من “السلطنة” إلى “العدالة والتنمية”.. تركيا تُغيّر جلدها لا بوصلتها

يعتقد كثيرون أنّ مصطفى كمال أتاتورك هو من قاد الجمهورية التركية نحو التغريب والقطيعة مع الموروث العربي الإسلامي، بينما تشير القراءة التاريخية إلى مسارٍ أكثر تعقيدًا. فالسلطنة العثمانية لم تكن، في جوهر توسعها، مشروعًا توحيديًا إسلاميًا، واعتمدت مقاربة فدرالية في إدارة المناطق التي سيّطرت عليها، وهو ما أسهم في إطالة عمرها، لكنه حمل في طياته عوامل تآكلها اللاحقة.

(“في العلاقات الدولية، لا ينبغي للمرء أن يكون حزبيًا أو مؤمنًا بأيّ شيء”).

إلبير أورطايلي؛ مؤرّخ ومفكر تركي معاصر.

بدأت حركة التغريب القويّة مع انحسار المدّ العثماني في أوروبا، وتحوُّل الممالك المسيحيّة إلى مركز إشعاع حضاري جديد نشأ نتيجة نهب الأميركيتين. هنا شعرت الإمبراطورية العثمانية بضرورة لملمة قوّتها أمام التقدم العسكري الغربي في القرن الثامن عشر. لكن لم يتوقف الأمر عند تحديث التقنية العسكرية فقط، إذ فرضت الحداثة الإدارية والمالية نفسها، ثم وصل الأمر إلى الحقوق في القرن التاسع عشر. وبالتالي فإن هذا التحول يعتبر مرحلة انتقالية مهمة في حياة الإمبراطوريّة العثمانية التي تبنت “التنظيمات” أو “الإصلاحات” على الطريقة الأوروبية.

لكن يبقى الأهم والأكثر تأثيرًا في التغريب هو التعليم. وفقًا للكاتب أكمل الدين إحسان أوغلو في كتابه “العلم في الدولة العثمانية”، فإنّ “تغريب العلم” كان استجابة براغماتية لأزمة التفوق الأوروبي. يُبيّن إحسان أوغلو أنّ العثمانيين أدركوا منذ القرن الثامن عشر أنّ الفجوة مع أوروبا ليست دينية، بل علمية وتقنيّة، لذلك اتجهوا إلى استيراد العلوم التطبيقيّة دون تبني الإطار الفلسفي أو الثقافي الغربي كاملًا، ما أدى إلى ازدواجية معرفيّة: علم حديث ذي مصدر أوروبي يحقق نتائج واقعيّة وملموسة، مقابل علم تقليدي ذي مرجعية إسلامية بات يقتصر على العلاقة الفردية والروحية للفرد، وهي ازدواجية تركت أثرًا عميقًا على الفكر العثماني لاحقًا.

ومع مصطفى كمال أتاتورك (1919–1938)، انتقلت تركيا من إرث الإمبراطورية العثمانية المهزومة في الحرب العالمية الأولى إلى دولة قومية مركزية ذات مشروع تحديثي جذري. وشكّل الإعلان المتتالي عن انتهاء السلطنة وولادة الجمهورية ونقل العاصمة من إسطنبول إلى أنقرة، إيذانًا بولادة نظام سياسي قومي علماني جديد، كان قائمًا على فكرة الحزب الواحد (حزب الشعب الجمهوري) بوصفه الناظم للتحولات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وفق منظومة قيم علمانية قومية هدفت إلى محاولة ربط تركيا بأوروبا الحديثة بعيدًا عن المشرق العربي.

تسعى تركيا كقوة إقليمية وازنة إلى تعظيم حصّتها من النفوذ، وبالتالي الحفاظ على مناعتها في مواجهة التحوّلات الكبرى التي يشهدها الإقليم والعالم، لا سيما في مرحلة ما بعد “طوفان الأقصى”.. وما تريده تركيا هو حصّتها من الحقوق المستباحة في منطقتنا، فإن لم تلتقطها هي التقطها غيرها من القوى الإقليمية أو الدولية

بهذا المعنى، لم تكن الكمالية مجرد انتقال سياسي لصالح بناء الدولة، بل مشروعًا لإعادة تعريف الدولة والهوية والمجتمع. وقد ظلّ إرثها بخلطته الفريدة من نوعها (الحداثة والسلطوية والعلمانية الصلبة والقومية المركزية إلخ..) المرجعيةً الحاكمة للصراع السياسي التركي حتى صعود المرحلة الأردوغانية التي أعادت طرح القضايا ذاتها ولو من من زوايا مختلفة.

