إذا كانت هذه الحرب قد فُرِضت على إيران، وسِيقت إليها بالقوة، فإن طهران التي تموضعت منذ بدايتها في موضع الدفاع عن النفس، باعتبارها تواجه عدواناً سافراً خارقاً للقوانين الدولية، فإنها باتت اليوم تخوضها من موقع آخر، يتخطى حال الدفاع عن النفس، إلى حال دولة في مواجهة دولتين، دولة إقليمية كـ”إسرائيل”، ودولة “عظمى” كأميركا. مواجهةٌ تُؤهلها للصعود إلى نهائيات إعادة ترسيم الخارطة في الإقليم وما بعده، ليس الجغرافية، بل الجيوسياسية، واستعادة تحديد الأحجام الحقيقية لموازين القوى في المنطقة، بما يجعلها بعد الحرب.. ليست كما قبلها.
وفق هذا التأسيس، تُقدّم ايران روايتها “الدبلوماسية” مما يُمكن أن يقال حتى الآن؛ – “وما لا يُدرَك كلّه لا يُترَك جُلّه”- سرديةٌ تتوزع عناصر قوتها على جبهيتن: داخلية وخارجية..
أولاً؛ الجبهة الداخلية، وفيها لا يخفي المسؤولون الإيرانيون دهشتهم ولا يُنكرون مفاجأتهم، ليس من ردّ فعل الشعب الإيراني، وإصراره على النزول إلى الشارع، فذاك دأبه بدعم النظام، منذ انتصار الثورة وتأسيس الجمهورية الاسلامية عن طريق الاستفتاء حتى على اسمها وبإصرار من مؤسسها الإمام الخميني الراحل، لكن مكمن المفاجأة مثنّى، أوّله الإصرار الشعبي على البقاء في الشارع ليل نهار من حيث كمّ الزمان، وفي معظم المحافظات الـ32 من حيث جغرافيا المكان، وثانيه انعدام التظاهر ضد النظام الذي راهن عليه ثنائي العدوان، ولذلك وجهان: جهل هذا الثنائي بطبيعة الشعب الإيراني، مقابل إدراك النظام جيداً لروحية هذا الشعب، وبخاصة في مواجهة التهديد الخارجي، وهذا كله ما وجّه رسالة غير مسبوقة للخارج، إتكأ عليها النظام، وبنى على الأمر مقتضاه، بما أسقط “إسقاط النظام” وأعاد إنتاجه بأفضل مما كان.
صحيح أن إيران فقدت الكثير من الأرواح، وبينها قيادات تاريخية، وهنا لا يخفي الدبلوماسي الإيراني مرارة القول “يكفي أننا خسرنا قائدنا لكننا ربحنا إيران”.. وصحيحٌ أن إيران تكبّدت خسائر مادية جسيمة لكنها قادرة على اعادة الإعمار والبناء من خلال موارد رئيسة ثلاثة: النفط المزمن أولها؛ عائدات مضيق هرمز المستجدة ثانيها، والأموال المجمدة المقرصنة في أميركا ثالثها، فالنفط إزداد انتاجه إلى مليون ونصف المليون برميل يومياً خلال الحرب، وهو بعدها بالتأكيد نحو ازدياد، ومضيق هرمز ورقة استراتيجية رابحة، تعتبرها ايران أهم “غنائم الحرب” التي تعرف جيداً كيف تستثمرها بما يدرّ عليها عشرات مليارات الدولارات سنوياً، ولهذا تتمسك بها، وهو استثمار يبدأ من رسوم العبور، ولا ينتهي عند ضرائب البيئة، وسطنة عُمان شريكة موافقة في هذا الاستثمار، وهو ما أجهض ويُجهض مفاعيل الحصار الذي يكشف الدبلوماسي الإيراني أن طهران أوجدت له أكثر من مخرج وبديل، فكيف إذا كان هذا الحصار وُلِدَ ميتاً بذاته، من خلال الموانع الطبيعية والعقبات الجغرافية التي حالت وتحول دون تطبيقه وأجبرت ترامب على التراجع عما أسماها “مشروع الحرية” لفتح مضيق هرمز بالقوة بعد 48 ساعة من إعلانها؟
ثانياً؛ الجبهة الخارجية، وهي جبهة تقول ايران إنها استعدت لها جيداً، وجزء من هذا الاستعداد فات مرتكبي العدوان وغاب عنهم، وهو ما فاجأهم مثلما فاجأ غيرهم، إن على صعيد إدارة الحرب والقدرات أو على صعيد إدارة المفاوضات.
