(من يرفّ جناحه أولاً يخسر اللعبة… لكن من يرفض الرفّ كلياً قد يخسر كل شيء).
قبل أن نفهم ما يجري في جنيف ومسقط، علينا أن نفهم المسرح الذي تدور عليه هذه الأحداث. لم يكن اجتماع السادس من شباط/فبراير في مسقط مجرد محادثات دبلوماسية روتينية. كان أول اختبار حقيقي لما إذا كان دونالد ترامب- الرجل الذي مزّق الاتفاق النووي عام 2018 بجرّة قلم- يملك فعلاً إرادة إنهاء الأزمة بالطريقة التي يُعلنها، أم أن “صفقة القرن الثانية” ستبقى شعاراً انتخابياً يتردد صداه في قاعات واشنطن دون أن يجد طريقه إلى الواقع. وصف وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي – الوسيط الصامت الذي يؤدّي دوراً محورياً بعيداً عن الأضواء – تلك المحادثات بأنها كانت “جدية جداً ومفيدة”. في عالم الدبلوماسية، “جدية ومفيدة” لا تعني نجاحاً، لكنها تعني شيئاً أهم، أن الطرفين لم يغادرا الغرفة. وفي هذه المرحلة البالغة الحساسية، عدم المغادرة هو في حد ذاته إنجاز يستحق التأمل.
لكن المشكلة الحقيقية لم تظهر في مسقط. ظهرت في جنيف، حيث عرضت طهران شيئاً يبدو في ظاهره مرناً؛ تعليق التخصيب لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات. لكن من يقرأ هذا العرض بعيون استراتيجية يدرك فوراً ما الذي تقوله إيران فعلاً: نحن مستعدون للانتظار حتى تنتهي ولاية ترامب. هذا ليس تنازلاً دبلوماسياً بأي معنى من المعاني. هذا رهان على الزمن. وفي المقابل، يطالب فريق ترامب – ممثَّلاً بستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ثنائي غريب يجمع بين دبلوماسية الصفقات العقارية ومنطق الكازينو- بـ”صفر تخصيب” دائم مع تفكيك كامل للبنية التحتية النووية الإيرانية. وهذا بدوره ليس مطلباً تفاوضياً بأي معنى من المعاني. هذا طلب استسلام، علماً أن وزير خارجية إيران عباس عراقجي قال في مقابلة مع محطة تلفزة أميركية بعد انتهاء محادثات جنيف الأخيرة إن واشنطن لم تطلب من طهران تصفير تخصيبها لليورانيوم.
بين عرض إيران ومطلب أميركا تقع الفجوة الحقيقية. ليست فجوة تقنية تُحلّ بالأرقام والجداول الزمنية، بل فجوة سردية عميقة. كلا الطرفين يحتاج إلى رواية انتصار للاستهلاك الداخلي، ولا يمكن لرواية أحدهما أن تتحمّل رواية الآخر في الوقت الراهن. هنا يبرز مفهوم “التخصيب الرمزي” كجسر محتمل فوق هذه الهوّة. ما يُشير إليه عراقجي حين يتحدث عن مقترح قيد الإعداد قادر على “استيعاب مخاوف الطرفين” هو في جوهره القول: دعونا نجد صيغة تسمح لترامب أن يقول “انتزعت صفر تخصيب فعلياً”، وتسمح لخامنئي أن يقول “حفظنا حقنا التكنولوجي النووي السلمي”. هذا ليس خداعاً مزدوجاً كما قد يبدو لبعضهم. هذا ما تسمّيه الدبلوماسية الكلاسيكية في أبهى صورها “إدارة الغموض البنّاء”.
مسدس ترامب.. وصورة خامنئي
لا يمكن قراءة هذه المفاوضات بمعزل عن المشهد العسكري المحيط بها؛ ذلك المشهد الذي يُلقي بظلاله الثقيلة على كل كلمة تُقال في قاعات جنيف ومسقط. على بُعد 150 ميلاً من شواطئ عُمان، ترابط حاملة الطائرات أبراهام لنكولن، فيما تشقّ حاملة جيرالد آر. فورد- الأضخم في تاريخ الأسطول الأميركي- طريقها عبر البحر المتوسط باتجاه الخليج. هذا التحشيد لم يحصل له مثيل منذ عام 2003، العام الذي غزت فيه الولايات المتحدة العراق. الرسالة واضحة تماماً، ترامب يُفاوض ومسدسه أمامه على الطاولة.