تركيا العدالة والتنمية

ومع حقبة حزب العدالة والتنمية، كان اللافت للانتباه هو استمرار أنماط السلوك البراغماتي نفسه. شاركت القوات التركية في حرب أفغانستان عام 2001 تحت مظلة “الناتو”، وتعزّز هذا الدور مع وصول هذا الحزب إلى الحكم. وفي العراق، وبرغم تعثر المشاركة التركية عام 2003، جرى لاحقًا تصحيح المسار بما أتاح انخراط أنقرة ضمن التحالف الذي قادته واشنطن لاسقاط نظام صدام حسين.

ومع اندلاع ما يُسمى “الربيع العربي”، عارضت تركيا بداية التدخل العسكري في ليبيا، ثم انضمت سريعًا بعدها إلى جانب الدول الغربية الساعية لإسقاط نظام معمر القذافي. كانت تركيا أولى الدول التي تدخلت في سوريا ودعمت المعارضة المسلحة بعد مرور أشهر على اندلاع الأزمة السورية في العام 2011، برغم العلاقات الإستثنائية التي كانت قد ترسّخت بين الرئيسين بشار الأسد وأردوغان شخصيًا وحكوميًا، وبالتالي كانت الجزء الأهم والحاسم في إضعاف “سوريا السابقة” وإسقاط نظامها والمجيء بالنظام الجديد برئاسة أحمد الشرع. أيضاً كانت تركيا على مرّ كلّ السنوات الماضية جزءًا من القوى التي حاولت إضعاف النفوذ الإيراني في العراق وتشتيت حضوره. أمّا في أذربيجان، فقد كانت الداعم الأبرز إلى جانب الكيان الإسرائيلي لسلطة باكو المعادية لطهران، والأهم، أنها المحرك الأنشط بعد انتصار أذربيجان على أرمينيا من أجل إنشاء خط زنغزور الذي يعتبر مشروعًا يصب في مصلحة تركيا ويحدث خللًا في الثقل الجيوسياسي بين البلدين لصالح أنقرة.

التصدير التركي لإسرائيل

لم يكن السابع من تشرين الأول/أكتوبر تاريخاً عادياً في منطقة الشرق الأوسط. هو تاريخ مفصلي ليس على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي بل على أدوار وتوازنات عمرها عقود من الزمن. وبرغم العلاقة التي تجمع بين تركيا وحركة “حماس”، الفصيل السياسي المنخرط في التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، لم تكن تركيا عمليًا، في موقع الحياد. ففي الوقت الذي كانت الحكومة التركية، على لسان مسؤوليها، تهاجم تل أبيب، ظلّ التبادل التجاري قائمًا بين البلدين حتى تاريخ إعلان تركيا إيقافه في الثاني من أيار/مايو 2024. غير أنّ التقارير المتواترة، بما فيها بيانات الأمم المتحدة للتجارة، أظهرت أنّ تركيا بقيت من ضمن كبار المورّدين لإسرائيل خلال عام 2024.

إقرأ على موقع 180  الهجرة اليهوديّة إلى فلسطين والهجرة المضادّة.. ومن هم "شياطين العالم"؟ (5/5)

كما أنّ الارتفاع المفاجئ في قيمة الصادرات لكلّ من قبرص واليونان وبلغاريا إلى إسرائيل بعد الحظر التركي، يشير إلى تحوّل هذه الدول إلى وسيط ثالث بين أنقرة وتل أبيب. ويُعزّز هذا الاستنتاج الإرتفاع الكبير في الصادرات التركية إلى السلطة الفلسطينية، إذ لم تكن تتجاوز عام 2023 حاجز المئة مليون دولار، قبل أن تقفز إلى أكثر من 800 مليون دولار عام 2024، وهو ما يُظهر التفافًا عمليًا على قرار الحكومة التركية بتصفير التبادل التجاري مع إسرائيل.

إلى ذلك، فإنّ استمرار تدفّق النفط الأذربيجاني، الذي يشكّل قرابة أربعين بالمئة من واردات تل أبيب النفطية (47 بالمئة عام 2025)، عبر خط باكو–تبليسي–جيهان، يجعل من تركيا بلدًا مساهمًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تزويد إسرائيل بمادّة حيوية على الصعيدين الإقتصادي والعسكري.

