هناك سؤال مهمّ يُطرح في هذا الإطار طبعاً: ما هي الرّسالة الأخلاقيّة والقِيميّة التي يودّ الغرب ايصالها إلى شعوب العالم، من خلال ظاهرة كظاهرة ترامب حقّاً؟ ولكنّ الأهمّ في الوقت الرّاهن هو محاولة العودة معاً، بهدوء، وبعيداً عن التّوتّرات والشّعارات السّطحيّة، إلى السّؤال التّالي: في عمق الأمور، لماذا الاصرار الاسرائيليّ والأميركي والغربي على محاصرة وتشويه وضرب "الجمهوريّة الاسلاميّة"؟