الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران: قراءة في الأهداف والآفاق

دخلت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران أسبوعها الرابع، وبدأت على شكل هجمات جوية مشتركة استهدفت نحو سبعة آلاف موقع داخل إيران، رافقتها عمليات اغتيال استندت إلى معلومات استخبارية وتقنيات متطورة، طالت عدداً كبيراً من القيادات الإيرانية، في مقدمها المرشد الأعلى السيد علي خامنئي. في المقابل، ردّت إيران بقصف صاروخي بالستي استهدف مواقع داخل إسرائيل، وكان أعنفها ضربة ديمونا وعراد مساء السبت الماضي.

توسّع مسرح العمليات في الشرق الأوسط مع دخول حزب الله اللبناني على خط المواجهة عبر الجبهة الشمالية لإسرائيل، كما دخلت القواعد العسكرية والمصالح الأميركية في العراق ودول الخليج والأردن في دائرة الاستهداف، لتصبح أهدافاً للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.

ومع تطور المواجهة، تحوّلت الحرب في جانب منها إلى “حرب طاقة” مع اغلاق مضيق هرمز، وارتفع منسوب التوتر بعد استهداف مستودعات الوقود في طهران وحقل غاز “بارس” في إيران، وردّ طهران بقصف منشآت الغاز المسال في رأس لفان، إضافة إلى استهداف مصافٍ في الكويت والسعودية وأبوظبي (الإمارات) وأربيل (العراق) وحيفا (فلسطين المحتلة).

انطلاقاً من هذه الوقائع، يمكن استشراف أسباب هذه الحرب وآفاقها:

أولاً؛ أهداف الحرب

نتائج أول ثلاثة أسابيع (المصدر: الجزيرة)

يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تردّد في تحديد أهداف واضحة للحرب؛ فتارة تحدّث عن “استسلام غير مشروط” لإيران، وتارة عن “تغيير النظام”، ثم عن “تغيير سلوكه”، وصولاً إلى الحديث عن دور في اختيار المرشد الجديد. كما أجرى اتصالات مع زعيم المعارضة الكردية الإيرانية مصطفى الهجري، تلتها اتصالات مع زعيمي إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني وبافل الطالباني، في محاولة لدفع الأكراد إلى فتح جبهة في غرب إيران، قبل أن يتراجع ويعلن عدم تحريكهم.

وبرغم هذا التردد الظاهري، تشير المواقف والممارسات الأميركية إلى أن الهدف يتجاوز الضغط السياسي، ليشمل إضعاف بنية الدولة الإيرانية، وربما دفعها نحو التفكك، وهو ما يُستدل عليه من استهداف مراكز الشرطة والقضاء والمواقع الإدارية، فضلاً عن التهديد باستهداف محطات الطاقة. وتلتقي إسرائيل مع هذا التوجه، إذ تُظهر رفضاً لأي تسوية تُبقي على إيران كدولة ونظام، وتدفع باتجاه إضعاف شامل لمقوماتها.

في المقابل، تبدو أولوية إيران هي الدفاع عن النظام والدولة والأرض والشعب، في مواجهة ما تعتبره هجوماً غير مسبوق. غير أن الخطاب الإيراني السابق، ولا سيما شعارات مثل “الموت لأميركا” و”الموت لإسرائيل”، إضافة إلى دعوة المرشد السيد علي خامنئي عام 2020 إلى إخراج الولايات المتحدة من “غرب آسيا”، عزّزت لدى خصوم طهران قناعة بوجود نوايا استراتيجية لتقليص النفوذ الأميركي في المنطقة.

وبين هذين الهدفين المتباعدين، تبدو فرص التوصل إلى تسوية بين الجانبين الأميركي-الإسرائيلي من جهة والإيراني من جهة مقابلة، محدودة للغاية في ظل موازين القوى الراهنة والمعادلة الصفرية التي تحكم الصراع بينهما حتى الآن.

ثانياً؛ العلاقات الإيرانية الخليجية

مرّت العلاقات الإيرانية–الخليجية بمراحل متعددة. ففي عهد الشاه محمد رضا بهلوي، لعبت إيران دور “شرطي الخليج”. وبعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، اندلعت الحرب العراقية–الإيرانية في ظل أوضاع داخلية إيرانية غير مستقرة ودعم خليجي غير محدود لصدام حسين، ما دفع النظام الوليد في طهران إلى توظيف الحرب لتوحيد الداخل في خضم حرب استمرت ثماني سنوات.

انتهت الحرب عام 1988 بقبول وقف إطلاق النار، في ما وصفه الإمام الخميني بأنه “تجرّع السم”، في إشارة إلى كلفة الحرب على الطرفين.

