اسرائيل Archives - 180Post

135.jpg

في توقيت بالغ الحساسية، تبدو دعوة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان و"إسرائيل"، مشروطة بوقف النار، وكأنها قفز فوق الوقائع لا قراءة لها؛ إذ كيف يُطرح خيار بهذا الحجم فيما المجتمع اللبناني نفسه يتآكل تحت وطأة انقسام يُلامس الخطوط الحمر.

800-24.jpg

لا يمكن قراءة مسارات التفاوض اللبناني مع إسرائيل بوصفها قرارات سيادية مستقلة، بل كنتاج مباشر لتحوّلات عميقة في موازين القوى الدولية والإقليمية، وانعكاس لواقع داخلي مأزوم يقيّد قدرة الدولة على إنتاج قرار موحّد. وبين اتفاق 17 أيار/أيار 1983 ومسار 14 نيسان/أبريل 2026، تتبدّل السياقات وتتغيّر الأدوات، لكن المعادلة الحاكمة تبقى واحدة: التفاوض في لبنان هو تعبير عن ميزان القوة أكثر منه خياراً سياسياً معزولاً عن الواقع.

800-23.jpg

لبنان كيانٌ قَلِقٌ. يقفُ راهنًا على شفا منزلقاتٍ خطيرة. لا شيء يُنقذه إلّا صحوة وطنية وجوديّة تشبهُ المعجزة. هذه الكلمات صاعقةٌ حتمًا، لكنها تعكس واقعنا الكارثي. لولا إضاءة استثنائية من المقاومة في الجنوب، لكان ما نتخوّف منه مستقبليًا قد حلّ بنا الآن.

800.jpeg

تبدو هدنة وقف إطلاق النار في لبنان، لعشرة أيام، كخط رفيع فوق تضاريس متفاوتة العلوّ والقسوة. اتفاقٌ يحمل في داخله قابلية حركية عسكرية مفتوحة تحت عنوان “استباق التهديد الأمني”، حيث يتيح لأحد الأطراف (إسرائيل) المبادرة عند استشعار تهديد. هذه البنية تجعل الهدنة إطارًا إجرائيًا أكثر منها نهاية صلبة للصراع.

Hormuz_Trump.jpg

لم تكن القوة في التاريخ كافيةً وحدها لصناعة الهيبة، ولا كان التفوّق العسكري ضمانةً للاستقرار. فقد أثبتت تجارب الدول الكبرى، من روما إلى الإمبراطوريات الحديثة، أن اللحظة التي تتحوّل فيها القوة من أداةٍ إلى غاية، هي ذاتها اللحظة التي تبدأ فيها بالتآكل من الداخل. من هنا، لا يمكن قراءة سياسات دونالد ترامب بوصفها مجرد خيارات عابرة، بل كأعراض لخلل أعمق في فهم دور القوة وحدودها. خللٌ يجعل من الاخضاع والاستعراض بديلاً عن الاستراتيجية، وهذا ما يضع العالم أمام معادلة خطيرة: قوة عظمى تتصرف، دولياً، بلا ضوابط أخلاقية، في ظل نظام دولي لم يعد يحتمل المزيد من الاختلال.

626591940022.jpg

في الحروب الحديثة، لم يعد التقدّم العسكري يُقاس فقط بعدد الكيلومترات التي تُحتل، بل بقدرة الأطراف على إنتاج معنى سياسي وانتصار قابل للتسويق. فالجيوش، حين تعجز عن تحقيق أهدافها الكبرى، لا تتوقف عن القتال، بل تعيد تعريف أهدافها، وتنقل المعركة من الجغرافيا إلى الرمزية، ومن السيطرة الميدانية إلى صناعة الصورة.

800-20.jpg

منذ أكثر من نصف قرن من الزمن كتبتُ وحاضرتُ في القانون الدولي وأهمية قواعده على صعيد العلاقات الدولية، سواء في فترة الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الغربي والشرقي، أم ما بعدها؛ ونشرتُ مقالةً في مجلة "الثقافة الجديدة" العراقية في العام 1975 بعنوان "ديبلوماسية السلم وتعريف العدوان في القانون الدولي"، وذلك بعد صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 (1974) حول تعريف العدوان، واعتبرت ذلك حدثًا مهمًا وتطورًا كبيرًا.

hormoz.jpeg

لا يجوز النظر إلى ما يجري اليوم في منطقتنا بوصفه مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لأن هذه الصورة، على صخبها، لا تعدو كونها السطح الظاهر لزلزال أعمق بكثير: زلزال يختبر قدرة الاقتصاد العالمي على الاحتمال، ويمتحن تماسك نظام دولي لم يعد يمتلك لا العقل الجماعي اللازم لاحتواء الصدمات، ولا الإرادة السياسية المشتركة التي تتيح للقوى الكبرى أن تدير خلافاتها من دون أن تدفع العالم كله إلى حافة الاختناق.