فقط في اللحظة التي ينهار فيها النظام الدولي القائم، وتخرج الدول الإقليمية من تحت العباءة الأميركية، يصبح الحديث عن صدام تركي–إسرائيلي قابلًا للنقاش. حتى التحالف مع واشنطن ليس مبدئيًا ولا ثابتًا ولا أبديًا، كما يتصوّر خصوم تركيا أيضًا، بل هو تحالف ضرورة يفرضه منطق الهيمنة الأميركية. وفي لحظة تراجع هذه الهيمنة، لن تتردّد أنقرة في إعادة تموضعها

تركيا حليف موثوق لأميركا

ويُفضي التدقيق السياسي إلى الإستنتاج أن انفتاح الرئيس السوري أحمد الشرع على خيار تطبيع علاقات بلاده مع إسرائيل هو، في جوهره، مشروعٌ تركي يتماهى مع خطط الولايات المتحدة في المنطقة. وخلال مقابلة له على قناة (CNN TURK) في العام المنصرم، صرّح وزير الخارجية حقّان فيدان بأنّه “ليس لدى تركيا نيّة للدخول في صراع مع أيّ دولة في سوريا، وليس فقط إسرائيل”. وفي العام نفسه، قال فيدان في تصريح آخر إنّ “القضية الأساسية الآن بالنسبة للأميركيين ولنا هي ضمان أنّ تتوقف إسرائيل عن أن تكون تهديدًا لسوريا، وأنّ سوريا لا تشكل تهديدًا لإسرائيل”، وهي “ترى أنّ هناك حاجة للتوصل إلى نتائج من المفاوضات بين سوريا وإسرائيل لأنها مهمة لاستقرار سوريا والمنطقة”.

غير أنّ الأهمّ يبقى ما شهدته الأسابيع الأخيرة من سقوط مشروع الإدارة الذاتية الكردية، وتخلّي واشنطن عن حليفها الكردي “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) الذي قاتل بالنيابة عنها الحكومة المركزية في دمشق، ثم تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش). ويُمثّل هذا التحوّل مؤشرًا واضحًا على أنّ تركيا باتت حليفًا موثوقًا لواشنطن، وتتمتّع بأهمية تتجاوز مشروع الأكراد التفتيتي في المنطقة، وأنّ إدارة الملف السوري أُنيطت بأنقرة سياسيًا واقتصاديًا وإثنيًا، ضمن معادلة الحفاظ على المصالح الأميركية التركية في سوريا.

تحالف الضرورة

في المحصّلة، تسعى تركيا كقوة إقليمية وازنة إلى تعظيم حصّتها من النفوذ، وبالتالي الحفاظ على مناعتها في مواجهة التحوّلات الكبرى التي يشهدها الإقليم والعالم، لا سيما في مرحلة ما بعد “طوفان الأقصى”.. وما تريده تركيا هو حصّتها من الحقوق المستباحة في منطقتنا، فإن لم تلتقطها هي التقطها غيرها من القوى الإقليمية أو الدولية.

إنّ حدّ التعارض، لا الصدام، مع تل أبيب هو ما يضمن لأنقرة موقعها في معادلات الإقتصاد والأمن في الإقليم. أمّا وحدة سوريا، وقوّة حكومتها المركزية، وتحرير باقي الأراضي بعيدًا عن النفوذ الكردي ودعم “حماس”، فليست سوى سياسات تسمح لتركيا بملء الفراغ الجيوسياسي الذي قد يُحدثه سقوط النظام الإيراني.

فقط في اللحظة التي ينهار فيها النظام الدولي القائم، وتخرج الدول الإقليمية من تحت العباءة الأميركية، يصبح الحديث عن صدام تركي–إسرائيلي قابلًا للنقاش. حتى التحالف مع واشنطن ليس مبدئيًا ولا ثابتًا ولا أبديًا، كما يتصوّر خصوم تركيا أيضًا، بل هو تحالف ضرورة يفرضه منطق الهيمنة الأميركية. وفي لحظة تراجع هذه الهيمنة، لن تتردّد أنقرة في إعادة تموضعها. هذا ما لخّصه إلبير أورطايلي بقوله “إنّ التحالفات مؤقّتة، ويجب النظر إليها دائمًا من زاوية كيف ندخلها، وكيف نخرج منها إذا لزم الأمر”.

Print Friendly, PDF & Email
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  صفعةُ شيرين.. مراكمةٌ للوعي وتحصينٌٌ للذاكرة