قراءة في أرقام حرب إيران.. و”الهدية” التي قدّمها ترامب لأهل النظام

مع إنتهاء الأسبوع الثاني من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ترتسم معالم المأزق الذي بلغته إدارة دونالد ترامب، في ظل إصرار طهران على استمرار إقفال مضيق هرمز، الأمر الذي ترك آثارًا عميقة في الاقتصاد العالمي. وبين ضجيج البورصات والصواريخ والطائرات والبوارج، تتزايد التساؤلات حول نتائج الحرب حتى الآن، من دون إجابات واضحة بسبب التضارب الكبير في المعلومات بين الرواية الإيرانية من جهة والرواية الأميركية «الإسرائيلية» من جهة أخرى.

تقول واشنطن إنها دمّرت نحو خمسة آلاف هدف منذ بداية العدوان، فيما تعلن «إسرائيل» تدمير نحو ثلاثة آلاف هدف، أي ما مجموعه ثمانية آلاف هدف إيراني. غير أن هذه الأرقام تبقى غامضة، إذ لا يكشف أي من الطرفين طبيعة هذه الأهداف، ما يجعلها أقرب إلى أداة دعائية منها إلى تقييم دقيق لنتائج العمليات العسكرية.

تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعكس هذا الغموض. فهو أعلن أن القوات الأميركية دمّرت سلاحي البحرية والطيران الإيرانيين والجزء الأكبر من منصات الصواريخ الباليستية، إضافة إلى مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي. إلا أن تجارب سابقة مع تصريحاته تجعل مصداقيتها موضع شك، إذ سبق أن أعلن في العدوان السابق في يونيو (حزيران) الماضي تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل، قبل أن تشير تسريبات استخبارية أميركية إلى أن الأضرار كانت محدودة ويمكن إصلاحها خلال أشهر. ومع بدء العدوان الجديد قال ترامب إن إيران كانت على بعد أسبوعين فقط من إنتاج قنبلة نووية، ما يثير تساؤلات حول دقة هذه الروايات.. وقال بالأمس إن معظم القدرات العسكرية الإيرانية “اختفت ولم يعد لديهم رادارات أو أنظمة دفاع جوي”.

أما «إسرائيل» فتبدو أكثر تحفظًا في إعلان نتائج عملياتها، برغم أن أهدافها لا تختلف كثيرًا عن الأهداف الأميركية. فقد أعلن رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو في بداية العدوان أن الهدف هو إسقاط النظام في إيران، إلا أن مجريات الميدان أظهرت أن النظام الإيراني أكثر تماسكًا مما توقعه هو وحلفاؤه.

في المقابل، تشير الوقائع الميدانية إلى أن إيران تمكنت من استيعاب الضربة الأولى برغم قسوتها ومن ثم الانتقال سريعًا إلى المبادرة. فبعد ساعات من مقتل المرشد علي خامنئي ونحو أربعين قائدًا عسكريًا، بدأت الصواريخ الإيرانية تستهدف كامل الجغرافيا «الإسرائيلية» وقواعد أميركية في الأردن ودول الخليج، في هجمات بدت منظمة وتعتمد على استخدام المسيّرات لتضليل الرادارات واستنزاف الدفاعات الصاروخية. ولم تمض 24 ساعة حتى كان حزب الله قد أصبح جزءاً من هذه المعركة، فيما أعلنت حركة “أنصار الله” أنها حدّدت الساعة الصفر لانضمامها إلى المعركة إلى جانب إيران “وستُعلَن في الوقت المناسب”.

وخلال أقل من أسبوع تمكن مجلس خبراء القيادة الإيراني من انتخاب خليفة للمرشد هو آية الله مجتبى خامنئي، برغم المراقبة الجوية والفضائية المكثفة التي تمارسها الولايات المتحدة و«إسرائيل». كما سعى النظام إلى حشد الشارع عبر دعوة أنصاره إلى النزول إلى الساحات للتعبير عن الوحدة الوطنية في مواجهة العدوان، فضلاً عن المشهدية المليونية التي ارتسمت في طهران وباقي المدن الإيرانية، لمناسبة “يوم القدس العالمي”.

