حين تتحدث واشنطن بلغة “إسرائيل الكبرى”!

لم تكن تصريحات مايك هاكبي، السفير الأميركي في إسرائيل، زلّة لسان (20 شباط/فبراير 2026)، وذلك جواباً على سؤال الصحفي تاكر كارلسون عن رأيه بفكرة إسرائيل الكبرى، حين قال: «سيكون من المقبول أن تستولي إسرائيل على هذه الأراضي»، والمقصود الأراضي العربية.

والسفير هاكبي، وهو المحافظ السابق لولاية أركنساس، يعرف ماذا يعني الاستيلاء على أراضي الغير في القانون الدولي، ويُدرك مدى تعارض ذلك مع ميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن تناقضه مع قرارات مجلس الأمن الدولي وما يُسمّى بـ«الشرعية الدولية»، وخصوصاً القرار 242 الصادر بعد عدوان حزيران/يونيو عام 1967، والقرار 338 الصادر بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر عام 1973، وكلاهما ينصّان على «عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب»، ويدعوان إلى «انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة».

وقد أثارت تصريحات هاكبي ردود فعل مختلفة ولغطاً كثيراً، وصدرت بيانات من دول عربية عديدة تندّد بها، خصوصاً أنها تعكس إعلاناً صريحاً وتواطؤاً مكشوفاً لتوسيع دولة إسرائيل لتمتدّ من حدود النيل إلى الفرات، استناداً إلى السردية التوراتية المعروفة.

ومفهومٌ أن تأتي مثل هذه التصريحات على لسان داعية صهيوني أو مسؤول إسرائيلي متعصّب ومتطرّف مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «بطل» حرب الإبادة على غزّة، وليس على لسان دبلوماسي يُفترض فيه أن يقيس كلماته بدقة وحذر، حتى وإن كان منحازاً إلى إسرائيل شخصياً أو كانت دولته ممالئة لها. لكن ثمة قواعد قانونية ودبلوماسية يُفترض احترامها، وإن كان الأمر شكلياً. وستضعف مثل هذه الفرضية حين تبدأ إسرائيل، ومعها الولايات المتحدة الأميركية، بإشعال حرب عدوانية في المنطقة عبر الهجوم على إيران، بما يهدّد نظام الأمن الجماعي والسلم والأمن الدوليين، حيث لم تتورّع إيران عن توسيع دائرة الحرب لتشمل عدداً من البلدان العربية التي توجد فيها قواعد ومصالح أميركية.

هل تل أبيب هي التي استدرجت واشنطن إلى حرب مفتوحة، أم ثمة توافق مصالح بينهما، من دون نسيان التباينات؟ فالولايات المتحدة، وعلى لسان رئيسها دونالد ترامب، تصرّح تارةً أنها تريد إركاع إيران لإجبارها على القبول بشروطها، وتارة أخرى تقول إنها تريد الإطاحة بالنظام، وهذا ما تريده إسرائيل. وليس ذلك سوى استمرار الحرب واحتمالات امتدادها إلى مناطق أخرى. وقد شملت لبنان بعد رشقات الصواريخ التي نفّذها حزب الله عقب مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي؛ وهو ما وجدته إسرائيل فرصة وذريعة ظلّت تنتظرها لشنّ عدوانها الشامل على لبنان منذ وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، فأمعنت في تدمير المزيد من القرى والبلدات، وتوغّلت برياً في الداخل اللبناني.

لم تعد إسرائيل تتصرّف كدولة مارقة خارجة عن القانون فحسب، بل أخذت تتجاوز ذلك بإعلان أهدافها خارج القواعد المعترف بها، وتتعامل كدولة عظمى فوق القانون. وتلك أجندتها المعلنة. وبالطبع فهي تستمدّ نفوذها واستمرارها في وضعها الحالي من تماهيها مع الاستراتيجية الأميركية في المنطقة. والمفارقة أن دولة عظمى حقيقية كالولايات المتحدة هي التي تماهت، لدرجة الاندغام، مع الأطماع الإسرائيلية التوسعية العنصرية، التي تعلن عنها جهاراً نهاراً وتسعى لتحقيقها وفرض إرادتها على أجزاء من الأردن ولبنان وسوريا ومصر والعراق وغيرها، فضلاً عن إخضاع الجميع لقبولها كما هي والتعامل معها كأمر واقع، وهي من يفرض شروطه من دون قبول شرط واحد من أي أحد.

تصريحات هاكبي بشأن «الحق التوراتي» وضعت الدبلوماسية الدولية والعربية بخصوص «حل الدولتين» في خبر كان، حيث يعلو الحديث داخل إسرائيل وخارجها عن «الحلم الصهيوني»، على الرغم من اصطدامه بجيل جديد أوروبي وأميركي ينحاز إلى الفلسطينيين، بمن فيهم شابات وشبان يهود معادون للصهيونية. يُضاف إلى ذلك أن كل محاولات الإبادة والجرائم المكتملة الأركان في غزة وبقية الأراضي العربية لم تستطع أن تطفئ جذوة الحق الفلسطيني والعربي المطالِبة بحل سلمي عادل يضمن الحقوق التاريخية للشعب العربي الفلسطيني، وخصوصاً حقه في تقرير المصير وقيام دولته المستقلة على أرض وطنه وعاصمتها القدس الشريف.

لم يعد التعريف المضلّل الذي استخدمه هاكبي بخصوص الصهيونية مقبولاً، باعتبارها حركة تؤمن بحق اليهود في إنشاء دولتهم؛ فذلك نصف الحقيقة. أما النصف الآخر فيتعلّق بعنصريتها واستعلائها وهضمها لحقوق السكان الأصليين، ليس لسبب سوى كونهم غير يهود. كما لم تنطلِ مزاعم هاكبي بأن العرب هم الذين شنّوا حرباً على إسرائيل عام 1956، وهو العام الذي شهد العدوان الثلاثي الإنكليزي–الفرنسي–الإسرائيلي. ولولا تدخّل الاتحاد السوفياتي، ولا سيّما إنذار بولغانين المعروف إلى بريطانيا بضربها بالصواريخ إن لم يتوقّف العدوان خلال 12 ساعة، ومعارضة الولايات المتحدة والرئيس أيزنهاور للعدوان، لكان الأمر قد اتّخذ منحىً آخر.

إسرائيل التي تتصرّف كدولة عظمى اليوم تنسى أنها ستبقى منبوذة في المنطقة، طالما ظلّت تحتلّ أراضي العديد من البلدان العربية وتتنكّر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني. ومهما بلغت من قدرة وجبروت ودعم دولي، فإن الحقائق على الأرض تقول إن نحو 400 مليون عربي، وملياراً وثلاثة أرباع المليار مسلم، فضلاً عن تعاظم التعاطف الدولي، ينظرون إليها كدولة خارجة عن القانون، بل مارقة ومغتصِبة وعنصرية، سواء كانت «كبرى» أم «عظمى».

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  الأولويات الأميركية تنقل القذائف من تل أبيب إلى كييف!
عبد الحسين شعبان

أكاديمي، باحث وكاتب عربي

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  السوريون ودرس الحرب