حروبٌ استعماريَّةٌ للنهبِ والإبادةِ، تقابلُها ثوراتُ شعوب. تنجحُ تارةً وتُخفِقُ طوْراً. وفي كلِّ الحالاتِ تُسبِّبُ الرأسمايَّةُ الخرابَ وتُعيقُ التقدُّمَ الإنسانيَّ بذريعةِ التقدُّمِ التكنولوجي. لا بأسَ عند هذه الرأسماليَّةِ أنْ تُقْتَلَ الكثرةُ لِتعيش القلَّةُ، ومن أجلِِ أنْ يَرضى “الأمير” على الطريقةِ المكيافيليَّة. دونالد ترامب هو المكيافيليُّ الفاقعُ. يقِفُ على شرفةِ البيتِ “الأسود” ويُؤكِّدُ لنفسِهِ وللطبقةِ التي يُمَثِّلُها أنَّ الكرةَ الأرضيَّةَ مِلكُهُ وهو شرطيُّ العالم. لهذا خطَفَ الرئيسَ الفنزويلي نيكولاس مادورو كي يُوَجِّهَ رسالةً إلى العالمِ كلِّهِ لا أميركا اللاتينيّةِ وحدَها.
جريمة ُالخطفِ رمزٌ خطيرٌ لما هو آتٍ. يُضيِّعُ كثيرونَ الوقتَ في تحرِّي ما إذا كانَ في الأمرِ تآمرٌ داخليٌّ من بينِ أركانِ السلطةِ الفنزويليّة أم لا. كلُّ شيءٍ ممكنٌ (ربَّما الخيانة حصلت. ننتظرُ أن تكشف الأيام الحقائق) لكنَّ الأصلَ الثابتَ هو أنَّ الإدارةَ الأميركيَّةَ هي التي أخذتِ القرارَ بالعدوانِ، سواءٌ أكانتْ قدِ ارتكزَتْ على الاستخباراتِ أمْ لم تَرْتكِزْ. علينا ألَّا نُضيِّعَ البوصلة. الطبقةُ الأوليغارشيَّةُ الحاكمةُ في الولاياتِ المتحدةِ هي المسؤولةُ أوَّلاً وأخيراً. تحالُفُها الثابتُ معَ الصهيونيّةِ في “إسرائيلَ” وغيرِها هو جزءٌ محوريٌّ في هذه المسؤوليَّة. وليس صدفةً على الإطلاقِ أنْ يتِمَّ العدوانُ بعد ستةِ أيامٍ فقط على لقاءِ ترامب – نتنياهو، وليس صعباً إلَّا على السُذَّجِ ملاحظة ُالعلاقةِ بين اللقاءِ والعدوانِ، ولا سيَّما أنَّهُ يحملُ في طيَّاتِهِ إشاراتٍ إلى ما هو قادمٌ علينا في الشرق.
لا “ميكانيزم” تصنعُ حلَّاً في لبنان، ولا مفاوضات بين واشنطن وطهران. وإذا مارَسَ نتنياهو جنوناً عُدوانيَّا جديداً – وهو كثير الاحتمال – فالمنطقةُ كلُّها ستكونُ تحت النار. وهنا تبرزُ أهميةُ أنْ تعالجَ إيرانُ مشكلاتِها الداخليّةَ بسرعةٍ كي لا تتحوَّلَ إلى حصانِ طروادة. وتبرزُ أيضاً أهميَّةَ أنْ يستيقظَ اللبنانيُّونَ فيؤسِّسوا وحدةً وطنيَّةً قبل فواتِ الأوان
لقد أرادَ ترامب أنْ يضربَ عِدَّةَ عصافيرَ بحجرٍ واحدٍ. لم يعلنْ عن هذه الأحجارِ كلِّها. وطبيعتُهُ الرأسماليَّةُ الإسبارطيَّة ُتجعلـُهُ لا يأبهُ حتى إلى حلفائِهِ، فماذا يحمِلُ العدوانُ على فنزويلا من رسائل؟
الإمبراطورُ العقاريُّ يُحاولُ أن يُكرِّسَ نفسَهُ في محيطِهِ الجغرافي القريبِ سيِّداً على القارَّةِ الأميركيّةِ كلِّها لا الولاياتِ المتحدةِ فحسْبُ. وهذا ما يُفسِّرُهُ تهديدُهُ للمكسيك وكوبا وكولومبيا ونيكاراغوا وغيرِها بعد أنْ ضمِنَ في الظرف الراهن حكماً يمينيَّاً في تشيلي يُقدِّمُ له ما يريدُ من “الليثيوم” والمعادنِ الأخرى. أمَّا من فنزويلا فيطمَعُ بالحصولِ على مواردِها الضخمةِ من النفطِ والذهبِ والفحمِ وثرواتٍ مختلِفةٍ باتتْ معروفةً. يرغبُ من وراء ذلك أنْ يخوضَ حرباً مع الصين وروسيا على المعادنِ التي تدخلُ في الصناعاتِ الأكثرِ حداثةً. [حتى لو أدَّى ذلك إلى إشعالِ حربٍ عالميَّةٍ واسعةٍ]. وهناكَ ورقةٌ مستورةٌ يَقِلُّ الحديثُ عنها، فترامب مثل نيكسون يسعى إلى ربْطِ الدولارِ بنفطٍ إضافي. وهكذا فإنَّ السيطرةَ على نفطِ فنزويلا تحمي الدولار الذي تطبعُهُ الولاياتُ المتحدةُ منذ نحو ستةِ عقودٍ من دونِ تغطيةٍ ذهبيَّةٍ بناءً على قرارِ نيكسون الذي اتفق بشأنِهِ مع السعوديَّةِ [عام 1971] ثمَّ كرَّسَ هنري كيسنجر ذلك [عام 1974] وهو عدم المتاجرة بالنفط إلَّا عبر الدولار. إذاً نحن أمام بترودولار جديد يهتزُّ فيه بقوَّةٍ دورُ دولِ الخليج العربي من دونِ شكٍّ بالرغم من أنَّها ترضي السيِّد الأميركي في كلِّ شيءٍ. لقد وجَّهَ إليها ترامب صفعةً قاسيةً وأبلغَها بطريقةٍ غيرِ مباشرةٍ أنَّ أيَّ حربٍ في المنطقةِ يتعطَّلُ فيها مضيق هرمز وباب المندب لن تؤَثِّر في مصادر ِالطاقةِ التي تحرُصُ عليها واشنطن.
