“الناتو”.. حلف بلا بوصلة

وضع دونالد ترامب المنطقة والعالم أمام مواعيد واحتمالات تفوق التوقعات المرصودة من صُنّاع السياسات، لا سيّما أنه جزم في خطاباته المتتالية بأنه سيدمّر إيران في أربع ساعات إذا لم تقبل الصفقة المطروحة عليها، فيما حلفاؤه التاريخيون في المنطقة يتحضّرون لنتائج "الجحيم الأميركي الموعود"، بينما دول مثل روسيا وباكستان وتركيا ومصر وسلطنة عُمان وقطر تعمل بأقصى طاقاتها لإيجاد تسوية تحمي المنطقة والعالم من تداعيات ما بعد "الجنون الترامبي"!

هذا الجنون الذي يلفح العالم من أقصاه إلى أقصاه لم يطل إيران ودول المنطقة فحسب؛ بل كشف عن تفسّخ كبير في الحلف الغربي، العسكري والسياسي الذي لطالما شكّل مظلّة أميركية للتدخل الخارجي، منذ الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا. من هنا لم تعد أزمة حلف “الناتو” مجرد خلاف على نسب الإنفاق الدفاعي أو على الأسلوب الترامبي “الفجّ” في مخاطبة الحلفاء؛ بل غدت أزمة تمسّ سؤالاً أعمق، يتعدّى معنى الحلف إلى وظيفته التي طبعت وجوده: فهل هو تحالف دفاعي أُنشئ لحماية الفضاء الأوروبي-الأطلسي، أم شبكة طاعة استراتيجية يُفترض أن تتبع الولايات المتحدة حيثما قررت خوض الحرب، من أوروبا إلى هرمز فآسيا؟ من هنا تكتسب التوترات الراهنة خطورتها، ولا سيما بعد تهديد ترامب بإعادة النظر في بقاء الولايات المتحدة داخل الحلف، وتصاعد غضبه من رفض حلفائه الأوروبيين دعم الحرب على إيران أو تحويل “الناتو” إلى أداة هجومية في مضيق هرمز.

***

لم يكن حلف “الناتو” يوماً تحالفاً بلا شقوق، فقد تأسّس سنة 1949 بوصفه أداة ردع جماعي في مواجهة الاتحاد السوفياتي مع بداية حقبة الحرب الباردة، وقد عكست المادة الخامسة برمزيتها مضمونه العملي، إذ نصّت على أن الهجوم المسلح على دولة عضو واحدة أو أكثر يُعدّ هجوماً على جميع الأعضاء، بما يستتبع التزاماً جماعياً بمساعدة الدولة المعتدى عليها، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة إذا رأت الدول الأعضاء ذلك ضرورياً. غير أن أهمية النص لا تكمن فقط في طابعه الردعي، وإنما في تركه الحرية لأعضائه في تحديد شكل المساعدة التي يقدمونها. وأشار الموقع الرسمي للناتو إلى أنه تم تفعيل المادة الخامسة رسمياً مرة واحدة فقط بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، ما يؤكّد أن الحلف قام أصلاً على مبدأ الدفاع عن أعضائه إذا تعرضوا لهجوم، لا على مرافقة الولايات المتحدة في كل حرب تختارها خارج الفضاء الأطلسي.

***

شكّلت أزمة السويس عام 1956 أول اختبار كبير لوحدة الحلفاء في “الغرب الأطلسي”، يوم قررت بريطانيا وفرنسا، بالتنسيق مع إسرائيل، خوض حرب ضد مصر بعد تأميم القناة، فيما عارضت الولايات المتحدة تلك المغامرة بشدة. لم ينهَر الحلف، لكنه اكتشف مبكراً أن وحدة المعسكر الغربي لا تعني وحدة المصالح، وأن الشرق الأوسط كان، منذ ذلك الوقت، أحد الميادين التي تكشف حدود الانسجام الأطلسي.

***

شكّلت لحظة شارل ديغول سنة 1966 محطة لتصحيح العلاقة بين الحلفاء؛ فقد اختارت فرنسا الانسحاب من القيادة العسكرية المندمجة لحلف “الناتو”، من دون أن تنسحب من الحلف نفسه أو من مبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة. لكن جوهر الموقف “الديغولي” كان واضحاً: رفض التبعية الكاملة للقيادة الأميركية، مع الإبقاء على أصل التحالف. وتكتسب اليوم هذه السابقة التاريخية دلالة خاصة، لأنها تُبيّن أن التوتر مع واشنطن لا يؤدي بالضرورة إلى انفراط الحلف فوراً، لكنه قد يدفع الدول الأوروبية إلى إعادة تعريف موقعها داخله والسعي إلى هامش أوسع من الإستقلالية في القرار الأمني – الاستراتيجي.

