لبنان Archives - 180Post

749.jpg

لطالما جرى التعامل مع أزمة الكهرباء في لبنان بوصفها أزمة تقنية: معامل لا تنتج بما يكفي، شبكة متهالكة، نقص في التمويل، وتعرفة تحتاج إلى إصلاح. لكن أزمة الكهرباء، في واقعها السياسي، أعمق من ذلك بكثير. فهي تكشف طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ومن يملك القرار والموارد، ومن يستطيع الحصول على الخدمة، ومن يُترك خارجها.

1000068011.jpg

لا تُعلن إسرائيل حدودها التوراتيّة دفعة واحدة. تجرّبها أولاً. ترسم خطاً عسكرياً، تُفرغ ما وراءه من السكان، تنقل صلاحية من الجيش إلى الشرطة، تشق طريقاً للمستوطنين، ثم تترك الزمن يهجّن العالم على الخريطة. وحين يأتي القانون متأخراً ليمنح السرقة اسماً إدارياً، تكون الجغرافيا قد سبقت النقاش بسنوات.

800-12.jpg

​في إسرائيل، لا تُقاس الحروب فقط بما تحققه في الميدان، بل بما تستطيع الحكومة تحويله إلى شرعية سياسية في الداخل. وهذا البعد يكتسب أهمية خاصة في المرحلة الراهنة، حيث تقف إسرائيل أمام مفترق بالغ الحساسية: حرب تركت آثاراً عميقة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ومواجهة مفتوحة أو متحركة على الجبهة اللبنانية، وملف إيراني لم يُغلق، وتسويات إقليمية يجري البحث في ملامحها، وانتخابات كنيست مقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

1-4.jpg

لا تبدو المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية مجرد مسار دبلوماسي للبحث عن نهاية حرب وبداية سلام. ثمة صراع أكثر عمقًا على معنى الأمن والسيادة والقوة؛ على الجهة التي تملك حق القرار في بلد نشأت فيه، على مدى عقود، علاقة ملتبسة بين الدولة والسلاح والمجتمع. لذا تبدو الحرب الإقليمية الراهنة لحظة كاشفة: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تستعيد احتكار القوة من دون أن تحول هذه العملية إلى صراع على النظام السياسي نفسه؟

slider.jpg

الوطن هو الوعدُ بأن يجد الإنسان في غدِه ثمرةَ جهد يومِه، وأن يكون له فيه ما يستحق أن يعيش من أجله. وحين ينكسر هذا الوعد، ينهار الوطن مرتين: مرةً بعجز مؤسساته عن حماية أبنائه، ومرةً أشد فداحةً بفقدانهم الإيمان بمستقبلهم فيه؛ فتتعطل الدولة أولًا، ثم ينهار معنى الوطن وتنقطع الصلة بين جهد اليوم ووعد الغد.

800-11.jpg

قبل ثلاث سنوات فقط، كان ممكنًا للمرء الوقوف عند الجهة اللبنانية من الحدود مع إسرائيل، في قرية مروحين، وإذا كان الطقس صافيًا، فإنّه يرى حديقة البهائيين في جبل الكرمل المطل على مدينة حيفا. حينذاك، كانت الجغرافيا تتخادم وتقدّم جرعة قوةٍ لخطاب الدخول إلى الجليل، وتحرير فلسطين، والتفوق الاستراتيجي لإيران ومحورها في الإقليم. كان لبنان، بسبب الجغرافيا، رأس الحربة المنتظر على باب المرمى. لكن، فجأة، وقع السابع من أكتوبر.

800-10.jpg

في السابع عشر من كانون الأول/ديسمبر 2010، أضرم محمد البوعزيزي النار في جسده أمام مقر ولاية سيدي بوزيد. كان بائعًا متجولًا في مدينة تونسية بعيدة عن مركز السلطة، يحمل مظلمة شخصية تشبه مظالم آلاف الشبان العرب: عمل هش، ضيق اقتصادي، احتكاك مهين مع الإدارة، وأفق يزداد اختناقًا.

900.jpg

بعد كل ما جرى وما يزال يجري في بلادنا الشامية، لم يعدْ أمامنا سوى التاريخ لنستقي منه العِبَر، علّنا جميعاً نعيد النظر في ما نحن عليه اليوم، وفي ما ننوي تحقيقه في المستقبل!

799-1.jpg

جميعنا، أبناء الجنوب، وخصوصاً أبناء القرى المحتلة، نحلم بانسحاب الاحتلال الإسرائيلي والعودة إليها لتفقد بيوتنا أو ما تبقى من أثر لها في ضوء ما شهدته المدن والقرى الجنوبية، من تدمير وتجريف ومحو لمعالم الحياة والإنسانية.

800-5.jpg

ثمة مفارقة تختصر جانباً كبيراً من أزمة الدولة في لبنان: أنّها تعرف عن مواطنها أكثر مما تعرف أحياناً عن نفسها. تعرف عقاره، ضريبته، سيارته، معاملاته، وتستطيع ملاحقته إذا بنى غرفة غير مرخصة أو حفر بئراً من دون إذن؛ لكنها قد تصل إلى طاولة تفاوض في قضية سيادية، فتكتشف أنها لا تملك ملفاً كاملاً، ولا معلومة موثقة، ولا جهازاً متفرغاً لجمعها.. ولا إرادة بجعل معيار المصلحة الوطنية العليا يتقدم على غيره من معايير.