لبنان مجدداً في نار الميدان.. وصفقات الكبار

يقف لبنان اليوم عند تقاطع مسارات إقليمية ودولية معقدة. لم تعد المعادلات الداخلية، سياسةً وميداناً، وحدها تتحكم بمآلات الحرب على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية. باتت هذه الحرب، إلى حد بعيد، جزءاً من صراع أوسع تتحكم بإيقاعه ثلاث قوى هي الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. في ظل هذا الواقع، يبدو أن مسار الأحداث يتشكل وفق حسابات هذه القوى الثلاث التي تتصارع فوق رقعة الشرق الأوسط، فيما يجد لبنان نفسه مرة جديدة في موقع الساحة التي تتقاطع فيها الرسائل العسكرية والضغوط السياسية والرهانات الاستراتيجية.

تُشير المعطيات الدبلوماسية إلى أن الجهود التي بادرت إليها بعض الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا، لأجل تحييد لبنان عن دائرة الحرب الكبرى لم تحقق النتائج المرجوة. ففرنسا، التي لطالما سعت إلى لعب دور الوسيط في الأزمات اللبنانية، حاولت منذ الساعات الأولى للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران الدفع نحو صيغة تمنع توسع المواجهة إلى الداخل اللبناني، إلا أن تلك المحاولات اصطدمت بواقع إقليمي مختلف، حيث لم يكن هناك استعداد أميركي لإعطاء باريس موقعاً متقدماً في إدارة الأزمة. ومنذ اندلاع حرب غزة وما تلاها من تحركات دبلوماسية لإنشاء أطر دولية لإدارة النزاع، بدا واضحاً أن واشنطن فضّلت الإمساك المباشر بخيوط الملف، وأنها لم تضع حلفاءها الأوروبيين في صلب الصورة الاستراتيجية، كما كان يحصل في أزمات سابقة.

هذا الواقع جعل المبادرات الأوروبية تبدو هامشية نسبياً أمام حجم التوازنات العسكرية والسياسية التي تتحكم بالمشهد. فالمسار العسكري هو الذي يفرض إيقاع المرحلة، والميدان بات العامل الأكثر تأثيراً في رسم حدود السياسة المقبلة. وفي كل الحروب الكبرى في المنطقة، كانت الوقائع الميدانية هي التي تحدد طبيعة التسويات، لا العكس. لذلك فإن ما يجري على الأرض، سواء على المسرح اللبناني الصغير أو على المسرح الإقليمي الكبير، سيبقى العامل الحاسم في تحديد سقف الحلول الممكنة.

المعادلة الميدانية اليوم تقوم على توازنات دقيقة، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه قبل أي تسوية محتملة. إسرائيل تحاول تثبيت معادلة ردع تمنع تحول الجنوب اللبناني إلى جبهة دائمة الاستنزاف، فيما يسعى محور إيران إلى إثبات أن الضغط العسكري يُمكن أن يغيّر قواعد الاشتباك في المنطقة. وبين هذين الاتجاهين، تحاول الولايات المتحدة، ومن دون اخفاء انحيازها لتل أبيب، ضبط الإيقاع بحيث لا ينفلت الصراع نحو حرب شاملة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وقف المواجهة بالكامل.

أما على المستوى السياسي، فإن الحديث عن تسوية شاملة لا يزال مبكراً، برغم أن بعض العواصم الدولية بات يُلمّح إلى إمكانية الوصول إلى صفقة أوسع تُعيد ترتيب ملفات المنطقة. وفي هذا السياق، يبرز اسم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بوصفه أحد اللاعبين الذين يفضلون مقاربة الأزمات الكبرى بمنطق الصفقات السياسية الكبرى. غير أن الرغبة في صياغة اتفاق واسع لا تعني بالضرورة القدرة على فرضه، خصوصاً في منطقة تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع التوازنات الإقليمية الحساسة.

