اسرائيل Archives - 180Post

Hormuz_Trump.jpg

لم تكن القوة في التاريخ كافيةً وحدها لصناعة الهيبة، ولا كان التفوّق العسكري ضمانةً للاستقرار. فقد أثبتت تجارب الدول الكبرى، من روما إلى الإمبراطوريات الحديثة، أن اللحظة التي تتحوّل فيها القوة من أداةٍ إلى غاية، هي ذاتها اللحظة التي تبدأ فيها بالتآكل من الداخل. من هنا، لا يمكن قراءة سياسات دونالد ترامب بوصفها مجرد خيارات عابرة، بل كأعراض لخلل أعمق في فهم دور القوة وحدودها. خللٌ يجعل من الاخضاع والاستعراض بديلاً عن الاستراتيجية، وهذا ما يضع العالم أمام معادلة خطيرة: قوة عظمى تتصرف، دولياً، بلا ضوابط أخلاقية، في ظل نظام دولي لم يعد يحتمل المزيد من الاختلال.

626591940022.jpg

في الحروب الحديثة، لم يعد التقدّم العسكري يُقاس فقط بعدد الكيلومترات التي تُحتل، بل بقدرة الأطراف على إنتاج معنى سياسي وانتصار قابل للتسويق. فالجيوش، حين تعجز عن تحقيق أهدافها الكبرى، لا تتوقف عن القتال، بل تعيد تعريف أهدافها، وتنقل المعركة من الجغرافيا إلى الرمزية، ومن السيطرة الميدانية إلى صناعة الصورة.

800-20.jpg

منذ أكثر من نصف قرن من الزمن كتبتُ وحاضرتُ في القانون الدولي وأهمية قواعده على صعيد العلاقات الدولية، سواء في فترة الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الغربي والشرقي، أم ما بعدها؛ ونشرتُ مقالةً في مجلة "الثقافة الجديدة" العراقية في العام 1975 بعنوان "ديبلوماسية السلم وتعريف العدوان في القانون الدولي"، وذلك بعد صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 (1974) حول تعريف العدوان، واعتبرت ذلك حدثًا مهمًا وتطورًا كبيرًا.

800-17.jpg

في لحظات التحوّل الكبرى، تتحول النصوص الدستورية من إطار ناظم للسلطة إلى ساحة تأويل سياسي مفتوح. وفي لبنان، حيث تتشابك الاعتبارات القانونية مع التوازنات الميثاقية، تبرز مسألة التفاوض المباشر مع إسرائيل كقضية تتجاوز بعدها الدبلوماسي، لتلامس صميم الشرعية الدستورية ومبدأ سيادة القانون.

800-19.jpg

في بلد تبدو فيه القوانين قائمة دون أن تُطبّق، والمؤسسات حاضرة دون أن تحكم، تتحول القاعدة إلى نص بلا أثر، والاستثناء إلى واقع يومي. فالمشكلة لم تعد في غياب القوانين، بل في تحوّلها إلى نصوص معلّقة، مقابل واقع تُنتج فيه السلطة قواعدها خارج مؤسسات الدولة. فيغدو الخروج عن القانون جزءًا من الحياة اليومية لا سيما بين مؤسسات عاجزة وسلطات متعدّدة، وعليه يكاد الاستثناء يتحول إلى القاعدة. هنا، لا يعود السؤال عمّا إذا كان لبنان يملك إطارًا للشرعية، بل عمّا إذا كان لا يزال محكومًا بها، أم أنه استقر في حالة استثناء دائمة.

800-18.jpg

إنّ القراءة الموضوعيّة والواقعيّة للمشهد اللّبنانيّ اليوم، مع الابتعاد عن الاصطفافات العاطفيّة والأيديولوجيّة، تشير إلى أنّ التّقديرات التي سادت لدى أقطاب السّلطة اللّبنانيّة، وكذلك لدى أقطاب الحكومة الاسرائيليّة، قبل الثّاني من آذار/مارس الفائت... لم تعكس، في أحسن الأحوال، الواقع الميدانيّ والأمنيّ بدقّة. وهذا ما يُفسّر التّطوّرات الرّاهنة إلى حدّ كبير، بما في ذلك جولة المفاوضات المباشرة في واشنطن، وما سبقها من أخذ وردّ حول قضيّة وقف النّار أو الهدنة المؤقّتة أو التّدرجيّة على الجبهة اللّبنانيّة.

hormoz.jpeg

لا يجوز النظر إلى ما يجري اليوم في منطقتنا بوصفه مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لأن هذه الصورة، على صخبها، لا تعدو كونها السطح الظاهر لزلزال أعمق بكثير: زلزال يختبر قدرة الاقتصاد العالمي على الاحتمال، ويمتحن تماسك نظام دولي لم يعد يمتلك لا العقل الجماعي اللازم لاحتواء الصدمات، ولا الإرادة السياسية المشتركة التي تتيح للقوى الكبرى أن تدير خلافاتها من دون أن تدفع العالم كله إلى حافة الاختناق.

charge20260411B.jpg

لم يعد من الممكن قراءة الاقتصاد العالمي اليوم بالمعادلات الكلاسيكية التي تربط العرض بالطلب، ولا حتى عبر دورات التضخم والانكماش المعهودة، إذ إن ما يتكشف تدريجيًا هو انتقال نوعي في طبيعة الأزمات نفسها. فبدل أن تبقى هذه الأزمات ضمن نطاق الصدمات الاقتصادية القابلة للاحتواء، باتت تتحول إلى اختناقات جيوسياسية تعيد تعريف قواعد اللعبة من أساسها.

750.png

تأتي الذكرى الحادية والخمسين للحرب اللبنانية التي اندلعت في 13 نيسان/أبريل 1975، فيما يستعد لبنان لبدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن، تحت مظلّة العدوان الإسرائيلي المستمر، والتشظي الكبير في الموقف الوطني، حيث لا تحمل الدولة اللبنانية بعدُ سلة تفاوضية جامعة في جعبتها باسم جميع مكوّناتها، ولا يقيها سقفٌ سياسيٌّ وإقليميٌّ واضحٌ يضبط هذه المحادثات ويمنع انزلاقها من التفاوض إلى الإملاء. هكذا يعود السؤال اللبناني القديم، لكن بصيغة أشدّ خطورة: هل تدخل الدولة إلى التفاوض طلبًا لوقف النار وحماية السلم الأهلي، أم تدخل إليه تحت النار ومن دون تفويض جامع، فتتحول الطاولة نفسها إلى امتداد للحرب بوسائل أخرى؟