نادراً ما يُربط مسار حرب مفتوحة بموعد انتخابي محدد؛ فالحروب، في منطق الاستراتيجية، يفترض أن تحكمها موازين القوى في الميدان، ومدى تحقق الأهداف السياسية والعسكرية، وشروط التسوية الممكنة، لا روزنامة الاقتراع.
نادراً ما يُربط مسار حرب مفتوحة بموعد انتخابي محدد؛ فالحروب، في منطق الاستراتيجية، يفترض أن تحكمها موازين القوى في الميدان، ومدى تحقق الأهداف السياسية والعسكرية، وشروط التسوية الممكنة، لا روزنامة الاقتراع.
في 14 شباط/فبراير الماضي، لم يكن المشهد أمام ضريح رفيق الحريري مجرد استعادة سنوية لذكرى الاغتيال، ولا مجرد اختبار لقدرة «تيار المستقبل» على جمع جمهوره بعد سنوات من تعليق العمل السياسي. كان المشهد أقرب إلى اختبار لفكرة أكبر: ماذا بقي من الحريرية السياسية بعد أربعة أعوام من الغياب، وهل يستطيع سعد الحريري أن يعود إلى الموقع نفسه الذي تركه؟
يقول مايكل روبين، وهو خبير في شؤون إيران وتركيا والقرن الأفريقي، في مقالة له في موقع "ميدل إيست فوروم" إن الحوثيين، قبيل المواجهة الأخيرة في الساحل الغربي اليمني "كانوا قادرين على مهاجمة حركة الملاحة في باب المندب (بالصواريخ) انطلاقاً من الجبال الواقعة إلى الداخل من ساحل تهامة (قيبيل معركة المخا)، أما الآن فهم يتمركزون مباشرة عند نقطة الاختناق الاستراتيجية، ويمكنهم بسهولة أكبر زرع الألغام وإطلاق المسيّرات الغواصة والمسيّرات قصيرة المدى العاملة ضمن خط البصر على السفن".
في تطور جوهري ومنذر بعواقب وتداعيات على استراتيجية البحر الأحمر وحركة التجارة العالمية عبر قناة السويس، أحكم الحوثيون قبضتهم على مضيق باب المندب. كان ذلك داعيًا إلى تساؤلات ومخاوف واسعة من انتقال كتل النيران من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب على البحر الأحمر. إنها تداعيات الحرب على إيران، وإنذار مدوٍّ باختناق أكبر وأخطر في حركة ناقلات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية.
لم تعد نقاط الاختناق البحرية مجرد ممرات ضيقة تعبرها السفن، بل أصبحت عناصر حاسمة في بنية الاقتصاد والجغرافيا السياسية العالمية، نظراً إلى تركّز تدفقات الطاقة والتجارة عبرها وصعوبة استبدالها بسرعة وكفاءة عند حدوث اضطراب.
منذ اندلاعه قبل أكثر من عقد من الزمن، لم يعد الصراع في اليمن حرباً أهلية بالمعنى التقليدي، بقدر ما تحوّل إلى مسرح تتقاطع فيه حسابات محلية وإقليمية ودولية متشابكة، بحيث بات من الصعب فصل ما يجري داخل الحدود اليمنية عمّا يجري حولها. فاليمن، بموقعه المطل على مضيق باب المندب وأحد أهم الممرات الملاحية في العالم، لم يكن يوماً مجرد ساحة صراع داخلي، بل نقطة ارتكاز في معادلة أوسع تتصل بأمن الطاقة والملاحة الدولية والتوازنات الإقليمية بين محاور متعددة.
لم يعد الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط قضية مرتبطة بحقول بحرية متفرقة أو بنزاعات ترسيم حدود بين دول متجاورة. فالتطورات التي شهدها الشرق الأوسط خلال عام 2026، ولا سيما اضطراب حركة الطاقة عبر مضيق هرمز وباب المندب، أعادت تعريف وظيفة المنطقة بأكملها. ما كان يُقرأ سابقاً بوصفه تنافساً على مكامن الغاز أصبح جزءاً من صراع أوسع على الممرات التي تنقل الطاقة من الخليج وشرق المتوسط إلى أوروبا.
هذا النص المنشور في موقع "ذا أتلنتيك" ميزته بمضمونه السياسي الحاد وبكاتبه الأميركي روبرت كاغان، وهو من الباحثين والمؤرخين المنتمين إلى ما يُعرف بالتيار المحافظ الجديد في الولايات المتحدة. يشغل كاغان مناصب أكاديمية عدة وعمل مستشاراً للسياسة الخارجية لإدارات أميركية عدة وهو زوج فيكتوريا نولاند التي تولت منصب وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية خلال الجزء الأكبر من ولاية جو بايدن. أما المقال فهو بعنوان "إيران بلا قيود" وهذا أبرز ما تضمنه:
منذ اندلاع الحرب الأميركيّة-الإسرائيليّة على إيران في أواخر شباط/فبراير الماضي، يصعب على المراقب أن يتجاهل، خصوصاً في الأسابيع الأخيرة التي مرّت، أنّ شيئاً أعمق من الحرب نفسها يتحرّك تحت سطح الأحداث. فبعيداً عن ضجيج هذه الأخيرة، وعن الخطابات الأيديولوجيّة هنا وهناك، وعن محاولة كلّ طرف في الحرب إعلان انتصاره أو التّقليل من إنجازات الآخر.. تبدو المنطقة أمام مراجعة أوسع لتحالفاتها وللأسس التي قام عليها أمنها طوال عقود.
بعد أكثر من خمسة أشهر من عملية "الغضب الملحمي" ضد إيران التي تخللتها عمليات عسكرية وهدنات، اختار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تبني "الغضب الاقتصادي"، وسيلة ضغط أساسية على طهران لفتح مضيق هرمز، والعودة إلى طاولة المفاوضات. تطورٌ، يواجهه النظام الإيراني بتصعيد مطالبه والفصل بينها وبين أي قرار يتعلق بمستقبل مضيق بات من خلاله يملك تأثيراً كبيراً في مآلات الاقتصاد العالمي.