نحن أمامَ حِقبةٍ جديدةٍ منَ العسكرةِ الرأسماليَّةِ الأميركيَّةِ. إنَّها القوَّةُ الصافيةُ لا القانونُ كما ادَّعى الغربُ على مدى قرنيْنِ. ذرائعُ “المخدِّراتِ” و”الإرهابِ” و”تحقيق الديموقراطيَّة” أكاذيبُ ازدادتِ اِنكشافاً بعد خطفِ مادورو. لا قانونَ دوليَّاً له أثرٌ، ولا أممٌ متحدةٌ، ولا مجلسُ أمنٍ، ولا يخفى على أحدٍ معنى أنْ تـُقْدِمَ دولةٌ هي عضوٌ دائمٌ في مجلس الأمن على إسقاطِ ميثاقِ الأمم المتحدة. لقد سقط مفهومُ القانونِ لا القانون وحدَهُ. ولم يبْقَ إلَّا القوة كما قالَ مؤخَّراً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ولكنَّ الخوفَ الشديدَ هو أن يكونَ ما جرى عنواناً لتقاسُمِ النفوذِ في العالم. روسيا والصين لم يُعلنا عن موقفٍ دقيقٍ حتى هذه اللحظة. [أعلن ترامب أنَّ بكين وموسكو باتتا تخافان من الولاياتِ المتحدة!] الاستنكارُ والإدانةُ شيءٌ، والإعلانُ عن رؤية مستقبليَّةٍ للمواجهةِ شيءٌ آخر. وهذا لم يتِمَّ. ماذا في أوكرانيا؟ وماذا في تايوان؟ وماذا في غرينلاند التي لم يَجْرُؤِ الاتحادُ الأوروبي على اتخاذِ موقفٍ حازمٍ وقويٍ بشأنها.
العالمُ يتغيَّرُ بسرعةٍ. نحن في المشرقِ معنيُّونَ بالأمر. النارُ ستتَّقدُ هنا. والسيفُ الأميركيُّ-الإسرائيلي ذو المِقبضِ العربيِّ مُصلَتٌ على شعوبِ المَنطِقةِ. الحربُ الجديدةُ تحومُ حولَ بلدينِ: إيرانَ ولبنانَ. كلُّ الرهاناتِ التي علَّقها المتعاملونَ أو الواهمونَ على دورٍ أميركيٍّ للتهدئةِ سقطتْ بضربةٍ قاضيةٍ نفَّذتْها الولاياتُ المتحدةُ اِبتداءً منَ الكاريبي. أيُّهما قَبْلُ إيرانُ أمْ لبنان؟ أمْ هُما معاً؟ [تفجير داخلي أو عدوانٌ خارجي] ليست هذه هي القضيَّة فحسْبُ. واشنطن تطلُبُ الخضوعَِ من الجميع. هنا الجوهرُ الخطر. الكارثة ُأنَّ التطبيعَ الإبراهيميَّ فعَلَ فِعلَهُ، وأنَّ كلَّ الأمورِ تهيَّأَتْ للاحتلالِ الإسرائيلي. نتنياهو يستطيعُ أن يستندَ إلى ترامب فيُشعلَ الحربَ في أيِّ ساعةٍ، ما يعني أنَّنا مقبلونَ على تطوُّراتٍ سلبيّةٍ، فلا “ميكانيزم” تصنعُ حلَّاً في لبنان، ولا مفاوضات بين واشنطن وطهران. وإذا مارَسَ نتنياهو جنوناً عُدوانيَّا جديداً – وهو كثير الاحتمال – فالمنطقةُ كلُّها ستكونُ تحت النار. وهنا تبرزُ أهميةُ أنْ تعالجَ إيرانُ مشكلاتِها الداخليّةَ بسرعةٍ كي لا تتحوَّلَ إلى حصانِ طروادة. وتبرزُ أيضاً أهميَّةَ أنْ يستيقظَ اللبنانيُّونَ فيؤسِّسوا وحدةً وطنيَّةً قبل فواتِ الأوان.
إنَّ الخطرَ لا يَستهدِفُ المقاومةَ وحدَها. وجودُ لبنانَ بذاتِهِ هو المستهدَفُ وكذلك تركيبتُه الداخليةُ المُسمَّاةُ النظامَ السياسي. ولا شكَّ في ضرورةِ أنْ تعي السلطةُ والقوى النافذةُ في لبنان أهميةَ السباقِ مع الوقتِ في زمن تغيير الخرائط في المشرق.
