نادراً ما يُربط مسار حرب مفتوحة بموعد انتخابي محدد؛ فالحروب، في منطق الاستراتيجية، يفترض أن تحكمها موازين القوى في الميدان، ومدى تحقق الأهداف السياسية والعسكرية، وشروط التسوية الممكنة، لا روزنامة الاقتراع.
نادراً ما يُربط مسار حرب مفتوحة بموعد انتخابي محدد؛ فالحروب، في منطق الاستراتيجية، يفترض أن تحكمها موازين القوى في الميدان، ومدى تحقق الأهداف السياسية والعسكرية، وشروط التسوية الممكنة، لا روزنامة الاقتراع.
يقول مايكل روبين، وهو خبير في شؤون إيران وتركيا والقرن الأفريقي، في مقالة له في موقع "ميدل إيست فوروم" إن الحوثيين، قبيل المواجهة الأخيرة في الساحل الغربي اليمني "كانوا قادرين على مهاجمة حركة الملاحة في باب المندب (بالصواريخ) انطلاقاً من الجبال الواقعة إلى الداخل من ساحل تهامة (قيبيل معركة المخا)، أما الآن فهم يتمركزون مباشرة عند نقطة الاختناق الاستراتيجية، ويمكنهم بسهولة أكبر زرع الألغام وإطلاق المسيّرات الغواصة والمسيّرات قصيرة المدى العاملة ضمن خط البصر على السفن".
في تطور جوهري ومنذر بعواقب وتداعيات على استراتيجية البحر الأحمر وحركة التجارة العالمية عبر قناة السويس، أحكم الحوثيون قبضتهم على مضيق باب المندب. كان ذلك داعيًا إلى تساؤلات ومخاوف واسعة من انتقال كتل النيران من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب على البحر الأحمر. إنها تداعيات الحرب على إيران، وإنذار مدوٍّ باختناق أكبر وأخطر في حركة ناقلات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية.
بعد 25 عاماً على هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر البنتاغون في واشنطن، لا تزال آثار الصدمة بادية على الولايات المتحدة. انقلبت حياة الأميركيين وكذلك حياة الناس في دول أخرى وتغير مسار التاريخ، كما تغيّر عقب الهجوم الذي كان معادلاً للمباغتة اليابانية لبيرل هاربور في 1941.
يسود القلق داخل واشنطن حيال مسار الحرب مع إيران، على نحو لا تعكسه لغة الانتصار التي تطغى على الخطاب الرسمي. فالتقييمات التي جمعها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس من قادة عسكريين ومحللي استخبارات ترسم صورة أكثر تعقيدًا: استنزاف متزايد لمخزونات الأسلحة، وضغوط على صواريخ الاعتراض والذخائر الدقيقة، وقدرة إيرانية على التكيف مع الضربات وتحمل خسائر كبيرة، في وقت تضطر فيه الولايات المتحدة إلى التفكير في حرب لا تُقاس بنتائج الضربات اليومية فقط، بل بقدرتها على الاستمرار فيها.
لا يمكن قراءة فرص نجاح استراتيجية "الخنق الاقتصادي" الأميركية ضد إيران بمعزل عن الموقف الصيني. إذا قرّرت بكين تحدي العقوبات الأميركية والاستمرار بشراء النفط الإيراني، فإن ذلك يبدو كافياً لإفراغ هذه الاستراتيجية من مضمونها؛ أما إذا قرّرت بكين الحياد أو التراجع إلى الوراء، ربما تكون هذه هي الفرصة الوحيدة أمام إدارة ترامب لتسجيل نقاط سياسية، قبيل انتخابات التجديد النصفي في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
مصرُ «عبقرية المكان». تلك حقيقةٌ تحدَّث عنها مرارًا أكبرُ جغرافيٍّ استراتيجيٍّ في الثقافة العربية المعاصرة، الدكتور جمال حمدان. لم يعرف المعنى السياسي العميق لهذه الحقيقة إلّا ثلاثة أطرافٍ في المراحل القديمة والحديثة: المصريون القدماء الذين أسَّسوا أوَّل دولةٍ مركزيةٍ في التاريخ، وامتدادًا إلى محمد علي باشا الألباني الذي حكم مصر في القرن التاسع عشر إبّان السلطنة العثمانية، ثم جمال عبد الناصر في ثورة يوليو 1952.
في الحروب التقليدية، يكون النصر هو الغاية التي تُقاس بها الكلفة. أمّا في الحرب الأميركية على إيران، فثمة اقتصاد كامل يعمل خلف المدافع: كل صاروخ يُطلَق يحتاج إلى بديل، وكل مخزون ينخفض يفتح بابًا لتوسيع خطوط الإنتاج، وكل يوم يتعطل فيه مضيق هرمز يعيد تسعير النفط والشحن والتأمين والأسواق.
في إسرائيل، لا تُقاس الحروب فقط بما تحققه في الميدان، بل بما تستطيع الحكومة تحويله إلى شرعية سياسية في الداخل. وهذا البعد يكتسب أهمية خاصة في المرحلة الراهنة، حيث تقف إسرائيل أمام مفترق بالغ الحساسية: حرب تركت آثاراً عميقة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ومواجهة مفتوحة أو متحركة على الجبهة اللبنانية، وملف إيراني لم يُغلق، وتسويات إقليمية يجري البحث في ملامحها، وانتخابات كنيست مقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026.
قبل ثلاث سنوات فقط، كان ممكنًا للمرء الوقوف عند الجهة اللبنانية من الحدود مع إسرائيل، في قرية مروحين، وإذا كان الطقس صافيًا، فإنّه يرى حديقة البهائيين في جبل الكرمل المطل على مدينة حيفا. حينذاك، كانت الجغرافيا تتخادم وتقدّم جرعة قوةٍ لخطاب الدخول إلى الجليل، وتحرير فلسطين، والتفوق الاستراتيجي لإيران ومحورها في الإقليم. كان لبنان، بسبب الجغرافيا، رأس الحربة المنتظر على باب المرمى. لكن، فجأة، وقع السابع من أكتوبر.