انتهت القمة الصينية ـ الأميركية على أصوات الحرب مرة، وعلى أنغام السلام مرة أخرى. إنّها قمة دونالد ترامب وشي جين بينغ أو قمة الثنائية القطبية الجديدة التي صارت سمة النظام الدولي بديلاً للأحادية القطبية التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي قبل 35 عاماً.
انتهت القمة الصينية ـ الأميركية على أصوات الحرب مرة، وعلى أنغام السلام مرة أخرى. إنّها قمة دونالد ترامب وشي جين بينغ أو قمة الثنائية القطبية الجديدة التي صارت سمة النظام الدولي بديلاً للأحادية القطبية التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي قبل 35 عاماً.
لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة عسكرية أو أزمة أمنية عابرة في الشرق الأوسط. إنها اليوم اختبار واسع للنظام الدولي كله: اختبار لقوة واشنطن، وقدرة طهران على الصمود، وموقع الصين كقوة كبرى تريد أن تكون وسيطاً من جهة، ومنافساً استراتيجياً لأميركا من جهة أخرى. هذه الحرب لا تدور فقط حول الصواريخ والسفن ومضيق هرمز، بل تدور أيضاً حول النفط، العقوبات، سلاسل الإمداد، الذكاء الاصطناعي، المعادن النادرة، ومن يملك حق الشراكة في إدارة النظام العالمي المقبل.
يبرز "الردع الممتدّ" في دراسة تجربة إيران والمقاومة في لبنان والحشد الشعبي في العراق وأنصار الله في اليمن، خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران كأحد أبرز التحولّات في بنية الصراع الإقليمي في غرب آسيا.
ما شاهدناه في منطقة الخليج في الساعات الماضية، يشي بأن الهدنة المعلنة ليست سوى توقفٍ محسوب في إيقاع الحرب، لا نهايتها. فالصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران انتقل من ساحات النار إلى مساحات الرماد، حيث الغموض أداة، والتأجيل سياسة، والتصعيد احتمال دائم. في هذا الفراغ بين الحرب والسلام، تُدار المواجهة بأشكال أكثر تعقيدًا، فيما تبقى نهايتها مفتوحة على كل الاحتمالات.
تتكرر التساؤلات هذه الأيام حول مصير الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية: هل نحن أمام اتفاق تاريخي يُنهي الحرب، أم أن جولةً جديدة من الحرب باتت حتمية؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد أن نفهم أولاً لماذا لا تستطيع إيران أن تقبل بأقل مما تطلب في مفاوضات إسلام آباد؟
لم تأتِ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتضيف فصلاً جديدًا إلى كتاب الشرق الأوسط الملتهب فحسب، بل لتطرح أسئلة اعتقد العالم أنه تجاوزها: ما هي حدود القوة؟ أين تنتهي فاعلية السلاح وتبدأ تعقيدات السياسة؟ وهل يمكن اختزال صراع بحجم الصراع الأميركي-الإيراني بمعادلة عسكرية أو صفقة تفاوضية؟
عقب انتهاء الحرب الباردة في بداية تسعينيات القرن الماضي، واعتقاد النخبة الأميركية بانتصار نموذجها (السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي)، هيمن ما أصبح يُعرف باسم «إجماع واشنطن» (Washington Consensus)، وهو الإيمان المطلق بدعم العولمة الاقتصادية والديموقراطية السياسية، استنادًا إلى هيكل أمني عسكري قوي لدى صانعي القرار الأميركي. وتعامل البيت الأبيض، سواء حكمه الديموقراطيون في عهد الرئيس بيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن، أو الجمهوريون في عهد رونالد ريغان وجورج بوش (الأب والابن)، من منطلق هيمنة القطب الأميركي الأوحد على النظام العالمي.
تستمر حرب إيران بوسائل أخرى. منها استعراض القوة بين واشنطن وطهران في مضيق هرمز، مع الإيحاء بالرغبة في التفاوض والعودة إلى إسلام آباد، ثم التراجع، واللجوء إلى جولة جديدة من التهديدات، واعتلاء سفينة من هنا وسفينة من هناك، في اختبار للقدرة على تحمل الضرر الناجم عن إغلاق المضيق والحصار البحري المفروض على الموانىء الإيرانية.
يقرأ ميشيل فوكو الحرب بوصفها امتدادًا لشبكات القوة التي تنسج ذاتها داخل الخطاب والمؤسسات، حيث تتحوّل المواجهة إلى تقنية لإعادة توزيع السلطة أكثر من كونها حدثًا عسكريًا صرفًا. ضمن هذا المنظور، تتبدّى الحروب الكبرى كآليات إنتاج للواقع السياسي، تُعيد ترتيب العلاقات بين المعرفة والقوة، وتكشف البنية العميقة التي تتحرّك ضمنها الدول وهي تسعى إلى تثبيت حضورها.
واضحٌ لي إلى حدٍّ كبير أن الأزمة العالمية الراهنة تواصل تطورها أو تدهورها لتنتهي قريبًا جدًا في وضع دولي جديد يتحقق فيه نوع من الاستقرار، بعد أن غاب الاستقرار لزهاء ثلاثين عامًا أو أكثر.