من النادر أن يُقْدِم زعيم دولة على إصدار أوامر بقتل زعيم دولة أخرى. ومع ذلك، في 28 شباط/فبراير الماضي، فعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ذلك، واغتالا المُرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، آية الله السيّد علي خامنئي. قد يبدو أن اغتيال خامنئي دلالة على نجاح عملياتي كبير حقّقته الحرب الأميركية على إيران؛ التي يُطلق عليها اسم”عملية الغضب الملحمي”. غير أن هذا “النجاح” (الاغتيال) لم يُترجم فراغاً في قمّة السلطة (كما كان مأمولاً) وبالتالي لا يمكن التعويل عليه لإسقاط النظام، إذ سُرعان ما حلّ مكان خامنئي “حُكمٌ ثلاثيٌّ” (*). ومن المرجّح أن يُسمّى المرشد الأعلى الجديد قريباً، وربما يكون (مجتبى) نجل خامنئي (…)، وهذا يشي بأن العملية العسكرية الأميركية-الإسرائيلية فشلت في تحقيق أهدافها السياسية.
من السذاجة، كما يفعل بعض مؤيدي ترامب، تبرير الحرب بالقول إن خامنئي كان يشكّل خطراً (…). فعندما يتولى طرفٌ ما قيادة آلة فتّاكة وساحقة، مثل القوات المسلحة الأميركية، المُتحالفة في هذه الحرب مع الجيش الإسرائيلي المُتمرس في القتال، يقع على عاتق هذا الطرف- أولاً وقبل كل شيء- تحديد ما يريد تحقيقه بدقّة. وهذا ليس مجرد إلتزام أخلاقي، بل هو مطلبٌ عملي كذلك. فأهداف الحرب توجّه سير العملية العسكرية، وتحدّد التضحيات التي تتحملها الدولة وشعبها، وكذلك تلك التي يفرضها القتال على العدو. كما تحدّد متى يجب أن تنتهي الأعمال القتالية.
تحديد الأهداف
في هذه الحرب، هدف إسرائيل واضح: القضاء على ما تقول إنه “تهديد” يمثله النظام الإيراني. في المقابل، قدّم ترامب وإدارته سلسلة من التصريحات المتضاربة حول منظومة الصواريخ والبرنامج النووي وتغيير النظام في طهران. واتبعوا نهج إسرائيل، بناءً على تقدير مفاده أن النظام الإيراني على وشك مهاجمتها والقضاء على وجودها.
سياسياً، يمنح هذا الغموض ترامب مجالاً للمناورة. أما استراتيجياً، فإن فشله في توضيح الغاية والهدف من عملية “الغضب الملحمي” يُعدّ أكبر نقطة ضعف لدى ترامب وإدارته.
النتيجة هي حربٌ ذات وجهين.
الوجه الأول عملياتي؛ ويعمل بكامل طاقته: فقد ألحقت الولايات المتحدة وإسرائيل خسائر فادحة بالقوة البحرية والجوية لإيران، وتحاولان تقويض قدراتها الصاروخية وصناعتها العسكرية، وتستهدفان نظامها وأجهزته المسلحة. إن السيطرة على الأجواء تمنح أميركا وإسرائيل القدرة على مواصلة القتال بحسب رغبتهما وإرادتهما. وفي الوقت نفسه، تتولى الصواريخ الاعتراضية والقبب الحديدة مهمة الدفاع عن المدن والأحياء الإسرائيلية وكذلك عن القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في دول الخليج، والتصدّي للغارات الإيرانية التي فاقت بكثير غارات حرب حزيران/يونيو 2025. وهناك ما يكفي من الصواريخ الاعتراضية لتواصل أميركا وإسرائيل عملياتهما العسكرية؛ على الأقل حتى الآن.
