لبنان Archives - 180Post

800-27.jpg

ليست المشكلة الأساسية في مشروع الموازنة اللبنانية للعام 2027 أنّه يرفع رسمًا هنا، أو يخفض ضريبة هناك، أو يبتكر آلية جديدة للتحصيل. المشكلة أعمق. النصّ لا يكشف عن عقيدة مالية متماسكة للدولة. هو أقرب إلى دفتر واسع لتعديل الضرائب والرسوم وإدارة السيولة منه إلى موازنة بالمعنى الاقتصادي والدستوري للكلمة؛ أي إلى وثيقة تحدد أين تريد الدولة أن تذهب، وكيف ستوزّع كلفة الأزمة، ومن سيدفع ثمن التعافي.

800-26.jpg

في كل عام، يعود الحديث لبنانياً عن الموازنة السنوية العامة من خلال مقاربتين أساسيتين تطغيان على سائر المقاربات الأخرى. الأولى، تناقش شكل الموازنة، ويتركز فيها الكلام على تأخرها، وعلى القاعدة الاثني عشرية، وغياب قطوعات الحسابات؛ وتمجيد إقرار مشروع الموازنة قبل انتهاء المهلة القانونية، وما يتبع ذلك من تمجيد «الدولة» و«عودة الدولة» ومحاربة الفساد. أما المقاربة الثانية، فتناقش الموازنة نفسها من حيث المضمون، فيطغى فيها الكلام عن انتفاخ بند هنا، وفساد هناك، وزيادة الضرائب، وعملية الجباية، وغيرها. وهي، بلا شك، مواضيع مهمة تعني المواطنين بصورة أساسية.

1376789-1.jpg

أسابيع قليلة تفصل الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول/أكتوبر عن الانتخابات النصفية الاميركية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، لكن المنطقة دخلت منذ الآن مرحلة انتظار سياسي مفتوحة على احتمالات متعددة. إسرائيل ترتب حساباتها قبل صناديق الاقتراع، وواشنطن تدير أكثر من جبهة في آن واحد، وفرنسا تحاول تثبيت موقعها في لبنان، فيما يتحول اليمن إلى عقدة استراتيجية عند باب المندب. الجميع يتحرك ويتفاوض ويعيد ترتيب أوراقه، بينما تتجه القرارات الكبرى إلى ما بعد اتضاح صورة السلطة في إسرائيل واتجاه السياسة الاميركية بعد الانتخابات النصفية.

750.png

تحدّثنا مراراً وتكراراً عن مسألة مفهوم الدّولة ومفهوم بناء الدّولة، وعن اشكاليّة استخدامهما في سياق وجود تأثير - وربّما تحكّم - استعماريّ خارجيّ بشكل خاصّ. ويبدو أنّ هذه الاشكاليّة تتفاقم في ملفات كثيرة في المنطقة، لا سيّما منذ اندلاع الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة الأخيرة على إيران.

1000088357.jpg

نادراً ما يُربط مسار حرب مفتوحة بموعد انتخابي محدد؛ فالحروب، في منطق الاستراتيجية، يفترض أن تحكمها موازين القوى في الميدان، ومدى تحقق الأهداف السياسية والعسكرية، وشروط التسوية الممكنة، لا روزنامة الاقتراع.

800-22.jpg

في 14 شباط/فبراير الماضي، لم يكن المشهد أمام ضريح رفيق الحريري مجرد استعادة سنوية لذكرى الاغتيال، ولا مجرد اختبار لقدرة «تيار المستقبل» على جمع جمهوره بعد سنوات من تعليق العمل السياسي. كان المشهد أقرب إلى اختبار لفكرة أكبر: ماذا بقي من الحريرية السياسية بعد أربعة أعوام من الغياب، وهل يستطيع سعد الحريري أن يعود إلى الموقع نفسه الذي تركه؟

Pager-War.jpg

تأتي الذكرى الثانية لتفجير أجهزة الـ"باجرز" والاتصال اللاسلكي في لبنان لتستحضر واحدة من أكثر اللحظات قسوة وذهولاً في تاريخ المقاومة اللبنانية؛ يومٌ تحولت فيه وسائل الاتصال اليومية إلى أدوات للموت والدمار، مخلفةً وراءها آلاف الجرحى ومئات الشهداء، وجراحاً عميقة لم تلتئم بعد. لم يكن التفجير خرقاً أمنياً وتكنولوجياً غير مسبوق فحسب، بل كان لحظة فارقة أعادت تعريف مفاهيم الأمان في عصر التكنولوجيا المتقدمة.

C40024E5-B246-4FE5-9E64-951DC96E1DAD.jpg

ثمة لحظات سياسية تصبح فيها قراءة الجمهور أكثر دلالة من قراءة القيادة نفسها. فالجمهور، خصوصًا عندما يرتبط بقضية تتجاوز السياسة اليومية إلى الهوية والعقيدة والذاكرة، يتحول إلى كتلة وجدانية تستقبل الخسارة بوصفها إصابة في المعنى الذي بنت عليه تاريخها وصورتها عن ذاتها.

800-20.jpg

من خلال تتبّع أسماء اللبنانيين على امتداد عقود، يمكن قراءة جانب من تاريخ الجماعات وهوياتها وتحولاتها من زاوية تبدو شخصية جدًا، لكنها تكشف الكثير عن المجتمع. ويعكس تحليل الأسماء، بناءً على الانتماءات الثقافية والدينية، البنية الذهنية للأهل الذين أطلقوا هذه التسميات على أبنائهم، بحيث تصبح منظومة التسميات أقرب إلى نافذة على الثقافة السائدة في المجتمع. ومع تنوّع المجتمعات وتعدّد منظومات التسميات فيها، تتعدّد هذه النوافذ، لنصبح في لبنان، مثلًا، كأننا أمام "بيت بنوافذ كثيرة"، بالإذن من المؤرخ الراحل كمال الصليبي صاحب كتاب "بيت بمنازل كثيرة".

769.jpg

في الثامن من أيلول/سبتمبر 2026، وقبل ثلاثة أيام من الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 أيلول، أعلن عمدة نيويورك زهران ممداني الإفراج عن أكثر من 170 ألف صفحة من سجلات المدينة المتعلقة بنوعية الهواء والمخاطر الصحية التي أعقبت انهيار مركز التجارة العالمي. لم تكن أهمية الإعلان في عدد الصفحات وحده، بل في الحقيقة التي أعادها إلى الواجهة بعد ربع قرن: آلاف الأشخاص عادوا إلى بيوتهم وأعمالهم وهم يعتقدون أن الهواء آمن، فيما كانت السلطات تعرف أن المشهد أكثر خطورة بكثير. وقد لخّص ممداني المأساة بعبارة قاسية: الناس مرضوا لأنهم وثقوا بقادة قالوا لهم إن الهواء صالح للتنفس.