ويُفيد عددٌ من الصحافيين المستقلين في إيران أن السلطات الإيرانية استفادت كثيرًا من دروس العدوان السابق في يونيو (حزيران) الماضي، إذ عملت خلال الأشهر الثمانية المنصرمة على إعادة نشر بطاريات صواريخها الباليستية على امتداد الخريطة الإيرانية التي تبلغ مساحتها نحو 1.648 مليون كيلومتر مربع. كما نقلت العديد من أجهزة الطرد المركزي من المواقع المكشوفة إلى مواقع أخرى أكثر تحصينًا، وأجرت تعديلات على حركة التصنيع العسكري (ولا سيما المُسيّرات) بما يضمن ديمومة العمل في المصانع المحصنة تحت الأرض على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.

أما عن الأهداف التي تم تدميرها، فيُشير هؤلاء الصحافيون إلى أن معظمها كان عبارة عن مبانٍ مدنية أو مباني منخفضة الارتفاع تشكل مراكز تجمع للشرطة أو لـ«الباسيج» والمؤسسات القضائية، وقد جرى إخلاؤها في الساعات الأولى للعدوان. ومع ذلك، واصلت الولايات المتحدة و«إسرائيل» استهدافها بهدف عرقلة أي انتشار لاحق للشرطة و«الباسيج» عندما يحين أوان تحريك تظاهرات شعبية ضد النظام. وبطبيعة الحال، فإن هذه المواقع مؤلفة من مئات، إن لم يكن آلاف المباني.

ويكشف أحد الصحافيين أن الحرس الثوري والجيش الإيراني نشرا منصات صواريخ وهمية في مئات المواقع لتضليل المراقبة والهجمات المعادية. لكن ذلك لا يمنع أن يكون جزء من المنصات الحقيقية قد دُمّر، غير أن أحدًا لا يستطيع اليوم تقدير حجم الخسائر بدقة قبل انجلاء غبار المعارك.

ويضيف الصحافي، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، أن العدوان على إيران قدم «هدية لا تقدر بثمن» للنظام الإسلامي فيها، إذ استعاد زمام المبادرة في الشارع الإيراني بكل أطيافه ومذاهبه وقواه السياسية. فالشعب الإيراني، الذي يزيد تعداده على تسعين مليون نسمة ويضم طوائف متعددة (من مسلمين ومسيحيين ويهود وزرادشتيين) وأعراقًا مختلفة، يحمل إرثًا حضاريًا عريقًا يعود إلى الإمبراطورية الفارسية التي تمتد جذورها لآلاف السنين. لذلك يصعب عليه تقبل الاعتداء عليه من دولة حديثة مثل «إسرائيل» لم يتجاوز عمرها 78 عامًا، ولا يزيد عدد سكانها على عشرة ملايين نسمة، فيما تبلغ مساحتها نحو 29 ألف كيلومتر مربع.

إقرأ على موقع 180  ما بعد توقيف القحطاني.. إضعاف "المعتدلين" في "جبهة النصرة"!

ويضيف أن الإيرانيين ينظرون أيضًا إلى الولايات المتحدة كقوة استعمارية تمتلك قدرات كبيرة لكنها دولة حديثة نسبيًا لا يتجاوز عمرها نحو ثلاثة قرون. ويتميز المجتمع الإيراني بإحساس وطني مرتفع، يظهر حتى لدى القوى المعارضة للنظام. ومثال ذلك أن حزب «توده» الشيوعي الإيراني، وهو حزب معارض يعيش معظم أعضائه في المنفى، أصدر بيانًا دعا فيه الشعب الإيراني إلى الوحدة الوطنية لمواجهة العدوان. لذلك فإن أي رهان على إسقاط النظام عبر حراك في الشارع لم يعد رهانًا واقعيًا.

