أميركا Archives - 180Post

Attack-on-Trump.jpg

لم تأتِ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتضيف فصلاً جديدًا إلى كتاب الشرق الأوسط الملتهب فحسب، بل لتطرح أسئلة اعتقد العالم أنه تجاوزها: ما هي حدود القوة؟ أين تنتهي فاعلية السلاح وتبدأ تعقيدات السياسة؟ وهل يمكن اختزال صراع بحجم الصراع الأميركي-الإيراني بمعادلة عسكرية أو صفقة تفاوضية؟

799.jpg

عقب انتهاء الحرب الباردة في بداية تسعينيات القرن الماضي، واعتقاد النخبة الأميركية بانتصار نموذجها (السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي)، هيمن ما أصبح يُعرف باسم «إجماع واشنطن» (Washington Consensus)، وهو الإيمان المطلق بدعم العولمة الاقتصادية والديموقراطية السياسية، استنادًا إلى هيكل أمني عسكري قوي لدى صانعي القرار الأميركي. وتعامل البيت الأبيض، سواء حكمه الديموقراطيون في عهد الرئيس بيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن، أو الجمهوريون في عهد رونالد ريغان وجورج بوش (الأب والابن)، من منطلق هيمنة القطب الأميركي الأوحد على النظام العالمي.

799-1.png

حين أُعلن في أبو ظبي أن دولة الإمارات العربية المتحدة ستغادر منظمة "أوبك" بعد نحو ستة عقود من العضوية، لم يكن الخبر مجرد تطور نفطي عابر في سوق اعتاد المفاجآت، بل بدا أشبه بإعلان سياسي ثقيل، يحمل في داخله ما هو أكبر بكثير من مسألة البراميل والأسعار. كان الأمر أقرب إلى لحظة فك ارتباط تاريخية بين دولة صاعدة وطموحها المتسارع، وبين منظمة بُنيت على منطق مختلف، في زمن مختلف، وبحسابات لم تعد كلها صالحة لعصر جديد.

750-11.jpg

ليس من السهل مقاربة سياسات الثورة الإسلامية الإيرانية بوصفها مجرد نتاج لحظة سياسية عابرة، إذ لم تكن هذه الثورة انقلابًا على نظام حكم فحسب، بل جاءت تتويجًا لمسار تاريخي طويل من الصراع مع الخارج والسعي إلى الاستقلال.

760-1.jpg

يستعد الأميركيون للاحتفال بمرور قرنين ونصف على إعلان استقلال الولايات المتحدة. يسبق هذا العيد مناسبات أخرى تستحق أيضًا أن يتفرغ الرأي العام الأميركي للاستعداد لها وهو مرتاح نفسيًا واقتصاديًا وسياسيًا. نحن أيضًا، وأقصد جمهرة صناع الرأي، أميركيين كنا أم أجانب، نشعر بأن واجبنا يحتم علينا أن نساهم في هذه الاستعدادات. اخترت شخصيًا أن أستعد بحصر أولي لمجمل الإنجازات التي حققتها الولايات المتحدة، ومجمل الإخفاقات التي وقعت نتيجة أعمال من أطراف أجنبية ومن مسؤولين أميركيين ومؤسسات داخلية.

800-24.jpg

لا يمكن قراءة مسارات التفاوض اللبناني مع إسرائيل بوصفها قرارات سيادية مستقلة، بل كنتاج مباشر لتحوّلات عميقة في موازين القوى الدولية والإقليمية، وانعكاس لواقع داخلي مأزوم يقيّد قدرة الدولة على إنتاج قرار موحّد. وبين اتفاق 17 أيار/أيار 1983 ومسار 14 نيسان/أبريل 2026، تتبدّل السياقات وتتغيّر الأدوات، لكن المعادلة الحاكمة تبقى واحدة: التفاوض في لبنان هو تعبير عن ميزان القوة أكثر منه خياراً سياسياً معزولاً عن الواقع.

cartum-trump.jpg

لم يعد الخطاب السياسي مجرد وسيلة للتعبير عن المواقف، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى أداة لصناعة الواقع ذاته. وفي هذا التحول، يبرز صعود دونالد ترامب بوصفه لحظة مفصلية في تاريخ الرئاسة الأميركية، ليس فقط من حيث مضمونه السياسي، بل من حيث إعادة تعريفه لوظيفة الخطاب وحدوده.

EditorialCartoon_TrumpCrisisManagement_4_7_26.jpg

نادراً ما تكون الحروب الكبرى في الشرق الأوسط مجرد مواجهات عسكرية معزولة عن السياسة والاقتصاد. ثمة معادلات ترسمها النيران تتعلق بمن يملك حق تحديد قواعد نظام إقليمي جديد سيرسم ملامح النظام الدولي الجديد. في هذا السياق، تكتسب المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران معناها الحقيقي بوصفها صراعاً على ما بعد الحرب، لا على وقائعها الميدانية المباشرة فقط. 

6_4_Ultimatum-Kopie.jpg

وضع دونالد ترامب المنطقة والعالم أمام مواعيد واحتمالات تفوق التوقعات المرصودة من صُنّاع السياسات، لا سيّما أنه جزم في خطاباته المتتالية بأنه سيدمّر إيران في أربع ساعات إذا لم تقبل الصفقة المطروحة عليها، فيما حلفاؤه التاريخيون في المنطقة يتحضّرون لنتائج "الجحيم الأميركي الموعود"، بينما دول مثل روسيا وباكستان وتركيا ومصر وسلطنة عُمان وقطر تعمل بأقصى طاقاتها لإيجاد تسوية تحمي المنطقة والعالم من تداعيات ما بعد "الجنون الترامبي"!

750.jpg

خلف مجرياتِ ومعطياتِ وأحداثِ الحربِ الأميركيّةِ الاسرائيليّةِ الحاليّةِ على الجمهوريةِ الاسلاميّةِ في إيران، تبرزُ اشكاليّةُ خطابِ دونالد ترامب كظاهرة تستحقُّ التوقّفَ عندها. فمن الواضح عند أغلبنا، على الأرجح، أنّ هذا الخطابَ يمثّلُ اشكاليّةً حقيقيّةً في حدِّ ذاته، ليس فقط في الرّسائلِ التي قد يقصدُ توجيهَها هنا وهناك، بل خصوصاً في نوعيّتِه وشكلِه وفلسفتِهِ الخطابيّة العامّة إن جاز التّعبير.