ترامب بدأ حربه على إيران من دون استراتيجية واضحة، اتبع نهج إسرائيل، وفشل في توضيح الغاية والهدف.. وهذا يُعدّ أكبر نقطة ضعف له ولإدارته
الوجه الآخر لهذه الحرب سياسي، وهو ينبثق من استراتيجية إيران القائمة على بثّ الشكّ والبلبلة. بالنسبة للنظام الإيراني فإن القدرة على الصمود، وبالتالي ضمان البقاء في خضمّ الحرب العاتية الجارية، يُعدّ نصراً بحدّ ذاته. ويبدو حتى الآن أنها تحقق هذا الهدف. فالنظام لا ييبدو أنه ينهار، بل يسارع إلى التصعيد الأفقي- أي أنه يردُّ الهجمات بشنّ مثلها على عدَّة جبهات وفي جميع الاتجاهات في وقت واحدٍ. وهذا له تبعات عديدة.
تداعيات وعقبات
أحد هذه التداعيات هو انخراط دول أخرى في الصراع. فقد هاجمت إيران قواعد ومقار أميركية في دول الخليج التي راهنت بمستقبلها على أن تكون ملاذات آمنة ومستقرة وأن تبقى بمأمن عن الفوضى التي تعصف ببقية دول الشرق الأوسط. كما تصاعد التوتر في لبنان مع تكثيف إسرائيل هجماتها على حزب الله. وأعلنت فرنسا وبريطانيا عزمهما الدفاع عن قواعدهما ضدَّ أي هجوم. وفي الرابع من آذار/مارس الجاري، أسقطت الدفاعات الجوية لحلف “الناتو” صاروخاً؛ يُقال إنه إيراني؛ كان متجهاً إلى تركيا.
ثمة تبعات اقتصادية أخرى. فقد هدَّدت إيران بإغلاق مضيق هرمز، ما أدّى إلى قطع نحو 20 بالمائة من إمدادات النفط العالمية. كما استهدفت البُنية التحتية للطاقة، بما في ذلك أكبر مجمع لتسييل الغاز في العالم وأكبر مصفاة نفط في السعودية. وارتفع سعر خام برنت بنسبة 14 بالمائة منذ 27 شباط/فبراير، ليتجاوز الـ 83 دولاراً للبرميل. وتبلغ تكلفة ميغاواط/ساعة من الغاز الطبيعي في أوروبا 54 يورو (63 دولاراً)، أي بزيادة تتجاوز 70 بالمائة عن الأسبوع الماضي. ومع تنافس المشترين الآسيويين على الإمدادات، قد ترتفع الأسعار أكثر. وقد يتعرض الاقتصاد العالمي لضربة قوية. فإذا وصل سعر النفط إلى 100 دولار للبرميل، فقد ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 0.4 نقطة مئوية، ويرتفع التضخم بمقدار 1.2 نقطة.
أما العاقبة المُحتملة الثالثة فهي الفوضى داخل إيران، حيث ينتمي نحو 40 بالمائة من السكان، البالغ عددهم 90 مليون نسمة، إلى أقليات عرقية، تشمل العرب والآذريين والبلوش والأكراد واللور. وقد أظهرت انتفاضات ما يُعرف بـ”الربيع العربي” كيف يمكن للدول أن تتفكك وتنهار بسرعة تحت ضغط الصراعات المذهبية والعرقية. وقد بدأت أميركا وإسرائيل بالفعل بدعم “المتمردين الأكراد” للضغط على النظام الإيراني، وهي فكرة متهورة قد تؤدي إلى تأجيج النزعة القومية الفارسية وإشعال حربٍ أهلية. قد لا يكترث ترامب لما قد يحدث داخل الجمهورية الإسلامية، لكنه لن يستطيع تجاهل التداعيات التي لا بدّ وأن تتجاوز حدود إيران الجغرافية لتطال دول الخليج والعراق وسوريا وتركيا.
لا عزاء لأحلام ترامب
يكّمن الخطر الأكبر والحقيقي في أن ترامب لا يستطيع تحمّل التراجع عن الحرب ما دامت الأسواق واستطلاعات الرأي لا تمنحه ما يتوق إليه من ثناء وتأييد واعتراف. وقد لا يحصل على ما يريد طالما أن إيران قادرة على إطلاق صواريخ وطائرات حربية مسيّرة، ولو بشكل متقطع.