وعن الوضع في الشارع الإيراني اليوم يكتفي الصحافي الإيراني بالقول إنه، على الرغم من القصف العنيف والصعوبات الاقتصادية الكبيرة، شهدت المدن الإيرانية تظاهرات ضمت أطيافًا واسعة من المجتمع: من العلماني إلى المتدين، ومن المرأة المحجبة إلى السافرة، ومن الشاب إلى المسن، في مشهد نادر كان يصعب رؤيته قبل الحرب بسبب القيود الاجتماعية الصارمة.

في ظل هذا المشهد، يبدو أن العدد الأكبر من الخسائر البشرية يقع في صفوف المدنيين الإيرانيين. غير أن الأرقام ما تزال غير دقيقة، إذ تشير التقديرات الرسمية إلى سقوط أقل من ألفي قتيل وأكثر من عشرين ألف جريح حتى الآن. وقال رئيس جمعية الهلال الأحمر الإيراني بيرحسين كوليوند إن أكثر من 21 ألفا و720 موقعاً مدنياً إيرانياً تعرضت لهجمات خلال الحرب، وأوضح أن الهجمات طالت 17 ألفا و353 وحدة سكنية، إضافة إلى 4122 منشأة تجارية و160 مركزا صحيا تشمل مستشفيات وقواعد إسعاف طارئ ومراكز صحية وصيدليات. وأشار إلى أن القصف المتواصل أدى إلى خروج 9 مستشفيات عن الخدمة، كما تم استهداف 69 مدرسة و16 فرعاً من مراكز الهلال الأحمر، إلى جانب 21 مركبة إنقاذ و19 سيارة إسعاف. وأفادت وكالة “هرانا” الحقوقية بأن أكثر من 1100 طفل سقطوا بين قتيل وجريح نتيجة القصف والغارات الجوية.

ويبقى السؤال: هل ترفع إيران الراية البيضاء إذا طال أمد الحرب؟

تشي طبيعة الأيديولوجيا التي تحكم النظام إلى أن ذلك غير مرجح، فهي تقوم على خطاب تعبوي يستند إلى ثقافة «كربلائية» ترفض الاستسلام مهما بلغت التضحيات. وقد تولى زمام القيادة اليوم المرشد الجديد آية الله مجتبى خامنئي وهو ما يحمل دلالات سياسية ورمزية، إذ يُعدُ «وليّ الدم» لوالده ولزوجته وابنته اللتين استشهدتا مع والده ولكل ضحايا الحرب، فضلاً عن كونه شخصية فاعلة منذ سنوات في إدارة شؤون الدولة، ويتميز بتشدده وعدم تساهله في مقاربة ملفات داخلية وخارجية.

وطالما أن إيران لا تبدو مستعدة للاستسلام وأن سقوط النظام عبر حرب عسكرية أو انقلاب داخلي يبدو مستبعدًا، يبرز السؤال عن الخطة البديلة للإدارة الأميركية. في هذا السياق، يرجح أن تسعى واشنطن إلى تسوية تُبقي إيران تحت وطأة العقوبات الاقتصادية والمالية المشددة، خصوصًا أن البلاد ستحتاج بعد الحرب إلى مليارات الدولارات لإعادة إعمار ما دُمّر وتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، غير أن إطالة أمد الحرب لن تضيف مكاسب عسكرية استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة و«إسرائيل»، بقدر ما ستفاقم الأزمات الاقتصادية في المنطقة وربما في أوروبا أيضًا. لذلك يبدو أن الحاجة الملحة اليوم هي وقف هذه الحرب قبل أن تتحول إلى صراع عبثي لا يُنتج سوى سقوط المزيد من الضحايا الأبرياء.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني؛ كان يُوقّع مقالاته باسم "ماهر أبي نادر" لضرورات عمله

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  حرب أوكرانيا.. فرصة تركية لتحقيق مكانة دولية