***

توسّع دور حلف “الناتو” وتبدّلت وظائفه بعد الحرب الباردة، لا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانحسار الخطر الشيوعي في مطلع تسعينيات القرن الماضي، فأخرج ذلك الحلف من منطقه الدفاعي الصارم إلى أدوار أوسع في إدارة الأزمات والتدخلات، وهذا ما شاهدناه بوضوح في العملية العسكرية على يوغسلافيا (حملة كوسوفو 1999)، وبعد ذلك في تفعيل المادة الخامسة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. لكن هذا التوسّع حمل معه بذور الانقسام، لأن كل ابتعاد عن وظيفة الدفاع المباشر عن الأعضاء كان يطرح سؤال الشرعية والحدود، كما حدث في الحرب على العراق عام 2003، التي كان الصوت الفرنسي الرافض فيها عالياً. ولهذا لا يصعب فهم الرفض الأوروبي الحالي لتحويل الحرب على إيران أو ملف هرمز إلى مهمة أطلسية. ففرنسا صرّحت بوضوح أن الناتو وُجد لأمن الفضاء الأوروبي-الأطلسي، لا للقيام بعمليات هجومية في هرمز، كما شدّد الرئيس إيمانويل ماكرون على أن فتح المضيق بالقوة ليس خياراً واقعياً.

***

تبدو الأزمة الحالية التي يواجهها الحلف أخطر من أزمة السويس ومن مراجعة ديغول لميكانيزم العلاقة مع واشنطن معاً. فلم تعد المشكلة خلافاً على عملية محددة؛ بل أضحت تمسّ معنى الردع ذاته، إذ إن الخوف الأوروبي لم يعد محصوراً في احتمال انسحاب أميركي قانوني من الحلف؛ بل في احتمال أن تُفرغ واشنطن التزاماتها من مضمونها حتى لو بقيت رسمياً داخله، لا سيّما مع ربط الرئيس الأميركي قيمة الحلف بمدى استعداد الحلفاء لمساندته في حربه على إيران. عندها يتسرّب الشك إلى أساس الثقة الأطلسية بين أعضائه، خصوصاً مع الخطاب الاستعلائي المتكرّر لدونالد ترامب في وجه حلفائه، ووصفه الحلف من دون الولايات المتحدة الأميركية بأنه “نمر من ورق”.

إقرأ على موقع 180  الشرع في البيت الأبيض.. ما هي وظيفة النظام السوري الجديد؟

***

تعكس “الشروخ” الظاهرة بين ضفتي الأطلسي، وحلفاء واشنطن في المقلب الآخر من العالم في المحيط الهادئ، المعضلة الأعمق المتعلقة بحساب الأولويات بين الحلفاء، إذ لم تعد واحدة. وهذا قد يمنح الصين وروسيا فرصة لالتقاط الأنفاس وتعميق هذا الشرخ من بوابة المصالح لا الإملاءات. فأوروبا ترى في روسيا التهديد الأمني الأول، بينما تنظر اليابان وكوريا الجنوبية إلى الصين بوصفها التحدي المركزي في بيئتها الاستراتيجية (وتحل كوريا الشمالية في المرتبة الثانية). أما واشنطن “الترامبية” فتريد من الجميع أن يندرجوا تحت سقف أولوياتها، ولو اقتضى ذلك الانخراط في حرب تهدد الطاقة العالمية وتزيد هشاشة النظام الدولي. هنا تتكشف حقيقة الأزمة: ليست أزمة تمويل، بل أزمة تعريف للعدو، وأزمة تحديد أولويات، وأزمة قيادة أيضاً، لا سيّما أن ترامب يريد إحراق “العالم” خارج الأميركيتين ليتفرّغ لشعاره “أميركا أولاً”.

***

تدل المؤشرات العملانية على أن أوروبا بدأت، ولو ببطء، تعيد رسم حدود التبعية لواشنطن وتضع خطوطاً فاصلة، وكذلك تفعل الدول “الأساسية” المتحالفة مع الولايات المتحدة في المحيط الهادئ. وليس مستبعداً، إذا طال أمد الحرب واتسعت كلفتها، أن يتعمق هذا التمايز أكثر، وأن تصبح الاستقلالية الأوروبية والآسيوية حاجة عملية لا مجرد شعار فرنسي قديم.

***

السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت أوروبا ستنفصل عن الولايات المتحدة غداً، أو أن اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية سترخي يدها قليلاً عن الساعد الأميركي؛ بل ما إذا كانت هذه الحرب ستدفعها إلى مراجعة عميقة لشروط تحالف بات أكثر اختلالاً وأقل إقناعاً. وإذا عجزت دول العالم في أوروبا وشرق آسيا والدول الإسلامية عن ترجمة اعتراضها على هذه الحرب المجنونة إلى سياسة متماسكة، فسيبقى رفضها الراهن مجرد موقف أخلاقي مرتفع النبرة، محدود الأثر، في عالم لا تكفي فيه الاعتراضات غير المسنودة بالقوة لصناعة السلام، وسيدق مسمار جديد في نعش النظام الدولي المهترئ في قواعده ومعاييره. وعندها لا يعود السؤال: هل ينفرط عقد “الناتو”؟ وإنما: هل يبقى من النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية ما يكفي لمنع العالم من الانزلاق إلى زمن القوة العارية؟

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  ترامب والبرغوثي.. اختبار حدود الضغط الأميركي على إسرائيل