اسرائيل Archives - 180Post

800-15.jpg

في 13 نيسان/أبريل 2026، تمرّ واحد وخمسون سنة على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، حدثٌ لم يُطوَ بعد من الذاكرة الجماعية، ولم تتحوّل دروسه إلى ضمانة لعدم تكراره. فالحرب، وإن توقفت عسكرياً، ما زالت حاضرة في خطاب الكراهية؛ في لغة الغاء الآخر؛ في الانقسامات التي تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة؛ لكأن التاريخ لا يُعلمنا، بل نصرُّ على إعادة كتابة الصفحات المؤلمة نفسها.

800-14.jpg

لم تكن هذه المرة الأولى التي يُدفع فيها لبنان إلى توقيع اتفاق قسري تحت ترهيب السلاح من إسرائيل؛ ففي عام (1982) احتلت القوات الإسرائيلية العاصمة اللبنانية بيروت. اهتزت المنطقة العربية تحت وطأة الصدمة. خرجت تظاهرات شعبية غاضبة من الأزهر الشريف، كأن مصر تستعيد ذاكرتها وإرث المقاومة فيها أثناء العدوان الثلاثي، وصرخة «جمال عبد الناصر» تدوي من فوق منبره: «سنقاتل ولن نستسلم أبدًا».

8112025.jpg

لم تكن الجولة الأولى من المفاوضات الأميركية-الإيرانية في إسلام آباد حدثاً عادياً يمكن قياسه بمنطق الربح والخسارة المباشرين أو التعادل السلبي. فهذه المفاوضات، التي جاءت بعد حربٍ مدمّرة استمرت أربعين يوماً ولامست تداعياتها معظم الإقليم والعالم، لم تكن في جوهرها محاولة سريعة لإنهاء الصراع، بقدر ما كانت اختباراً أولياً لميزان القوى الحقيقي بين طرفين يقرآن نتائج الحرب بشكلٍ متناقض تماماً، لكن الأهم من نتيجة الجولة الأولى ليس ما انتهت إليه، بل ما فتحته من أسئلة: هل نحن أمام استراحة قصيرة تسبق جولة تصعيد جديدة؟ أم أن هذه البداية المتعثّرة ستقود، تدريجياً، إلى مسار تفاوضي أكثر واقعية؟

78787878787.jpg

غادر الوفدان الأميركي برئاسة نائب الرئيس جي. دي. فانس والإيراني برئاسة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف العاصمة الباكستانية إسلام آباد، بعد ثلاث جولات تفاوضية تمحورت حول ورقتي العمل الأميركية والإيرانية، سعياً للتوصل إلى اتفاق اطار من شأنه التأسيس لاتفاق أو سلسلة اتفاقات تشمل العناوين التي يتم التفاهم عليها، إلا أن رياح التفاوض جرت عكس ما يشتهي الطرفان، ما استدعى تعليق المفاوضات، في خطوة يُفترض أن تخضع لتقييم متبادل في العاصمتين الأميركية والإيرانية، قبل أن يُقرّر الطرفان خطواتهما التالية، سواء بالمضي بخيار التفاوض أو العودة إلى الحرب.

780-2.jpg

في لحظات التحول الكبرى، لا تُقرأ الأحداث من خلال ظاهرها فقط، بل من خلال العلاقات الخفية التي تربط بينها. هكذا يبدو المشهد اليوم بين مسارين تفاوضيين متوازيين ظاهريًا: مفاوضات مباشرة في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، وأخرى غير مباشرة في إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران. غير أن التدقيق يكشف أن هذين المسارين لا يسيران بشكل مستقل، بل يتقاطعان عند نقطة مركزية واحدة: لبنان نفسه، لا بوصفه طرفًا تفاوضيًا كامل السيادة، بل بوصفه عقدة داخل شبكة أوسع من الترتيبات الإقليمية.

89898989.jpg

لم تكن الغارات التي حوّلت بيروت، في يوم "الأربعاء الأسود"، إلى ما يشبه الجحيم حدثاً عسكرياً عادياً يمكن إدراجه في سياق التصعيد الإسرائيلي التقليدي، بل جاءت كاختبار فجّ لمعادلة إقليمية جديدة وُلدت فجراً مع الإعلان عن الاتفاق الأميركي–الإيراني، الذي شمل لبنان بشكل صريح، حسب الورقة التي أعلنها رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف. في تلك الساعات القليلة، انتقل اللبنانيون من نشوة حذرة بوقف نار محتمل، إلى صدمة وجودية وهم يشاهدون عاصمتهم تُستباح تحت مسمى: "الظلام الأبدي".

870.jpg

يوم الخميس الماضي، تحدثت في هذا المكان بعجالة عن إقرار وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية بمحورية الدور المصري في الجهود الدبلوماسية التي أثمرت عن اتفاق وقف إطلاق النار بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو الدور الذي قاد، مع جهود أخرى باكستانية وتركية، إلى بدء المفاوضات في إسلام آباد.

charge20260407B.jpg

الحديث عن وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران نال من الإثارة الإعلامية أكثر ممّا يستحقّ. المسافة شاسعة حتى الآن بين الاسم والمسمَّى. ما زال الأمر مُسوَّدةً لزِجةً تحتمل كلَّ أنواع الانزلاقات، وتحيط بها الشكوك بسبب ارتكابات النكوص السابقة التي أقدمت عليها واشنطن.

800-11.jpg

هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مطلع هذا الشهر بإعادة إيران إلى العصر الحجري وتدمير منشآتها الحيوية، بل وحتى تدمير حضارتها، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. وقال بالحرف: "إن حضارةً بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبدًا"، كما وصف الشعب الإيراني بـ"الحيوانات" خلال رده على سؤال صحافي حول الفائدة من تدمير البنية التحتية في إيران.