في الأولى المتعلقة بالحرب والقدرات، يكتفي الدبلوماسي الإيراني بأن يضرب مثلاً واحداً يكشف فيه أن سرّ قدرة الصواريخ الإيرانية على تخطي المنظومات الاعتراضية هو أن “الكود” الخاص بإطلاق هذه الصواريخ وتوجيهها هو صناعة ايرانية وطنية بحتة، وأن إيران لا تزال قادرة على مواصلة إطلاقها دون مهل زمنية محددة، وهي مشهورة بطول النفَس، فهل الأميركي قادر على التنفس مع ارتفاع سعر البنزين خمسين بالمئة وربما أكثر؟ وهل ترامب قادر على استئناف الحرب من دون موافقة الكونغرس؟ وهل يتحمل الكلفة التي تجاوزت 100 مليار دولار مع حلول الانتخابات النصفية في الخريف المقبل؟
في الثانية المتعلقة بإدارة جبهة المفاوضات، فإن الايراني معروف بطول باعه التفاوضي بشهادة العدو قبل الصديق. ترامب نفسه قال إنهم “مفاوضون بارعون وماهرون”. والتاريخ يشهد كم مئة سنة ظل الإيراني يفاوض الاتراك على تبادل الأراضي الحدودية، فكم يصمد أمامه مفاوض أميركي مستعجل على وقف الاستنزاف، باحثاً عن استراتيجية خروج تنزله عن الشجرة؟
بعض الجواب يكشفه الدبلوماسي الإيراني بأن فريق التفاوض الأميركي خلال الجولة الأولى في العاصمة الباكستانية اسلام آباد، أمضاها في اتصالات ثنائية مع الثنائي الأميركي-الإسرائيلي، وهو يريد وقف الحرب وايران تريد ذلك أيضاً، لكن الفرق أنه لا ولم يقدّم أية مبادرات أو اقتراحات بمعنى المبادرات بقدر ما هي شروط منفصلة عن الواقع، فيما ايران قدّمت وما تزال المبادرة تلو الأخرى، وآخرها مبادرة النقاط العشر وقد وافق عليها ترامب، على ذمة الدبلوماسي الإيراني.
الأداء الإيراني خلال الحرب، والدهاء الايراني خلال المفاوضات، أمران شكّلا مفاجأة للحليفين الروسي والصيني، ترجمتهما الحفاوة التي لقيها وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي خلال زيارتيه الأخيرتين إلى كل من موسكو وبكين، وما سمعه ويسمعه المسؤولون الإيرانيون، من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بأن الحرب كرّست إيران حليفاً استراتيجياً لروسيا يمكنها الإعتماد عليه، كذلك يمكن لطهران الاعتماد على موسكو، ولهذا فإن الدعم الروسي لإيران خلال الحرب لم يتوقف على الصعد كافة ومنها العسكري، وهنا تتحفظ الدبلوماسية الإيرانية في أي بوح لأن الموضوع متعلق بروسيا أيضاً وكذلك الأمر بالنسبة للصين وما ضاعفته من أضعاف مضاعفة من دعمها لإيران التي يكفيها الفيتو الروسي- الصيني في مجلس الأمن الدولي، وهذا الشكر حمله الوزير عراقجي إلى القيادة الصينية في زيارته الأخيرة، وسمع من نظيره الصيني حماسة صينية لوقف الحرب بشكل نهائي.
أما الأوروبيون فيكفيهم ما فيهم، ويكفي اعتبارهم أن هذه الحرب ليست حربهم، وهنا يكتفي الدبلوماسي الإيراني بالقول “ماذا لو تسنى للعالم الإطلاع على مضامين التسجيلات والاتصالات ومحادثات المسؤولين الأوروبيين مع نظرائهم الإيرانيين، لفوجئ بالفرق في الشكل والمضمون قبل الحرب وبعدها، ودُهشَ كيف كانوا يتعاطون مع إيران في خضم المفاوضات النووية وكيف باتوا يتوسلون.. وكفى”.
أما دول الجوار، فإن إيران تؤكد أنها استهدفت القواعد والأصول الأميركية في دول الخليج ليس إلا، وهذه الدول تعرف ذلك وتفهمه جيداً، ولهذا تبقى العلاقات معها الهمّ الأساس في أولويات الدبلوماسية الإيرانية، وهنا يبدأ التوصيف الحالي لها بالرغم من ندوب الحرب في بعضها، فالعلاقة مع السعودية جيدة والتواصل دائم بين طهران والرياض، وكذلك مع عُمان وقطر.. ومع الأخريات لا بأس والتواصل مستمر ولم ينقطع بالرغم من كل ما يُقال، والأيام كفيلة.
أما لبنان، الذي كان وما يزال شريك إيران في الحرب، فإن وقف الحرب على هذه الجبهة في صلب المفاوضات مع الأميركيين، وهو ما بدأ يفهمه ويتفهمه المسؤولون اللبنانيون الرسميون، وكما حقق التنسيق الميداني إنجاز وحدة الساحات، كذلك الالتزام الايراني بالملف اللبناني في “وحدة المفاوضات”، بالرغم من كل المحاولات الأميركية الاسرائيلية لفصله عنها. هو إنجاز للبنان وليس لإيران، بالرغم من “وحدة الجبهات”، لأن طهران “مرتاحة على وضعها”، و”إلا لأُغلِقَ مضيق باب المندب في جبهة اليمن، ولكن ما نفع حرق المراحل”؟
في كتابه «مدافع آية الله.. قصة إيران والثورة»، قال الكاتب العربي الكبير محمد حسنين هيكل عن الثورة الاسلامية في ايران إنها «رصاصة انطلقت من القرن السابع واستقرت في قلب القرن العشرين».. فما عساه يقول لو كان حياً في القرن الحادي والعشرين؟