فالتاريخ القريب يظهر أن أي اتفاق كبير في الشرق الأوسط يحتاج إلى نضوج ظروفه السياسية والعسكرية، وإلى توافقات بين القوى الكبرى المتصارعة. وحتى الآن، لا يبدو أن هذه الشروط قد اكتملت. فالتباينات بين واشنطن وطهران ما تزال عميقة، كما أن إسرائيل تسعى إلى تحقيق أهداف ميدانية وسياسية قبل الدخول في أي تسوية نهائية. وبالتالي فإن فكرة الصفقة الكبرى تبقى حتى اللحظة أقرب إلى التمني السياسي منها إلى مشروع قابل للتنفيذ السريع.

لكن في موازاة المسارين العسكري والسياسي في المنطقة نتيجة استمرار الحرب الاميركية الاسرائيلية على ايران، يبرز في لبنان بعد ثالث لا يقل أهمية، وهو البعد الاجتماعي والإنساني. فالحرب التي تعصف بالجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع وتلقي بظلالها على كل مناطق لبنان أدت إلى موجات نزوح جديدة، ما يعيد طرح التحدي الإنساني الكبير الذي يواجه المجتمع اللبناني في ظل أزمته الاقتصادية الخانقة. وهنا يبرز اختبار حقيقي لقدرة اللبنانيين على تجاوز انقساماتهم السياسية والطائفية في مواجهة معاناة إنسانية مشتركة.

فالتجارب السابقة أظهرت أن التضامن الاجتماعي يشكل أحد عناصر القوة الأساسية في المجتمع اللبناني عندما يواجه الأزمات الكبرى. ومع اتساع دائرة النزوح الداخلي، تصبح مسؤولية جميع الطوائف والمكونات السياسية والاجتماعية مضاعفة في تأمين الدعم للنازحين الذين اضطروا إلى ترك بيوتهم وقراهم. وهذا التضامن لا يقتصر على البعد الإنساني فحسب، بل يحمل أيضاً بعداً وطنياً يهدف إلى منع تفكك المجتمع تحت ضغط الحرب.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة وطنية شاملة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة. فمساعدة النازحين وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي يشكلان شرطاً أساسياً للحفاظ على تماسك الدولة والمجتمع في هذه المرحلة الدقيقة. وإذا كان الصراع العسكري والسياسي يتقرر في جزء كبير منه خارج الحدود اللبنانية، فإن إدارة التداعيات الاجتماعية تبقى مسؤولية اللبنانيين أنفسهم.

وفي ضوء كل ذلك، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التعقيد. فالميدان سيبقى العامل الأكثر تأثيراً في تحديد الاتجاهات العامة، بينما تستمر القوى الدولية والإقليمية في اختبار حدود بعضها البعض. لكن مهما كانت نتائج هذه المواجهة، فإن لبنان سيحتاج عاجلاً أم آجلاً إلى إعادة فتح النقاش الداخلي حول مستقبله السياسي، ولا سيما الصيغة التي تحمي النصاب السياسي والاجتماعي اللبناني.

إقرأ على موقع 180  دراسة عبرية: فرص الاتفاق النووي والتداعيات المحتملة على إسرائيل

ذلك أن الخروج من دوامة الأزمات المتكررة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال حوار سياسي جدي بين جميع المكونات اللبنانية؛ حوارٌ يتناول بجرأة القضايا التي لطالما جرى تأجيلها أو ترحيلها من أزمة إلى أخرى. فلبنان، الذي وجد نفسه مرة جديدة في قلب صراع إقليمي كبير، لن يستطيع حماية استقراره على المدى الطويل إلا إذا نجح في بناء توافق داخلي حقيقي حول قواعد إدارة الدولة وعلاقتها بالصراعات المحيطة بها.

وبين نار الميدان وحسابات الكبار، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة اللبنانيين على تحويل هذه اللحظة الصعبة إلى فرصة لإعادة التفكير في مستقبل بلدهم، قبل أن تفرض عليهم التطورات الإقليمية مسارات قد لا يكون لهم فيها أي دور.

Print Friendly, PDF & Email
داود رمال

صحافي لبناني

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  إسرائيل تضرب أو لا تضرب المفاعلات النووية الإيرانية؟