“يوم القيامة”.. هل بدأ يقترب منا؟

أن يُعطي المجتمع الأميركي إشارات متكررة بعدم استعداده لانخراط جيشه مجدداً في حرب جديدة ضد إيران؛ مسألةٌ يفترض أن يُعيرها دونالد ترامب اهتمامًا خاصًا، خصوصًا أنه تعهّد في برنامجه الانتخابي بإخراج بلاده من دوّامة «النزاعات التي لا تنتهي» في الشرق الأوسط. يضاف إلى ذلك الجهد المطلوب لتهيئة أميركا، بل تهيئة العالم، لاحتمالات الحرب مجددًا مع إيران وما تنطوي عليه من تداعيات كارثية. هذا من الناحية النظرية؛ أما عملياً فإن المعطيات على الأرض تشي بتحضيرات أميركية إسرائيلية لشن جولة عسكرية جديدة لا أحد يستطيع التنبؤ منذ الآن بطبيعتها ومسرحها وأهدافها.. ولا حتى بتداعياتها.

في المقابل؛ يبدو المشهد من إيران متماهياً مع إحتمالات المواجهة أكثر من إحتمالات تسوية ربع الساعة الأخير. وبرغم الجولة الأولى من المواجهة المباشرة الأولى من نوعها بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، طوال 12 يومًا، في حزيران/يونيو 2025؛ وبرغم استمرار الحصار الاقتصادي المفروض على إيران، فضلًا عن سياسة «الضغوط القصوى» الأميركية التي أثقلت إدارة الدولة والمجتمع؛ وبرغم التفسخات التي أبرزها حراك الشارع الإيراني في الأسابيع الأخيرة، فإن إيران ما زالت قادرة على الوقوف وتحدي الغطرسة الأميركية الإسرائيلية، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي المحوري، وتموضعها في «الجنوب العالمي» ومجموعة «البريكس»، إضافة إلى شراكاتها المتشعبة مع روسيا والصين، وقدرتها على الوصول إلى تكنولوجيات متقدمة، بما في ذلك عسكرياً.

وبات واضحًا أن إيران، التي استوعبت في مراحل سابقة صدمات الحرب الإسرائيلية الأميركية في الصيف الماضي، وردّت بهجمات صاروخية على أهداف داخل إسرائيل، كما على قاعدة العديد الأميركية في قطر، ستقاوم أي هجوم يستهدف أراضيها بكافة الوسائل المتوافرة لديها. ويُعزّز ذلك تمسّك الشعب الإيراني بسيادته الوطنية واستقلاله، وهو ما أثبتته التجربة التاريخية الطويلة في مواجهة التدخلات الخارجية، فضلاً عن التفاف جزء وازن من المعارضة الداخلية حول النظام بعدما استعر بوجود ما يُمكن تسميتها “ثورة ضد الثورة”، وهو ما جعل شخصية كالرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي يُطلق صرخة مفادها أن سقوط النظام الحالي، برغم إخفاقاته العديدة، قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا وخطورة على وحدة الدولة واستقرارها.

هيبة الولايات المتحدة وموقعها العالمي تلقّيا أصلًا ضربات قاسية نتيجة فشل استراتيجيات الهيمنة تحت شعار «الحرب على الإرهاب». وأي قرار بخوض حرب جديدة ضد إيران وبرنامجيها النووي والصاروخي ونفوذها الإقليمي، لن يؤدي إلا إلى مزيد من تآكل الصورة الأميركية عالميًا، وإلحاق أضرار جسيمة بمصالح الولايات المتحدة وأمنها القومي

