ايران Archives - 180Post

EditorialCartoon_TrumpHuggingBomb_3_22_26.jpg

تعكس المقاربة الأميركية تجاه إيران اضطراباً استراتيجياً بقدر ما تكشف عن تداخل معقد بين الرغبة في التصعيد والخشية من كلفته. فإدارة دونالد ترامب، برغم خطابها الحاد، تبدو أقرب إلى إدارة أزمة مفتوحة منها إلى تنفيذ خطة متكاملة الأهداف. وبين ضغوط إسرائيل، وتحفظات الحلفاء، والانقسام الداخلي، يتحول القرار الأميركي إلى عملية موازنة دقيقة بين خيارات تبدو جميعها مكلفة.

88989898989898989.jpg

في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، حين أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما العسكرية المشتركة على إيران، لم يكن العالم يدرك بعد أنه يشهد بداية أكبر اضطراب في أسواق الطاقة العالمية منذ أزمة النفط عام 1973. غير أن ما بدا، للوهلة الأولى، أزمة عالمية تضرب الجميع بالتساوي، سرعان ما كشف عن رابح واحد هو الولايات المتحدة الأميركية نفسها.

Conflict-mechanism_0.jpg

تمنح الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ومساراتها المتغيرة، صدقية لمقولة الماريشال الألماني إيرفين رومل (ثعلب الصحراء) إبّان الحرب العالمية الثانية، بأن "كل الخطط العسكرية الموضوعة مسبقاً، تصبح غير قابلة للتطبيق فور بدء الحرب".

800-36.jpg

لم يكن التوتر بين إيران ودول الخليج العربي خلال العقود الأربعة الماضية مجرد خلاف سياسي تقليدي بين دول متجاورة. هو خلافٌ يعكس تنافسًا أعمق بين نموذجين مختلفين لبناء الشرعية السياسية والحضور الإقليمي في الشرق الأوسط. فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، برزت إيران بوصفها دولة تحمل مشروعًا عقائديًا ثوريًا يتجاوز حدودها الوطنية، بينما سلكت دول الخليج مسارًا مختلفًا يقوم بدرجة كبيرة على التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي والحماية الخارجية والانخراط في الاقتصاد العالمي، بوصفها مصادر أساسية لاستقرارها.

760.jpg

صرح وزير الخارجية الإيراني عبّاس عراقجي مؤخرًا بأن الصين وروسيا تواصلان تقديم الدعم لبلاده.. لكن بكين التزمت الصمت، برغم الشائعات المتداولة حول حدوث خسائر في صفوف فنيين وخبراء صينيين على الأرض.

800-34.jpg

لطالما تحدّثنا، في ما سلَفَ من قَولٍ ومن مَقال، حول خطورة حصر الوعي والعقل وحتّى الذّكاء.. في الذّهن ذي الأفكار والمفهوم، وخصوصاً حصرها في ما يُسمّى عادةً بالذّهن أو بالعقل التّكنولوجيّ أو التّقنيّ أو الأداتيّ (أو المادّيّ-التّقنيّ إلخ..). والواقع اليوم، الماثل أمام عيني الظّاهرة (وربّما كذلك أمام عيني الحدسيّة الباطنة) هو التّأكّد، أكثر فأكثر، من أنّ ظاهرة الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب، و"العقل" الذي يُمثّله.. هي خير تجسيدٍ أو تجلٍّ أو مِصداقٍ، لهذه الأطروحة العامّة.

one_dollar___vasco_gargalo.jpg

دخل العالم في مرحلة ما يُعرف بـِ"السيولةِ الإستراتيجيّة". نحو ثلاثةِ أسابيع من الحرب على إيران أظهرت أنَّ الكولونياليّة الرأسماليَّة الأميركية – الصهيونية تريد أن تقاتل للحفاظ على ما تراه مصالحها أو تحرق الكوكب. هنا يبرز واضحاً معنى السيولة الإستراتيجية الخطير، فالحرب مسرحها الآن إيران لكنَّ التشابك الجيو- سياسي يجعل تقسيم خط النار مستحيلاً. هو واحد متصل من أوكرانيا إلى غرب أوروبا فإلى الشرق الأوسط، ومن روسيا إلى وسط آسيا، ومن الصين إلى برِّها المجاور وأعالي البحار.

800-35.jpg

لبنان عند مفترق حاد، لكن السؤال المطروح عليه اليوم ليس جديداً بقدر ما هو مُعاد بصيغة أكثر قسوة: هل يُفاوض تحت النار، أم يؤجل التفاوض حتى تتغيّر موازين القوة؟ ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة هو أن أدوات الضغط لم تعد عسكرية فقط، بل بنيوية أيضاً، تطال الاقتصاد والمؤسسات والنزوح وخطاب الكراهية إلخ..

IMG_2026-03-09-english.jpg

منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، تشكّل ما يُعرف بـ"نظام البترودولار" كأحد أعمدة النظام المالي العالمي الحديث. فقد جاءت التفاهمات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في أعقاب انهيار نظام "بريتون وودز" لتربط تسعير النفط عالميًا بالدولار الأميركي، وهو ما فرض عمليًا على دول العالم شراء الطاقة بالدولار، ومنح الولايات المتحدة امتيازًا اقتصاديًا غير مسبوق.

IMG_8271-1.jpeg

في ظلّ التصعيد الإقليمي المتسارع، يصعب فهم الدور الإيراني في الشرق الأوسط عبر مقاربات تقليدية تختزل سلوك طهران في ردود فعل ظرفية أو سياسات آنية. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، عملت إيران على بلورة عقيدة استراتيجية مركّبة لإدارة نفوذها الإقليمي، يمكن اختصارها في إطارين متكاملين: ما يُعرف بـ«عقيدة الفسيفساء» و«الحزام الناري». هذان المفهومان لا يمثلان مجرد أدوات ظرفية، بل يشكّلان البنية العميقة التي تنظّم رؤية طهران للصراع وتحدد كيفية توظيفها للموارد السياسية والعسكرية في بيئة إقليمية معقدة.