أيام ناريّة في لبنان والمنطقة خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وربّما لا تحتاج أسابيع، فالخطُّ القريب الفاصل هو الانتخابات الإسرائيليَّة والأميركية. وهي ليست عملية تعكس آليَّة تجديد السلطة بقدر ما تعكس سلسلة مآزق عند القيادتين الأميركية والإسرائيلية.
أيام ناريّة في لبنان والمنطقة خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وربّما لا تحتاج أسابيع، فالخطُّ القريب الفاصل هو الانتخابات الإسرائيليَّة والأميركية. وهي ليست عملية تعكس آليَّة تجديد السلطة بقدر ما تعكس سلسلة مآزق عند القيادتين الأميركية والإسرائيلية.
كيف يمكن مقاربة دينامية الترابط والانقطاع؛ الترابط الجيوسياسي والانقطاع الاستراتيجي بين عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023 وحرب الإبادة على الشعب الفلسطيني ثم الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران؟ وفي حال كانت الوقائع الجيوسياسية والعسكرية تؤكد هذا الترابط والانقطاع، هل هناك ما يبرر تناقض السرديات في هذا الشأن؟
لم تبدأ الحرب بين أميركا وإيران في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026. لم تبدأ باغتيال إسرائيل وأميركا القائد الأعلى لإيران آية الله علي خامنئي، وجمعٍ من القادة العسكريين الإيرانيين. لم تبدأ، أيضاً، قبل أشهر من ذلك، عندما استهدفت إسرائيل قادة الحرس الثوري وعلماء نوويين في حزيران/يونيو 2025. هذه محطات، قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وبعده. كلّها أيام في رزنامة الحرب المستمرة منذ عقود؛ منذ أن افترقت واشنطن وطهران إلى طرق متناقضة، وبالتحديد منذ أصبحت إيران جمهورية إسلامية.
بين الاتفاق المفاجىء لتزويد أميركا بالديزل الروسي للتغلب على الارتفاع الصاروخي للأسعار في الولايات المتحدة قبل الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وإعلان الكرملين الدخول في وساطة بين طهران وواشنطن، يتمظهر الترابط المتزايد بين حربي إيران وأوكرانيا.
تستحق الطريقة الأميركية في تبرير مشاريع الهيمنة على العالم التوقف عندها، لكن ما يستحق التوقف أكثر هو طريقة تعاطي الشعوب معها برغم تكرارها. فما تلا 11 أيلول/سبتمبر كشف جانباً من التصورات التي كانت تُعدّ في الولايات المتحدة منذ تسعينيات القرن الماضي لإعادة تشكيل النظام الدولي والشرق الأوسط. وما أعقب عملية خلة وردة في جنوب لبنان في تموز/يوليو 2006 لم يكن مجرد رد على أسر جنديين إسرائيليين، بل سرعان ما اندرج في خطاب أميركي معلن عن «شرق أوسط جديد".
ليس مضيق باب المندب مجرد مجرى مائي يصل بين حوضين بحريين، بل عقدة جيوسياسية مركبة تختزل معادلات واسعة من الصراع على الطاقة والتجارة وموازين النفوذ. فاختلال أمن الملاحة فيه لا يهدد اليمن أو الدول المطلة على البحر الأحمر فحسب، بل يصيب مباشرة شريان الإمداد بين آسيا وأوروبا، ويهدد عائدات قناة السويس، ويربك تدفقات النفط الخليجي، ممتدًا بآثاره الاقتصادية إلى مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن مسرح الصراع.
بينما كانت واشنطن تحتفي باستقبال الرئيس الصيني شي جين بينغ، ألقت طهران بكرة النار في الملعب الأميركي، عندما سلم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المبعوثين الرئاسيين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اقتراحاً جديداً لحل النزاع الذي يدخل غداً (الإثنين) شهره الثامن.
ثمة كتب يغيّر الزمن معناها قبل أن يجف حبرها. لا لأن الوقائع التي ترويها تصبح خاطئة بالضرورة، بل لأن المسافة بين لحظة الكتابة ولحظة القراءة قد تكون كافية لقلب زاوية النظر إليها. فما بدا في لحظة ما دليلاً على الصعود قد يصبح لاحقاً سؤالاً عن حدود القوة، وما قُدّم بوصفه انتصاراً للاستراتيجية قد يحتاج، بعد تبدل الميدان، إلى اختبار أكثر قسوة.
لم تعد الحروب الدائرة حول أوروبا وفي جوارها مجرد أزمات جيوسياسية بعيدة عن المواطن الأوروبي. فالحرب الروسية ـ الأوكرانية، ثم الحرب في الشرق الأوسط وما رافقها من اضطراب في حركة الملاحة والطاقة، بدأتا تتحولان إلى عاملين مؤثرين في حياة الأوروبيين: من أسعار الوقود والكهرباء والغاز إلى التضخم والنقل والهجرة والصناعة والقدرة الشرائية.
في الحروب الكبرى، لا تبدأ التسويات يوم يصمت السلاح، بل قبل ذلك، عبر قنوات جانبية ولقاءات تبدو منفصلة وإجراءات إنسانية صغيرة قد تصنع، بتراكمها، الطريق إلى طاولة التفاوض. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الحركة الدبلوماسية للكرسي الرسولي، من موسكو إلى أوروبا والشرق الأوسط، بوصفها محاولة لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة عندما تضيق القنوات الأخرى.