وإذا كانت اللحظة الراهنة مختلفة عن سابقتها قبل أقل من سنة، تاريخ الضربة الإسرائيلية – الأميركية لإيران، ولا سيما على صعيد الداخل الإيراني الذي واجه احتجاجات شعبية ضد الأوضاع الحياتية الصعبة، قبل أن تتطور في بعض الحالات وتتخذ طابعًا سياسيًا – أمنيًا، يمكن التصور، استنادًا إلى أحد السيناريوهات في مواجهة الجولة الثانية من الحرب الأميركية الإسرائيلية، احتمال أن تلجأ السلطات الإيرانية إلى استخدام ورقة النفط، ليس فقط عبر وقف أو تقليص صادراتها من النفط والغاز الطبيعي، بل أيضًا من خلال تهديد إنتاج النفط في العراق ودول الخليج العربي، أو حتى محاولة إغلاق مضيق هرمز، بما قد يؤدي إلى اضطراب حاد في إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حال قرّرت الولايات المتحدة الذهاب إلى خيار الغزو، يُرجَّح أن ينجح الجيش الأميركي في إيجاد موطئ قدم داخل إيران، سواء عبر إنزال بحري في محيط ميناء بندر عباس المطل على الخليج، أو من خلال تحركات برية انطلاقًا من أذربيجان أو العراق. غير أن هذا السيناريو سرعان ما يصطدم بحقيقة أن الولايات المتحدة لا تملك قوة قتالية تقليدية كافية لخوض عمليات برية طويلة الأمد على الأراضي الإيرانية الشاسعة. وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا قد يشبه التجربتين السلبيتين في أفغانستان والعراق، أو يقتصر على ضربات جوية وإنزالات موضعية. وفي أسوأ الأحوال، لا يمكن استبعاد مشاهد أقرب إلى الانهيار الذي أصاب الجيش الأميركي في حرب فييتنام. كما تبقى واردة إمكانية نجاح المقاومة الإيرانية في إغراق سفن حربية أميركية، أو إلحاق أضرار جسيمة بحاملات طائرات في المنطقة، فضلًا عن تلغيم مضيق هرمز.

أمام سيناريو من هذا النوع، يقترب من «يوم القيامة»، قد تجد إدارة ترامب نفسها أمام خيار تصعيد عسكري بالغ الخطورة، قد يصل إلى حد استخدام الأسلحة النووية. وعند هذه النقطة، تخرج المعادلات عن نطاق التقدير العقلاني، ويتعذّر حصر حجم الخسائر، علمًا أن التداعيات التي ستلحق بالولايات المتحدة نفسها ستكون هائلة.

وإذا أُخذنا في الاعتبار أن الحرب مع إيران ستؤثر مباشرة على إنتاج النفط في العراق والكويت والإمارات وقطر والسعودية وسلطنة عُمان، فإن العالم قد يواجه قدرة إنتاجية سلبية قد تصل إلى نحو عشرين في المئة. ومن هنا خطر الارتفاع الحاد في أسعار النفط، وما يرافقه من اهتزاز في أسواق الطاقة العالمية، واحتمالات تضخم وإفلاسات تطاول قطاعات واسعة من الاقتصاد الأميركي، في حال تجاوزت أسعار النفط عتبة 150 إلى 200 دولار للبرميل لفترة طويلة.

يُحذّر عدد متزايد من الخبراء من أن أي هجوم إسرائيلي جديد على إيران قد يأتي بنتائج عكسية في ملف منع انتشار السلاح النووي، إذ قد يدفع طهران، في ظل شعورها بتهديد وجودي، إلى تسريع مسار إنتاج اليورانيوم العالي التخصيب. وفي السياق الجيوسياسي الراهن، قد يُنظر إلى السلاح النووي كضمانة أمنية، لكنه ينطوي في الوقت نفسه على مخاطر هائلة

إن النزاع المتفاقم بين الولايات المتحدة وإيران هو، في جوهره، نزاع وُلد في إسرائيل أولًا، ويستند إلى مزاعم إسرائيلية بأن إيران تشكّل خطرًا وجوديًا، وأنها تسعى إلى امتلاك سلاح نووي. غير أن صحة هذين الادعاءين لم تثبت، بل كشفت تجارب سابقة أن كثيرًا من المزاعم الإسرائيلية بحق إيران افتقرت إلى الأدلة الموثوقة.

