قسد Archives - 180Post

800-3.png

في صباح اليوم الجمعة، 30 يناير/كانون الثاني 2026، بدا الاتفاق الذي أُعلن بين الحكومة السورية في مرحلتها الانتقالية برئاسة أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أشبه بحدثٍ يبدّل معنى الخرائط أكثر مما يبدّل سطور البيانات. فبعد أسابيع من التوتر، لم يكتفِ الطرفان بإعلان وقف إطلاق النار، بل قدّما صيغةً شاملة تُعيد توزيع القوة والسلاح والإدارة وتدفع شمال وشرق البلاد، للمرة الأولى منذ سنوات، باتجاه “اللون الواحد” تحت سيادة دمشق، مع استثناءٍ محسوب في الحسكة.

800-44.jpg

في الجزء الأول من هذا المقال، تناولنا التحوّل الجاري في مقاربة الدولة السورية للملف الكردي بوصفه محاولة لفصل مسارين طال خلطهما: حقوق الأكراد كمكوّن وطني داخل الدولة، ومصير «قسد» ككيان عسكري أمني نشأ في سياق الحرب على «داعش». هذا التحول يبقى مشروطاً بكيفية إدارة التفكيك والاستيعاب، وبقدرة الدولة على تحويل الاعتراف من مبادرة أحادية إلى عقد اجتماعي جامع من أجل عدم تضييع هذه الفرصة التاريخية.

750-7.jpg

ما جرى في شمال شرق سوريا لم يكن مجرّد اندفاعة عسكرية خاطفة. بل كان تعبيراً عن تقاطعات سورية وإقليمية ودولية اجتمعت تحت مظلة حماية وحدة الدولة السورية، بشرط انضوائها تحت سقف منظومة مصالح أميركية – تركية – سعودية، يؤمل أن تأخذ في الاعتبار لاحقاً مصالح دول أخرى أولها إسرائيل وثانيها الأردن.

750-1.png

في الخامس عشر من كانون الثاني/يناير الجاري، صرّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن بلاده تجري محادثات بشأن احتمال إبرام إتفاقية دفاعية مع باكستان والسعودية، وأنها تتطلّع إلى إنشاء منصات أمنية مشتركة بين الدول الثلاث. تقاطع كلامه مع تصريح وزير الإنتاج العسكري الباكستاني رضا حياة حراج في اليوم ذاته، والذي قال بأنّ الترتيبات بخصوص إنشاء اتفاق دفاعي بين هذه الدول موجودة وجدية: "تم الانتهاء بالفعل من مسودة الاتفاق الثلاثي بين باكستان والسعودية وتركيا، وتُجري الدول الثلاث مداولات داخلية بشأنها".

825.jpg

أصدر الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع مرسومًا رئاسيًا مفاده أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، اللغة الكردية لغة وطنية، يُسمح بتعليمها في المدارس، نوروز عيد رسمي، للمواطنين الكرد حق إحياء تراثهم وفنونهم، تُمنح الجنسية السورية للمقيمين الكرد غير المجنسين في الحسكة. فلماذا أصدر هذا المرسوم؟ ما هي مواضع ضعفه؟ ماذا عن حقوق الكرد على المدى الطويل؟ وكيف يمكن الانتقال من منطق تسييس الهويات إلى منطق المواطنة؟

750-3.jpg

أصبح واضحًا أنّ الإدارة الأميركيّة هي التي تدير فعليًّا منطقة الشرق الأوسط ومآلاتها، ذلك بالتنسيق مع القيادة الإسرائيليّة وحدها، وليس أيّ حليفٍ آخر، مهما كان تاريخه معها. لكن ما يلفت الانتباه أنّها تبدو لكثيرين "عقلانيّة" في المنطقة، على خلاف ما حدث في فنزويلا وما يدور حول غرينلاند.

750-12.jpg

لطالما فرضت الأحداث في الشرق الأوسط، تعديلاً في أولويات السياسة الخارجية للإدارات الأميركية ومن بينها إدارة الرئيس دونالد ترامب. المثال الأسطع على ذلك، الهجوم الذي نسب إلى تنظيم "داعش" في تدمر بالبادية السورية في 13 كانون الأول/ديسمبر الجاري، وما تلاه من ضربات "انتقامية" واسعة ضد معاقل للتنظيم في عدد من المحافظات السورية.  

NEW-SOURIA-..jpg

بعيدًا عن عنوان احتفالية السنة الأولى: "عام على التحرير"، فإنّ الأهم هو محاولة استشراف المستقبل السوري، من خلال قراءة أداء رئيس المرحلة الانتقالية على مدى السنة المنقضية. فقد بدا أنّ لسوريا اليوم رئيسًا يُخاطب الخارج اسمه أحمد الشرع، ورئيسًا للداخل اسمه "أبو محمد الجولاني"، والفارق بينهما أنّ الأول يلبس بدلة رسمية وربطة عنق، ويتوسّل الاعتراف الدولي والإقليمي به، فيما الثاني ما يزال يرتدي البذّة العسكرية ويعتمدها لغة لتعامله مع مكوّنات المجتمع السوري.

750-10.jpg

يُمثّل ملف تنظيم "داعش" في البادية السّورية ومخيم الهول في الشّمال الشّرقي أحد أكثر التّحديات تعقيدًا أمام الدّولة السّوريّة الجديدة. فبين نشاط خلايا التّنظيم في الصّحراء الممتدة بين وسط سوريا وحدود العراق، والوضع الشّائك لآلاف النّساء والأطفال والمحتجزين المرتبطين بالتّنظيم في الهول، تتقاطع الأبعاد الأمنيّة والقانونيّة والإنسانيّة والسّياسيّة في آنٍ واحد.

800-17.jpg

يقف المشهد السّوريّ في نهاية العام 2025 عند تقاطع تحوّلاتٍ إقليميّةٍ ودوليّة عميقة، بعد سقوط النّظام السّابق وبروز حكومةٍ انتقاليّةٍ برئاسة أحمد الشّرع. هذا التّحوّل لم يؤدِّ إلى استعادةٍ تلقائيّةٍ لسيادةٍ مركزيّةٍ مكتملة، بل فتح الباب أمام مرحلةً جديدةً تُعَادُ فيها صياغة موقع سوريا ضمن شبكةٍ واسعةٍ من التّوازنات المحيطة بها، مع حضورٍ مباشرٍ وغير مباشرٍ لقوًى إقليميّةٍ ودوليّةٍ متعدّدة.