تفتح المفاوضات المرتقبة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في إسلام آباد فجوة تحليلية عميقة في بنية السؤال اللبناني حول التمثيل والصيغة والقرار.
تفتح المفاوضات المرتقبة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في إسلام آباد فجوة تحليلية عميقة في بنية السؤال اللبناني حول التمثيل والصيغة والقرار.
هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مطلع هذا الشهر بإعادة إيران إلى العصر الحجري وتدمير منشآتها الحيوية، بل وحتى تدمير حضارتها، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. وقال بالحرف: "إن حضارةً بأكملها ستموت الليلة ولن تعود أبدًا"، كما وصف الشعب الإيراني بـ"الحيوانات" خلال رده على سؤال صحافي حول الفائدة من تدمير البنية التحتية في إيران.
قبل عشرين عامًا، وتحديدًا في آذار/مارس 2006، كتب البروفسوران الشهيران، جون ميرشايمر من جامعة شيكاغو، وستيفن والت من جامعة هارفارد، مقالًا أكاديميًا تحليليًا لظاهرة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة وتأثيره على سياسة واشنطن الخارجية. وبعد تكليف مجلة «ذا أتلانتيك» لهما بكتابة المقال، رفضت المجلة الشهيرة نشره على خلفية ما يتضمنه من تفاصيل ونتائج اعتبرتها صادمة ومعادية للسامية.
بينما تنشغل العواصم الكبرى بترميم "خرائط الطاقة" وتأمين الممرات البحرية عبر هدنة إسلام آباد الهشة، يبرز التناقض الصارخ بين شمولية الاتفاق أميركياً واستثنائية الجبهة اللبنانية إسرائيلياً. يضع هذا الانقسام الجيوسياسي لبنان في منطقة "رمادية قاتلة"، حيث تتقاطع المصالح الكونية لتبريد المنطقة مع إصرار تل أبيب على تصفية حساباتها الميدانية بمعزل عن التوافقات الدولية. إنّه اختبار حقيقي لمدى قدرة الدبلوماسية على منع تحول الجغرافيا اللبنانية إلى ساحة الاستنزاف الوحيدة في إقليم يبحث عن استقرار مفقود.
تنطلق في غضون الساعات المقبلة، في إسلام آباد، المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أربعين يومًا من أعنف حرب شهدتها المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية. وسيكون أمام المتفاوضين عشرة أيام فقط ضمن مهلة الأسبوعين لوقف إطلاق النار بينهما من أجل التوصل إلى تسوية لإنهاء هذه الحرب.
لم تعد الحروب تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل بالخداع أيضًا. في هذا النوع من الصراعات، لا يكون السؤال من يطلق النار أولًا، بل من ينجح في إقناع خصمه بأن النار لن تُطلق أصلًا.
ليست كل الحروب تُقاس بنتائجها المباشرة على الأرض، ولا بما تُظهره شاشات المعارك من تقدم أو تراجع. فبعض الحروب تكشف ما هو أعمق من ذلك بكثير: تُسقط صورًا راسخة، وتعيد ترتيب المعاني، وتفتح الباب أمام تحولات تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة إلى بنية النظام الدولي نفسه.
نادراً ما تكون الحروب الكبرى في الشرق الأوسط مجرد مواجهات عسكرية معزولة عن السياسة والاقتصاد. ثمة معادلات ترسمها النيران تتعلق بمن يملك حق تحديد قواعد نظام إقليمي جديد سيرسم ملامح النظام الدولي الجديد. في هذا السياق، تكتسب المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران معناها الحقيقي بوصفها صراعاً على ما بعد الحرب، لا على وقائعها الميدانية المباشرة فقط.
الحرب العسكرية الدائرة اليوم في منطقة الخليج انتهت ولو لم يُعلن وقف النار رسمياً. انتهت بمعناها السياسي والاستراتيجي. العجز عن الحسم العسكري (لا إيران قادرة على هزيمة أميركا وإسرائيل ولا يبدو حتى الآن أن الأخيرتين قادرتان على اسقاط النظام الإيراني وهزيمته) يُحيلنا إلى الأبعاد الاستراتيجية التي ستتشكل بعد توقف المواجهة المباشرة.
تقول النظرية الاقتصادية الكلاسيكية إنه من المفترض أن يؤدي الارتفاع القياسي في أسعار النفط (يتراوح حاليًا بين 100 و110 دولارات للبرميل، ربطاً بأزمة مضيق هرمز) إلى إجبار الدول المستوردة على شراء المزيد من الدولارات، مما يُسبب ارتفاعًا آليًا في قيمة العملة الأميركية، إلا أنه في سياق العام 2026، يتسم هذا التوجه بتعقيد كبير، بل تتعارض معه عدة عوامل هيكلية، أبرزها التهرّب المتزايد من استعمال الدولار (شراء النفط باليوان أو مقايضته بالذهب أو السلع)، وهذا يُبين أن أزمة هرمز تُسرّع من وتيرة التخلي عن الدولار في تجارة الطاقة.