يضع اتفاق الإطار الثلاثي، الموقَّع في واشنطن بتاريخ 26 حزيران/يونيو 2026 بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، لبنان أمام واحدة من أخطر لحظاته السيادية منذ اتفاق الطائف وصدور القرار الدولي الرقم 1701.
يضع اتفاق الإطار الثلاثي، الموقَّع في واشنطن بتاريخ 26 حزيران/يونيو 2026 بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، لبنان أمام واحدة من أخطر لحظاته السيادية منذ اتفاق الطائف وصدور القرار الدولي الرقم 1701.
في تاريخ لبنان الحديث لم يكن النقص يومًا في عدد الزعماء؛ فقد تعاقبت زعامات سياسية وطائفية وحزبية استقطبت الجماهير، وخاضت الصراعات، وأدارت الحروب والتسويات. غير أن وفرة الزعامات لم تُنتج وفرةً في رجال الدولة، ولذلك لم تكن الأزمات المتكررة ثمرة غياب الزعماء، بقدر ما كانت نتيجة ندرة رجال الدولة القادرين على الارتقاء بالمصلحة الوطنية فوق المصالح الجزئية، وصياغة أفق وطني جامع يجعل الدولة المرجعية العليا التي تنتظم في إطارها جميع الولاءات والانتماءات.
لنجرب اختبارًا بسيطًا، وإن كان محرجًا بعض الشيء. خذ صفحات من شرعات أحزاب لبنانية مختلفة، انزع عنها الأسماء والشعارات وصور المؤسسين، ثم اقرأها على مناصرين متحمسين. قد يعرف أحدهم تاريخ حزبه كما يعرف تاريخ عائلته، ويستحضر في دقائق أسماء الخصوم والحلفاء والمعارك القديمة، لكنه قد يتردد أمام النص نفسه: أيّ هذه الشرعات شرعته، وأيّها شرعة الحزب الذي يقف ضده؟
في السادس والعشرين من حزيران/يونيو 2026 المنصرم، حلّت الذكرى الثالثة عشرة لرحيل المفكر التونسي العفيف الأخضر (1934-2013)، الذي توفي في منفاه الباريسي بعد صراع طويل مع مرض السرطان. غير أن استعادة سيرته لا تكتسب أهميتها من المناسبة وحدها، بل لأنها تعيد التذكير بمثقف عربي ظل، حتى أيامه الأخيرة، يعتقد أن الحرية تبدأ من نقد الذات قبل نقد الآخرين، وأن الفكر الحقيقي لا يعرف اليقين النهائي.
في خضم الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان، برغم الاتفاق على وقف إطلاق النار في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، الذي لم تلتزم به إسرائيل منذ اليوم الأول لدخوله حيّز التنفيذ (27 نوفمبر)، وغداة توقيع مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية الخاصة بالوقف الفوري والدائم للأعمال العسكرية على مختلف الجبهات، ومنها لبنان، ثم توقيع الاتفاق الإطاري الثلاثي اللبناني ـ الإسرائيلي ـ الأميركي، الذي يُفترض أن يطلق مسارًا تفاوضيًا دبلوماسيًا لإنهاء الحرب، يطرح بقوة موضوع «اليوم التالي ما بعد اليونيفيل».
في أحد أكثر مشاهد مسلسل "الفايكنغز" دلالة، يُحذّر راغنار لوثبروك ابنه قائلاً: "السلطة خطرة دائمًا؛ إنها تجذب الأسوأ وتفسد الأفضل، ولا تُمنح إلا لمن يستعدون للانحطاط من أجلها". ليست العبارة تعريفًا للسلطة، لكنها تختصر إحدى مفارقاتها؛ فالسلطة التي يُفترض أن تحمي الجماعة قد تتحول إلى غاية تبرر التنازل عن جزء من حقوق الدولة وسيادتها عندما يصبح همّها الأول البقاء.
من مفارقات التواريخ أن يرحل أبرز قادة المقاومة اللبنانية فى مواجهة الاجتياح الإسرائيلى لبيروت عام (1982)، فى نفس يوم توقيع اتفاق إطارى مع قوات الاحتلال نفسها بعد أربعة وأربعين عامًا، كأن مغادرة الحياة كلها نوع من الاحتجاج.
من الحرب العالمية الأولى إلى "الحرب العالمية الثالثة"، لم يعد قصر فرساي مجرد تحفة معمارية تجسد ذروة المجد الملكي الفرنسي في عهد لويس الرابع عشر، بل تحول خلال القرن الأخير إلى شاهد على صياغة التحولات الكبرى في النظام الدولي.
ليست كل اتفاقية دولية مجرّد إجراء سياسي أو ممارسة تقنية لصلاحية دستورية. فحين تمسّ الاتفاقية السيادة، أو وحدة المجتمع، أو التوازنات التي يقوم عليها النظام السياسي، تصبح شرعيتها مرتبطة بمضمونها ونتائجها، لا بالجهة التي تفاوضت بشأنها فحسب. ومن هنا، يكتسب وصف رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري للاتفاق الإطاري الثلاثي بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل بأنه مدخل إلى «الفتنة» دلالة سياسية ودستورية تتجاوز حدود الموقف الشخصي.
من يُراقب المشهد اللبناني لا يصعب عليه أن يلاحظ أن الضغوط الأميركية والإسرائيلية لا تبدو منفصلة عن مسار التفاوض الإقليمي مع إيران. فلبنان، في هذه القراءة، لم يعد يُعامل كدولة ذات سيادة، بل كمساحة يُراد توظيفها لتحسين شروط التفاوض وانتزاع تنازلات على طاولات لا يجلس اللبنانيون إليها.