بسرعة لم يتخيلها أحد، يقوم الرئيس دونالد ترامب، الذي لم تنتهِ بعدُ سنةُ حكمه الأولى، إذ يتبقى له ثلاث سنوات كاملة وعدة أيام، بتفكيك قواعد النظام العالمي في سابقة تاريخية، يُعاد معها تعريف الدور الأميركي الجديد على الساحة العالمية.
بسرعة لم يتخيلها أحد، يقوم الرئيس دونالد ترامب، الذي لم تنتهِ بعدُ سنةُ حكمه الأولى، إذ يتبقى له ثلاث سنوات كاملة وعدة أيام، بتفكيك قواعد النظام العالمي في سابقة تاريخية، يُعاد معها تعريف الدور الأميركي الجديد على الساحة العالمية.
في مطلع القرن الحادي والعشرين، أطلق السياسي والمفكر الأميركي باتريك جيه بوكانن صرخة تحذيرية في كتابه الشهير "موت الغرب"، معتبرًا أن الحضارة الغربية تسير نحو حتفها بسبب ما أسماه الانتحار البيولوجي الناتج عن نقص الولادات، والتآكل الثقافي الناجم عن ضياع الجذور المسيحية والقيم التقليدية. الأفول الذي تنبأ به بوكانن بات يتخذ مسارات أشد قتامة ووحشية مما خطه قلمه. فالغرب اليوم لا يواجه موتًا ديموغرافيًا صامتًا فحسب، بل يعيش حالة انكشاف أخلاقي كامل، تتجلى بوضوح في حرب الإبادة الجماعية على غزة، وفي سياسات البلطجة تجاه كل من يرفض الانصياع لهيمنة الغرب المطلقة.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في صباح الثالث من كانون الثاني/يناير 2026، أنّ الولايات المتحدة نفّذت عملية عسكرية داخل فنزويلا انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما جوًا خارج البلاد، وسط تقارير مصوّرة أكدت حدوث ضربات وانفجارات في كاراكاس، ولم تمض ساعات حتى كانت واشنطن تُعلن عن نقل مادورو إلى سجن في بروكلين بمدينة نيويورك، تمهيداً لمحاكته.
لم يكن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذ هجوم عسكري في فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته حدثًا عابرًا، بل كان التجسيد الأكثر فجاجة لما يمكن تسميته بالنسخة المشوّهة، أو النسخة الانتحارية، من أطروحة الفيلسوف الأميركي فرانسيس فوكوياما عن «نهاية التاريخ».
خلال الأسابيع القليلة الماضية، تصاعدت حدة التوتر في العلاقات بين إدارة الرئيس دونالد ترامب ورئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، الذي يحكم البلاد منذ عام ٢٠١٣. فالإجراءات التي اتخذتها واشنطن مؤخرًا، سواء تلك المتعلقة بمصادرة شحنات نفط فنزويلية أو تشديد القيود على حركة ناقلات مرتبطة بكاراكاس، هي ببساطة محاولة أميركية لإعادة صياغة قواعد اللعبة، ليس فقط في سوق النفط، بل أيضًا فيما يتعلق بالسيادة وحدود القوة، حيث تسعى واشنطن إلى استغلال ضعف قواعد النظام الدولي لتوسيع هيمنتها في أميركا اللاتينية، وهو الأمر الذي ترجمته إدارة الرئيس الأميركي في وثيقة الأمن القومي التي صدرت منذ عدة أسابيع.
ما بينَ اِتفاقيَّةِ شرْم ِالشيخ [أكتوبر/تشرين الأول الماضي] وقرار مجلسِ الأمنِ الدوليِّ 2803 [نوفمبر/تشرين الثاني الجاري] مَسافة ٌزَمنيَّةٌ من دونِ مَسافةٍ سياسيّةٍ. تكادُ الفوارقُ السياسيّة ُأنْ تكونَ صِفراً. وإنِ اِتّحدَتْ فهي كالعادةِ التاريخيّةِ لمصلحةِ كيانِ الاحتلالِ الإسرائيلي والولاياتِ المتحدةِ معَاً. ما يُعيدُنا بالذاكرةِ إلى تاريخِ مجلسِ الأمنِ الدوْلي منذ ما بعدَ الحربِ العالميّةِ الثانيةِ إلى اليوم.
في ظلّ التحولات الإقليمية المتسارعة، ووسط تصاعد الأخطار التي تُهدّد الكيان اللبناني من الجنوب والشرق، عاد إلى الواجهة مجددًا النقاش حول موقع لبنان ودوره في الصراعات الإقليمية، سواء بأن يكون جزءاً من خطة الشرق الأوسط الجديد أو في موقع معارضتها والسعي لإسقاطها أو أن يكون ضد الإثنين معاً.
قدّمت مجموعة من الفلسطينيين التماسًا قانونيًا تطلب فيه من بريطانيا تحمل المسؤولية عما أسموها "انتهاكاتها المتكررة للقانون الدولي"، بما في ذلك جرائم الحرب التي ارتكبت خلال الاحتلال البريطاني لفلسطين (1917-1948) والتي ما تزال عواقبها تتردد حتى اليوم، حسب المجموعة إياها.
في ظل التحوّلات العميقة التي تشهدها المنطقة، وما يرافقها من قممٍ وتحالفاتٍ ورسمٍ لخرائط جديدة، تعود دولٌ إلى الساحة السياسية بقوة، فيما تتربّع أخرى على عرش زعامة الإقليم لتقود مسار التغيير. الشرق الأوسط يقلب أوراقه من جديد، ويفرض نفسه كنقطة ارتكاز في زمن العولمة الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية. لكن يبقى السؤال الجوهري: أين يقف لبنان وسط هذه المتغيرات؟ وما موقعه في خريطة التحالفات المقبلة؟
أيُّ تاريخٍ سيتغافل عن هذا الهوان؟ أيُّ سجلّ قادر على محو حقيقة أنّ منظومات الحكم العربية، ومعها جوقاتٌ من نخبٍ مُترفة، تركت أطفالًا يموتون قصفاً وجوعاً في غزة من دون أن ترتجف لها جفون؟