الصمود وضمان البقاء نصرٌ بحدّ ذاته بالنسبة للنظام الإيراني، وهذا ما يفعله: لم ينهر، بل سارع للتصعيد الأفقي عبر شنّ هجمات على عدَّة جبهات، في جميع الاتجاهات، وفي وقت واحدٍ
اليوم، بالكاد يؤيد ثُلث الأميركيين حرب رئيسهم على إيران (مقارنة بـ 90 بالمائة أيَّدوا قرار سلفه جورج بوش الإبن بغزو أفغانستان عام 2001). قد تكون الولايات المتحدة مُصدِّرة للطاقة، لكن ناخبيها غير سعداء من تكاليف الوقود الباهظة. وهذا الوضع قد يُغري ترامب بالسعي لتحقيق انتصارٍ واضح لا جدال فيه عبر قصف إيران بحجة إزالة النظام وتدميره. لكن حتى هذا “السعي” غير مضمون النتائج وقد لا يحقق أي نجاحٍ يُذكر برغم كل القوة العسكرية الأميركية والإسرائيلية؛ التي تُوظّف لتحقيق الهدف. وفي الوقت نفسه، ستستمر كل هذه المخاطر في إلحاق الضرّر بالمنطقة وبالاقتصاد العالمي على حدٍ سواء.
من الأفضل لترامب أن يُضيّق نطاق أهداف حربه. وأن يكتفي بهدفٍ أساسي- وربما وحيد- وهو إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، ثم التوقف عند هذا الحدّ. والحقيقة، يبدو أنه على وشك تحقيق ذلك.
سيجادل البعض بأن المهمة لن تكتمل إذا توقف الآن. فترك النظام الإيراني على حاله سيكون خياراً صعباً (…). وحتى لو كان ترامب يرغب في السلام، فقد تستمر إيران في سياساتها المتبعة حالياً، لا سيما بما يخصّ برنامجها النووي ومنظومتها الصاروخية، وستتمسك بمكانتها كرمزٍ للمقاومة المُعادية لأميركا، وستواصل دعم حلفائها في المنطقة. وقد يرفض النظام الناجي في طهران عقد صفقة نووية، بل قد يعتقد؛ مثل كوريا الشمالية؛ أن القنبلة هي وسيلته الوحيدة للدفاع عن نفسه. وإذا أعادت إيران بناء برنامجها النووي، فقد يضطر ترامب إلى شنّ ضربة أخرى في غضون أشهر أو سنوات. إنه احتمال قاتم. لكن؛ ومع ذلك؛ من الأفضل لأميركا أن تعلن النصر المحدود والمبكر بدلاً من الانسحاب المتعثّر من حربٍ غير شعبية بسبب الإرهاق.
على ترامب أن يكون أقلّ غضباً، وأكثر تفكيراً بالمستقبل بالنظر إلى ثمار نهجه المتهوّر. فقبل هذه الحرب، كان النظام الإيراني أضعف مما كان عليه في أي وقت مضى منذ تأسيسه قبل 47 عاماً. وكان مراقبون كُثر يتوقعون أن يسقط من الداخل من دون أي قذيفة اميركية واحدة. وحتى لو حالف الحظ ترامب وأسقط النظام، فمن المرجح أن ينتهي به المطاف إلى التعامل مع نظام جديد أكثر تشدّداً، وفوضى إقليمية عارمة.
ففي ولايته الثانية أصبح ترامب أكثر تهوراً بسبب حاشية المتملقين والمنافقين المحيطين به. صار يميل إلى الاستحواذ على السلطة بشكل انتهازي واقتناص أي فرصة تظهر نتيجة لضعف الآخرين. وهذا سلوكٌ خطيرٌ ويزيد من احتمالات التصعيد ويهدّد الأمن والسلام.
ما يحتاجه ترامب وإدارته اليوم هو استراتيجية واضحة، في إيران كما بالنسبة لسياستهما على الصعيد العالمي.
– ترجمة بتصرف عن “الإيكونوميست“.
(*) “الحكم الثُلاثي” استعارة من ما كان سائداً في روما القديمة، عندما كانت مجموعة من ثلاثة رجال يسيطرون على السلطة، على وجه الخصوص (الحكم الثلاثي الأول) التحالف غير الرسمي ليوليوس قيصر وبومبي وكراسوس في عام 60 قبل الميلاد و(الحكم الثلاثي الثاني) التحالف الذي شكله أنطوني وليبيدوس وأوكتافيان في عام 43 قبل الميلاد.