لكن هنا تكمن مفارقة خطيرة، فالمسدس الذي يُفترض به اجبار إيران على القبول قد يدفعها في الاتجاه المعاكس تماماً. فالمؤسسة العسكرية الإيرانية والحرس الثوري لا يرون في التهديد العسكري سبباً للتنازل، بل يرونه سبباً لعدم الظهور بمظهر الخاضع أمام شعبهم وأمام التاريخ. وخامنئي- الذي أمضى عقوداً يبني منظومة ردع مبنية على “القدرة على إيذاء الخصم”- لا يستطيع تحمّل أن يُفسَّر أي اتفاق في الداخل باعتباره ثمرة التهديد الأميركي، وبالتالي ربما صار أسير صورة تاريخية لا يُريد الانقلاب عليها، ولو كانت الأثمان باهظة.
حتى لو تجاوز الطرفان هذه العقدة، يبقى السؤال الوجودي الأكبر معلقاً في الهواء كسيف مسلول: من يضمن الالتزام؟ إيران لا تثق بترامب، وهذا ليس وهماً إيرانياً أو بروباغاندا نظام. فالرجل نفسه مزّق اتفاقاً دولياً موقّعاً في وضح النهار عام 2018، بعد أن كان قد وصف المفاوضات التي سبقته بـ”الصفقة السيئة في التاريخ”. ما الذي يضمن أنه لن يفعل الأمر ذاته مرة ثانية، وبخاصة إذا وجد في التصعيد ما يخدم أجندته الداخلية؟ أما واشنطن فلديها ذاكرة خاصة بها أيضاً، إيران التي وقّعت على اتفاقية عام 2015 واستمرت في دعم الفصائل الإقليمية، وطوّرت منظومة صواريخ باليستية، وأبقت على هامش مريح من الغموض حول نواياها النووية البعيدة المدى. الثقة في طهران، من منظور واشنطن، رفاهية لا تستطيع الاستراتيجية الأميركية تحمّلها بأي حساب.
وهنا يُصبح النقاش التقني حول آليات التحقق والضمانات (الكاميرات وأجهزة الرصد والمفتشون الدوليون وجداول التفتيش الدوري إلخ..) ليس تفصيلاً هامشياً يُبتّ فيه في المراحل الأخيرة، بل صلب الاتفاق وعمودَه الفقري. الاتفاق الجيد ليس الذي يقوم على الثقة المتبادلة بين طرفين لا يثق أحدهما بالآخر، بل الذي يجعل خرقه مكلفاً بدرجة لا يُجازَف بها. البنية التقنية هي البديل الوحيد المتاح عن البنية الأخلاقية المفقودة.
خطابان.. والأولوية لحماية النظام
ما لا يُقال بصوت عالٍ في الأروقة الدبلوماسية، هو أن إيران تدخل هذه المفاوضات من موقع ضعف لا من موقع قوة، برغم خطاب التحدّي والصمود الذي تُطلقه مكبّرات صوت النظام. عدا عن الخسارات الإقليمية القاسية من غزة إلى سوريا مروراً بلبنان، تراجع الريال الإيراني بنحو واحد بالمئة في يوم واحد فقط مع اشتداد حدة التوترات، ليقترب الدولار من مستويات قياسية. هذا ليس مجرد رقم اقتصادي بارد؛ هذا مؤشر اجتماعي حارق يقيس درجة الغليان الشعبي في الشوارع قبل قاعات المفاوضات. الطبقة الوسطى الإيرانية التي دفعت فاتورة العقوبات على مدى سنوات طويلة لم تعد تملك صبراً لا نهاية له، والاحتجاجات الطلابية التي اندلعت في طهران خلال أيام مفاوضات شباط/فبراير ذاتها تقول بوضوح لا لبس فيه إن الثمن الداخلي للمواجهة آخذ في الارتفاع بوتيرة لم يعد بمقدور النظام تجاهلها، ولعل هذا ما يفسّر التصريحات المتشدد جداً التي يدلي بها مسؤولون إيرانيون أمام شعبهم، خلافاً لما يصدر عن مسؤولين إيرانيين على طاولات المفاوضات. هذا التناقض ليس نفاقاً دبلوماسياً عادياً يمارسه كل الساسة، بل مؤشر على نظام ممزّق في أعماقه بين ما يحتاج إليه داخلياً لحفظ الشرعية، وما يُدرك أنه يحتاج إليه خارجياً لتجنّب الكارثة وحماية الذات.