إقرأ على موقع 180  زيارة قطرية سرية إلى الرياض وحراك سعودي بإتجاه إيران

في المقابل، يبقى السلاح النووي الإسرائيلي «الموضوع في القبو»، وفق السردية العبرية، سرًا مروّعًا يخيّم على إيران وجوارها العربي في الشرق الأوسط، ويشكّل عامل عدم استقرار دائم في المنطقة.

ومن المرجح أن يبقى النداء الذي أصدرته 21 دولة عربية وإسلامية في العام المنصرم، بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، على أهميته السياسية والأخلاقية، بلا ترجمة عملية، لكن أهميته تكمن في أنه يعكس حجم القلق المتنامي في ظل وجود برنامج نووي عسكري إسرائيلي في ديمونا بصحراء النقب.

كما أن التحرك الثلاثي الذي بادرت إليه كلٌ من المملكة العربية السعودية وقطر وسلطنة عُمان، بالتنسيق مع تركيا، لمنع انفجار الموقف بين الولايات المتحدة وإيران، إنما يعكس مخاوف هذه الدول من أن تطال شظايا الحرب أراضيها، لا سيما وأن وزير خارجية إيران عباس عراقجي أوصل رسائل واضحة إلى جميع دول مجلس التعاون الخليجي بأن بلاده ستتعامل مع كل الأهداف العسكرية الأميركية المتاحة في منطقة الشرق الأوسط، كما في باقي أنحاء وسط وغرب آسيا، وفق مصدر إيراني متابع.

وإذا كانت دول الخليج لا تخفي تحفظاتها على الدور الإقليمي الإيراني في العديد من الساحات العربية، إلا أنها، في الوقت نفسه، تخشى من أن يؤدي تركيب نظام شبيه بالنظام الشاهنشاهي في إيران، إلى جعل الخليج العربي، دولاً وشعوباً ومقدرات، أسير معادلة ثلاثية تركية – إيرانية – إسرائيلية يُصبح معها العامل العربي الأقل تأثيرا ونفوذاً، فضلاً عن أن تحكم الأميركيين بالنفط الإيراني يُمكن أن يؤدي إلى انزال سعر البرميل إلى أقل من ثلاثين دولاراً للبرميل الواحد.

ويُحذّر عدد متزايد من الخبراء من أن أي هجوم إسرائيلي جديد على إيران قد يأتي بنتائج عكسية في ملف منع انتشار السلاح النووي، إذ قد يدفع طهران، في ظل شعورها بتهديد وجودي، إلى تسريع مسار إنتاج اليورانيوم العالي التخصيب. وفي السياق الجيوسياسي الراهن، قد يُنظر إلى السلاح النووي كضمانة أمنية، لكنه ينطوي في الوقت نفسه على مخاطر هائلة.

في الخلاصة، فإن هيبة الولايات المتحدة وموقعها العالمي تلقّيا أصلًا ضربات قاسية نتيجة فشل استراتيجيات الهيمنة تحت شعار «الحرب على الإرهاب». وأي قرار بخوض حرب جديدة ضد إيران وبرنامجيها النووي والصاروخي ونفوذها الإقليمي، دعمًا لإسرائيل، لن يؤدي إلا إلى مزيد من تآكل الصورة الأميركية عالميًا، وإلحاق أضرار جسيمة بمصالح الولايات المتحدة وأمنها القومي.

(*) نص للكاتب نُشِرَ للمرة الأولى في 20 حزيران/يونيو 2025 وتم تحديثه تبعاً للمعطيات الجديدة.

Print Friendly, PDF & Email
ميشال نوفل

كاتب وصحافي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  السعودية ـ الإمارات.. إفتراق أم طلاق؟