لبنان Archives - 180Post

720.jpg

في كل أرضٍ داستها أقدام الغُزاة، وُلد خياران.. خيار الّذين حملوا البنادق، وخيار الّذين حملوا الأعذار.. وبينهما، كانت الشعوب تمشي على حدّ السكين، وتتأرجح بين الكرامة والخوف، بين البقاء أحياء بأيّ ثمن، أو الموت واقفين. يُفضي ذلك إلى القول إن المُقاومة لم تكن يومًا محطّ إجماع.. بل كانت دائمًا فعل قلّة، يُحيط بها صمت الأكثريّة، وتُثقلها الخيانات.

800-22.jpg

ذكرنا في المقالة السابقة، "الولادات في لبنان بين ظاهرتي التعويض وجيل الصدى"، أن المجتمع اللبناني يتّجه إلى التعمّر، أي أن أعداد الفئة العمرية التي يزيد عمرها عن 65 عامًا في ازدياد مطّرد جعلت من المجتمع اللبناني أكثر المجتمعات العربية تعمّرًا حيث تبلغ نسبة هذه الفئة العمرية أكثر من 15% في العام 2026. ينعكس هذا الواقع سلبًا على معدلات الوفاة في لبنان، فالمجتمعات المعمّرة تزداد فيها نسب الوفيات عن تلك الفتيّة.

626591940022.jpg

في الحروب الحديثة، لم يعد التقدّم العسكري يُقاس فقط بعدد الكيلومترات التي تُحتل، بل بقدرة الأطراف على إنتاج معنى سياسي وانتصار قابل للتسويق. فالجيوش، حين تعجز عن تحقيق أهدافها الكبرى، لا تتوقف عن القتال، بل تعيد تعريف أهدافها، وتنقل المعركة من الجغرافيا إلى الرمزية، ومن السيطرة الميدانية إلى صناعة الصورة.

800-20.jpg

منذ أكثر من نصف قرن من الزمن كتبتُ وحاضرتُ في القانون الدولي وأهمية قواعده على صعيد العلاقات الدولية، سواء في فترة الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الغربي والشرقي، أم ما بعدها؛ ونشرتُ مقالةً في مجلة "الثقافة الجديدة" العراقية في العام 1975 بعنوان "ديبلوماسية السلم وتعريف العدوان في القانون الدولي"، وذلك بعد صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314 (1974) حول تعريف العدوان، واعتبرت ذلك حدثًا مهمًا وتطورًا كبيرًا.

800-17.jpg

في لحظات التحوّل الكبرى، تتحول النصوص الدستورية من إطار ناظم للسلطة إلى ساحة تأويل سياسي مفتوح. وفي لبنان، حيث تتشابك الاعتبارات القانونية مع التوازنات الميثاقية، تبرز مسألة التفاوض المباشر مع إسرائيل كقضية تتجاوز بعدها الدبلوماسي، لتلامس صميم الشرعية الدستورية ومبدأ سيادة القانون.

800-19.jpg

في بلد تبدو فيه القوانين قائمة دون أن تُطبّق، والمؤسسات حاضرة دون أن تحكم، تتحول القاعدة إلى نص بلا أثر، والاستثناء إلى واقع يومي. فالمشكلة لم تعد في غياب القوانين، بل في تحوّلها إلى نصوص معلّقة، مقابل واقع تُنتج فيه السلطة قواعدها خارج مؤسسات الدولة. فيغدو الخروج عن القانون جزءًا من الحياة اليومية لا سيما بين مؤسسات عاجزة وسلطات متعدّدة، وعليه يكاد الاستثناء يتحول إلى القاعدة. هنا، لا يعود السؤال عمّا إذا كان لبنان يملك إطارًا للشرعية، بل عمّا إذا كان لا يزال محكومًا بها، أم أنه استقر في حالة استثناء دائمة.

800-18.jpg

إنّ القراءة الموضوعيّة والواقعيّة للمشهد اللّبنانيّ اليوم، مع الابتعاد عن الاصطفافات العاطفيّة والأيديولوجيّة، تشير إلى أنّ التّقديرات التي سادت لدى أقطاب السّلطة اللّبنانيّة، وكذلك لدى أقطاب الحكومة الاسرائيليّة، قبل الثّاني من آذار/مارس الفائت... لم تعكس، في أحسن الأحوال، الواقع الميدانيّ والأمنيّ بدقّة. وهذا ما يُفسّر التّطوّرات الرّاهنة إلى حدّ كبير، بما في ذلك جولة المفاوضات المباشرة في واشنطن، وما سبقها من أخذ وردّ حول قضيّة وقف النّار أو الهدنة المؤقّتة أو التّدرجيّة على الجبهة اللّبنانيّة.

790.png

لطالما أتقنت بيئة المقاومة في لبنان فنّ امتطاء التحولات الطارئة وركوب الرياح اللّاهبة كطائر العنقاء؛ أسطورة تتحدث عن أصعب اللحظات التي يمكن أن يواجهها الطائر، وهي لحظة الاشتعال الكلّي، لكنه يدرك بفطرته، في تلك اللحظة، أنّ الاشتعال يطال بالضرورة أماكن الضعف، ما يعني أنها ليست علامة النهاية، وعليه ألا يدع روحه تطالها النيران، بل أن يجعلها مشتعلة وخلّاقة وولّادة طاقة.

750.png

تأتي الذكرى الحادية والخمسين للحرب اللبنانية التي اندلعت في 13 نيسان/أبريل 1975، فيما يستعد لبنان لبدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في واشنطن، تحت مظلّة العدوان الإسرائيلي المستمر، والتشظي الكبير في الموقف الوطني، حيث لا تحمل الدولة اللبنانية بعدُ سلة تفاوضية جامعة في جعبتها باسم جميع مكوّناتها، ولا يقيها سقفٌ سياسيٌّ وإقليميٌّ واضحٌ يضبط هذه المحادثات ويمنع انزلاقها من التفاوض إلى الإملاء. هكذا يعود السؤال اللبناني القديم، لكن بصيغة أشدّ خطورة: هل تدخل الدولة إلى التفاوض طلبًا لوقف النار وحماية السلم الأهلي، أم تدخل إليه تحت النار ومن دون تفويض جامع، فتتحول الطاولة نفسها إلى امتداد للحرب بوسائل أخرى؟ 

800-15.jpg

في 13 نيسان/أبريل 2026، تمرّ واحد وخمسون سنة على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، حدثٌ لم يُطوَ بعد من الذاكرة الجماعية، ولم تتحوّل دروسه إلى ضمانة لعدم تكراره. فالحرب، وإن توقفت عسكرياً، ما زالت حاضرة في خطاب الكراهية؛ في لغة الغاء الآخر؛ في الانقسامات التي تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة؛ لكأن التاريخ لا يُعلمنا، بل نصرُّ على إعادة كتابة الصفحات المؤلمة نفسها.