لبنان Archives - 180Post

800-39.jpg

دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة تحوّل جذري بعد أن شكّلت أحداث غزة (بدءًا من "طوفان الأقصى") بداية انعطافة كشفت هشاشة البنى الاستراتيجية الإقليمية في الشرق الأوسط. وفي ظل هذا الواقع المتقلّب، يشهد لبنان تحولات داخلية عميقة تتقاطع مع اقتراب الانتخابات النيابية في الربيع المقبل (إن حصلت في موعدها) بوصفها محطة مفصلية لإعادة تشكيل السلطة.

800-36.jpg

تتمثل المأساة الإنسانية في أعمق صورها عندما يُوضَع المرء أمام خيار مقايضة وجوده المعنوي بمكاسب مادية زائلة. فكرةٌ خلّدتها الأدبيات العالمية سواء في قصة «فاوست» (مسرحية فاوست لغوته) عبر مقايضة تمنح القوة مقابل الروح، وقصة «بيتر شليميل» (لأديلبرت فون شاميسو) عبر مقايضة ظله مقابل صُرّة مال لا تنضب. في القصتين نجد أن البطل يكتشف متأخرًا أن ما اعتبره تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه كان هو الحصن الذي يمنحه الكرامة والحماية والاعتراف بين البشر. وعند إسقاط هذه الرمزية على واقعنا اللبناني نجد أننا أمام من يُروّج لبيع الظل المقاوم مقابل وعود بالرفاهية الاقتصادية والرضا الدولي.

800-31.jpg

تبحث الكائنات عن كمالها، وكما يقول أهل الفلسفة، الكائنات مفطورة على البحث عن ذلك، وتبحث عن القوة بكل أبعادها باعتبارها حاجة نحو كمالها وخروجها من الفاقة والعوز. تراها تسعى لتحصيل الثروة والمال وقوة البدن والعلم ما أمكنها ذلك. فكل الكائنات الحية تنشد بسطة في العلم والجسم. هكذا حال الأفراد والجماعات والأمم، الذي لا يتبدل ولا يتغير.

736-1.jpg

لم تكن الحروب يومًا مجرد بارود ونار؛ بل هي في جوهرها صراع على «المعنى». تسعى السلطة الغاشمة لتأبيد سيطرتها بقتل الجسد والفكرة التي حرّكته ليكون مشتَبِكًا ثوريًّا، وتقوم بذلك عبر تفكيك لغته وقيمه وذاكرته ومؤسساته، حتى يصبح وجوده بلا معنى. وهذا ما يجعلنا على تخوم مفهوم «الإبادة الثقافية»، لا سيّما في فلسطين ولبنان، من خلال تدمير الثقافة وتفكيك المجتمع واستئصال ذاكرته الخاصة بما يكون له أثر يفوق الرصاص وأكثر؛ فالرصاص يقتل الجسد، أما "الإبادة الثقافية" وكيّ الوعي فيقتلان المعنى الذي يجعل الجسد قادرًا على النهوض من جديد.

800-27.jpg

فظيعٌ لبنان السياسي. فظيعٌ كيف يلتهم القادة كما تلتهم النار هشيمها، وكيف يبتلع الأفكار والثورات والثوار، كما يبتلع البحر أسراره. هذا بلدٌ لا يشيخ، لكنه يُشيِّع أبناءه كل يوم. بلدٌ يحمل على كتفيه المرهقتين أعباء المنطقةٍ كاملة، ثم يُطالَب بأن يبتسم للكاميرات ويؤدي دوره في مسرحٍ لا تنطفئ أضواءه.

780-1.jpg

لم تكن الذكرى الواحدة والعشرون لاغتيال الرئيس رفيق الحريري كسابقاتها في الأعوام الستة الماضية، ولو أن المشهد كان نفسه لجهة الحشود الشعبية قرب الضريح في قلب العاصمة اللبنانية بيروت، والرئيس السابق سعد الحريري مع أفراد العائلة يقرأون الفاتحة والدمعة في عينيه، والهتافات التي رافقت المشهد كموسيقى تصويرية («بالدم بالروح نفديك يا شيخ سعد»)، وأعلام تيار المستقبل الزرقاء هي نفسها ترفرف تحت رذاذ المطر، ولكن المتغير الوحيد هو خطاب الحريري نفسه.

750-4.jpg

في الرابع عشر من شباط/فبراير 2005، هزّ انفجار مدوٍّ قلب بيروت، وأودى بحياة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، مطلقًا سلسلة من التحولات العميقة التي امتدت من الداخل اللبناني إلى محيطه الإقليمي. لم يكن هذا الاغتيال مجرد تصفية سياسية لرجل نافذ، بل كان زلزالًا أنهى مرحلة كاملة وفتح الباب أمام إعادة رسم توازنات لبنانية كانت تبدو راسخة ومستقرة منذ زمن طويل.

800-24.jpg

لم يكن الخطاب الذي ألقاه سعد الحريري في الرابع عشر من شباط/فبراير 2026 مجرد استعادة رمزية لذكرى اغتيال والده رفيق الحريري، بل بدا أقرب إلى لحظة قياس سياسي دقيقة، اختبر فيها موقعه في مشهد لبناني وإقليمي متحوّل، وحدود حضوره، وطبيعة ما يمكن قوله وما يجب الإبقاء عليه في منطقة الصمت. فاللغة التي اعتمدها، بقدر ما حملت شحنة وجدانية، جاءت محسوبة بعناية، خالية من الإعلانات الصريحة، ومفتوحة على أكثر من تأويل، في انسجام مع مرحلة تتّسم بالسيولة وعدم الاستقرار في موازين القوى.

800-26.jpg

من شباط/فبراير القارس في فيينا عام 2022 إلى شباط/فبراير القارس أيضاً في جنيف 2026، ثمة مسافة من الزمن والأحداث، وما زال النقاش ذاته: اتفاق أو لا اتفاق. حرب أو لا حرب. أميركا وإسرائيل وإيران ووسطاء عديدون تتجاذبهم عقد عديدة بعناوين الملف النووي والبرنامج الصاروخي والأذرعة.. لذا، كل الاحتمالات تبقى مفتوحة.

799-1.jpg

أدّى الانهيار المالي في لبنان عام 2019 إلى فقدان ثقة اللبنانيين، المقيمين وغير المقيمين، وكذلك السوريين وغيرهم، بالمصارف اللبنانيّة. فقدت الودائع بالعملة المحليّة قيمتها، وتجمّدت الودائع بالعملات الخارجيّة، وأضحت تُسمّى "لولارات"، أي دولارات أمريكيّة مسجّلة في ميزانيّات المصارف فقدت هي أيضاً قيمتها الفعليّة، ولم يعد بإمكان المودعين استرجاع سوى مبالغ زهيدة منها بالقيمة الحقيقيّة. وكي تستمرّ المصارف بالعمل، خاصّةً في مجال التجارة الخارجيّة، تمّ قبول ودائع جديدة بالعملة الصعبة يمكن تحريكها بحريّة، وابتُدع لها اسم "دولارات طازجة" (Fresh Dollars)، تمييزاً لها عن الودائع المجمّدة السابقة.