لاحقاً، نسجت إيران علاقات اقتصادية مع دول الخليج، واعتمدت خطاب “حسن الجوار”. وتشير حركة الطيران، خصوصاً مع الإمارات، إلى حجم التبادل، إذ تتجاوز الرحلات اليومية بين الجانبين عشرات الرحلات. كما أصبحت الإمارات، ولا سيما دبي، مركزاً للنشاط التجاري الإيراني، في ظل العقوبات المفروضة على طهران.

في المقابل، بنت دول الخليج علاقات واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين والهند وروسيا، وتحولت إلى مراكز اقتصادية ومالية مؤثرة عالمياً. كما استضافت قواعد عسكرية أميركية في دول عدة، أبرزها الكويت والبحرين وقطر والإمارات، إضافة إلى العراق والسعودية.

تنظر دول الخليج إلى هذا الوجود العسكري باعتباره عنصر حماية لها مقابل ضمانة استمرار تدفق النفط، فيما تعتبره إيران تهديداً مباشراً لأمنها، وبخاصة مع تنامي الحضور الأمني الإسرائيلي في عدد من دول الخليج، بعد ابرام “اتفاقات أبراهام”، وهو ما عزّز منسوب التوتر بين الطرفين، إلى أن جاء اتفاق بكين في شتاء العام 2023 ليضبط سقف العلاقة السعودية الإيرانية برعاية صينية، وليُدشّن مسارا تصاعدياً استمر حتى لحظة اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ثالثاً؛ ضيق الهامش

مع مرور الوقت، ضاق هامش العلاقات بين إيران ودول الخليج، وذلك مع تصاعد الشعور الإيراني بالتهديد، وتزايد الانتقادات الخليجية لسلوك طهران الإقليمي. وجاءت الحرب الأخيرة، بما تضمنته من اغتيالات واستهدافات مباشرة، لتقضي على ما تبقى من قنوات تهدئة وربط نزاع بين الجانبين.

ومع استعار الحرب، ردّت إيران بتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل القواعد الأميركية في معظم دول المنطقة باستثناء تركيا وسوريا. وفي الوقت نفسه، برزت دعوات أميركية، من بينها مواقف للسناتور ليندسي غراهام، تدعو دول الخليج إلى الانخراط المباشر في المواجهة.

إقرأ على موقع 180  عندما يسقط لبنان.. سقوطه الأخير!

في المرحلة الراهنة، تكتفي دول الخليج بإجراءات دفاعية، كاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلا أن استمرار الحرب قد يضعها أمام خيارات أكثر انخراطاً، بما يحمله ذلك من مخاطر على اقتصاداتها واستقرارها، برغم خطابها الدفاعي الذي يجعلها تحتفظ بحق الرد من دون استخدامه حتى الآن.

رابعاً؛ اتساع رقعة المواجهة

تتكرر الدعوات إلى وقف إطلاق النار أو التهدئة، لكن تظل الأسئلة مفتوحة: من يملك قرار إنهاء الحرب؟ ومن يمكن أن يلعب دور الوسيط؟ وهل يمكن إحياء دور الأمم المتحدة في ظل التوترات الحالية؟

تبدو شروط الأطراف متباعدة؛ فإيران تطالب بضمانات بعدم الاعتداء وبتعويضات وتشترط ترابط الساحات (مع العراق ولبنان واليمن)، فيما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إضعاف إيران وتبديد امكاناتها ومواردها. وفي ظل هذا التباعد، تستمر الحرب في التوسع، مع تصاعد أزمة الطاقة وضغوطها على الأسواق العالمية.

كما لا يُستبعد اتساع رقعة المواجهة إلى مناطق أخرى، مثل البحر الأحمر (باب المندب)، أو استمرارها لفترة طويلة، في ظل تحولات داخل القيادة الإيرانية وسعيها إلى تثبيت موقعها.

خامساً؛ نهاية الحرب

يبدو أن التوصل إلى تسوية يتطلب وضوح عدد من العوامل:

  • حجم القدرات الصاروخية لدى إيران وحلفائها.
  • مستقبل الوضع في مضيق هرمز، بين التهديد بإغلاقه ومحاولات فتحه.
  • مستقبل القواعد الأميركية في الخليج.
  • إمكانية الربط بين الملفات الإقليمية، خصوصاً لبنان.

حتى الآن، لا تزال البيئة السياسية في إسرائيل والولايات المتحدة تميل إلى استمرار المواجهة، في ظل دعم داخلي للحرب وعدم وصول كلفة الخسائر إلى مستوى يفرض تسوية سريعة.

إلى ذلك الحين، تبدو الحرب مرشحة للاستمرار لأشهر على الأقل، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب نهايتها.

Print Friendly, PDF & Email
إلياس فرحات

عميد ركن متقاعد

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  هل تفعلها كامالا هاريس؟