وإذا ما تساءلنا عن السيناريوهات المحتملة لما ستؤول إليه هذه المفاوضات، فإن المشهد يُرجّح بدرجة ملموسة أن تفضي الجولة الثالثة في السابع والعشرين من شباط/فبراير (اليوم) إلى “إطار مبادئ” لا اتفاقاً نهائياً؛ وثيقة تضمن تخصيباً بنسبة منخفضة جداً مع منظومة تحقق مشددة، مقابل رفع جزئي للعقوبات، فيما تُرحَّل عقدتا الصواريخ الباليستية والوكلاء الإقليميون إلى مرحلة لاحقة تبقى ضبابية المعالم. هذا السيناريو يُعطي كلاً من ترامب وخامنئي “انتصاراً قابلاً للبيع” داخلياً دون أن يحلّ البنية العميقة للأزمة أو يُعالج جذورها. وفي الطرف الآخر من سلّم الاحتمالات، يبقى شبح الانهيار المفاجئ قائماً، وإن كانت احتمالاته في الأفق المنظور أقل مما يُروَّج له في الخطاب الإعلامي المحموم؛ فلا ترامب يريد حرباً يدفع ثمنها الاقتصادي والبشري، ولا خامنئي يريد مغامرة وجودية من شأنها أن تُهدّد النظام.
والحقيقة التي يُعلّمها التاريخ في لحظاته الحكيمة، هي أنه لم ينجح في تاريخ الدبلوماسية النووية اتفاقٌ بُني أساساً على الضغط العاري دون أن يتضمن عرضاً مقنعاً حقيقياً لما يحتاجه الطرف الآخر. اتفاق 1994 مع كوريا الشمالية انهار لأنه لم يُقدّم ما يكفي. اتفاق 2015 مع إيران صمد سنوات بسبب التوازن الذي حقّقه بين المطالب والعروض، ثم انهار بجرّة قلم ترامب نفسه. الاتفاق الجديد- إن وُجد- يحتاج إلى أن يمنح كل طرف ما يكفيه لتبريره أمام جمهوره، لا أن يظهر أنه انتُزع منه انتزاعاً تحت وطأة التهديد.
المشكلة أن جمهور ترامب الداخلي من الجمهوريين المتشددين ومن تل أبيب يرى أن أي شيء أقل من “صفر تخصيب” هو هزيمة مُذِلّة لا تغتفر. وجمهور خامنئي الداخلي يرى أن أي اتفاق يُبرَم تحت ظل التهديد العسكري هو إذعان تاريخي لن تغفره الأجيال القادمة. في ظل هذه المعادلة شبه المستحيلة، يصبح الدور الخارجي- الوساطة العُمانية الصادقة، والضمانات الأوروبية الهشة، وربما الصين كضامن صامت يملك نفوذاً على طهران- ليس هامشياً يُزيّن حواشي الاتفاق، بل جوهرياً يصنع ممكناته.
هل ثمة مساحة للعقلانية؟
في النهاية، المفاوضات بين واشنطن وطهران ليست مجرد خلاف تقني. إنها مواجهة بين ثقافتين سياسيتين تؤمن كل منهما في أعماقها بأنها لا تستطيع الظهور بمظهر الطرف الذي رفَّ جناحه وانحرف أولاً، لأن الانحراف في الخطاب الداخلي لكليهما مرادف للجبن والهزيمة. لكن التاريخ يعلّمنا- في لحظاته الحكيمة القليلة التي نادراً ما نُصغي إليها- أن الشجاعة الحقيقية ليست في رفض الانحراف حتى اللحظة الأخيرة، بل في امتلاك الجرأة على الانحراف قليلاً قبل أن يتحوّل الطريق إلى حائط لا عودة منه.
الجولة الثالثة في جنيف (اليوم) وظيفتها الإجابة على السؤال الأكثر إلحاحاً في هذه اللحظة الفارقة: هل ما يزال ثمة مساحة للعقلانية في عالم يتسابق على تمثيل القوة؟ والإجابة ستُحدّد ليس فقط مصير الملف النووي الإيراني، بل مصير النظام الدولي برمّته في إدارة الأزمات النووية في قرن بدأ يثبت كل يوم أنه لم يتعلم شيئاً مما سبقه.
