“حرب المضيقين”.. كابوسٌ يُؤرّق بال قادة جيوش العالم!

معظم المفاهيم التي وضعها الجغرافي البريطاني هالفورد ماكيندر(Halford Mackinder) والمنظّر الأميركي ألفرد ماهان (Alfred Thayer Mahan) حول التناقض بين القوتين البحرية والبرية ما زالت صالحة للتطبيق على الصراع الذي نشهد فصوله حالياً في مضيق هرمز في سياق الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وبالفعل، تنطوي أزمة مضيق هرمز والحصار البحري الأميركي على إيران، على اختبار نموذجي للمعادلة بين القوة البرية من جهة والقوة البحرية من جهة أخرى، إذ يمثل مضيق هرمز، بحسب نظرية ماكيندر بوابة المجال الأوراسي الذي يتحكم بالعالم بفضل إمكاناته الاقتصادية والبشرية، فيما يبدو المضيق نفسه، من وجهة نظر ماهان، نقطة الاشتباك البحرية الحاسمة، فمن يسيطر عليه يُمسك بنفط الخليج ويُمكنه تالياً خنق منافسه اقتصادياً.

هرمز بوابة “الجزيرة العالمية”

لقد بات مضيق هرمز، في ظل المعركة الدائرة بين أميركا وإيران، المكان الذي تتركز فيه المواجهة الأساسية بين القوة البرية والقوة البحرية، أي بين من يسيطر على المحيطات ويقبض على التجارة العالمية عبر الطرق والممرات البحرية ولديه سلاح الحصار البحري لامتلاكه الأساطيل؛ ومن جهة أخرى، من يهيمن على “منطقة القلب” الأوراسية باعتبارها مركز القوة والثروة في العالم ونقطة التلاقي والشراكة بين إيران والصين وروسيا، يُصبح لديه سلاح الدفاع عبر الممرات البرية وخطوط الأنابيب وسكك الحديد والقوات البرية.

وتُطبّق الولايات المتحدة الأميركية منذ العام 1870 الاستراتيجية النابعة من مدرسة ألفرد ماهان التي تعتبر مضيق هرمز نقطة الاشتباك التي تسمح بالسيطرة على نفط الخليج. وهنا يتيح الحصار التغلب على الخصم (الإيراني أو الصيني) عبر الخنق الاقتصادي من دون الإقدام على الغزو أو الاجتياح البري وذلك في ظل تمركز الأسطول الأميركي الخامس في البحرين في قلب عقدة الطاقة العالمية، أي في قلب المضيق.

هذه الاستراتيجية الأميركية عمادها الأساس القوة البحرية وهدفها احتواء كل من الصين وروسيا عبر البحار. وعلى هذا النحو، فإن السيطرة على مضيقي ملقا وهرمز وقناة السويس، قد تفضي إلى عزل الصين عن العالم من دون إطلاق رصاصة أو إنزال جندي في البر الصيني.

في المقابل، تجنح الصين وروسيا عملياً إلى تبني نظرية ماكيندر حول هرمز بوصفه البوابة البرية عالمياً لـ”الجزيرة العالمية”، أي أوراسيا. ولذلك، فإن من يُسيطر على إيران يتحكم بالمعبر من الخليج إلى آسيا الوسطى، أي البوابة الجنوبية للفضاء الأوراسي. وفي حال ربط الصين بإيران عبر سكك الحديد وشبكة الأنابيب النفطية، تسقط جدوى الحصار البحري الأميركي، وتتغلب الأرض على البحر.

حرب هرمز.. لن تقع

ويجب ألا يغيب عن البال أيضاً، أن “كوريدور” شمال/جنوب من روسيا إلى بحر قزوين وإيران والمحيط الهندي، يهدف إلى بناء طريق برية من شأنها أن تجعل هرمز من دون جدوى، ما يعني أن استراتيجية القوة البرية التي تعتمدها الصين وإيران وروسيا، تهدف في التحليل النهائي إلى تجاوز عقبة هرمز في حال الحصار الأميركي، وترك النفط يتدفق براً برغم التطويق.

وإذا انطلقنا من المعادلة القائلة إن أميركا تُمسك بخناق القوة البحرية وتتحكم بالاقتصاد العالمي من خلال سيطرة الدولار والتأمينات البحرية من جهة، وأن الكتلة الجيوسياسية المكوّنة من الصين وإيران وروسيا تسيطر على المجال الحيوي الأوراسي وخطوط الأنابيب من جهة أخرى، فإن حرب هرمز قد لا تقع ما دامت بكين وواشنطن تعتقدان أن كلاهما يخسر فيها.

وفي الانتظار، لن تكون اليد العليا للقوة البرية في حال تمكنت أميركا من السيطرة على ضفتي هرمز والدولار. إذ ذاك تسقط إيران ويُطبق الحصار البحري على الصين. وفي حال تغلّب القوة البرية، فإن الممرات البرية بين إيران والصين وروسيا تُسجّل نقل عشرة ملايين برميل نفط يومياً، في حين يصبح هرمز عادياً مثله مثل غيره من الممرات من دون امتياز، ولا يعود البحر قادراً على خنق المجال البرّي.

الربط بين هرمز وتايوان

ولعل الأمر اللافت للانتباه، أن الولايات المتحدة تحاول الربط بين مضيقي هرمز وتايوان، لخنق الصادرات التكنولوجية الصينية لدى خروجها. يعني ذلك فرض حصار أميركي على مضيقي ملقا وهرمز لقطع الطريق على وصول الطاقة الصينية، وبالتالي فإن الخطة الصينية تفرض تأمين إيران وخطوط الأنابيب قبل إعادة تحريك ملف جزيرة تايوان إذ يمكن الصمود ستة أشهر أمام حصار بحري أميركي في حال كان مضيق هرمز آمناً.

يقود ذلك للاستنتاج أن إيران وتايوان يُمثلان من وجهة نظر بكين ملفاً واحداً؛ فالصين تتجنب الاقتراب من تايوان ما دام هرمز ليس مؤمناً عبر “الكوريدور” البرّي المنشود.

أما إذا انتقلنا إلى سيناريو “حرب المضيقين”، فإننا سنجد أن هذا السيناريو هو الكابوس الذي يؤرق بال قادة أركان وجيوش العالم: إذا تحركت الصين على مستوى تايوان، تفتح أميركا “جبهة هرمز” لحرمانها من الطاقة: إذا كنت تريد الجزيرة فإنك تخسر النفط!

وإذا هدّدت الولايات المتحدة مضيق هرمز من خلال إيران، تتقدم الصين في اتجاه تايوان لإجبار واشنطن على الاختيار: إذا كنت تريد نفطي فإنني أقبض على الجزيرة!

إقرأ على موقع 180  طوفان الأقصى.. التحرير قبل الدولة

وتضطلع السعودية بدور المتغير الأساسي في اللعبة، إذ يتعين على ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أن يُقرّر ما إذا كان على حكومة الرياض أن تفتح خط الأنابيب البري من الشرق إلى الغرب من أجل الصين، وعند ذلك تصمد الصين من دون هرمز وتنتصر القوة البرية. أما إذا قرّرت السعودية تجاوز كل الحسابات والتوازنات الإقليمية للالتحاق بالولايات المتحدة، فإن الصين تتعثر في امتحان الصمود ستين يوماً وتتغلب القوة البحرية. وهذا ما يُفسّر لماذا حرصت الصين عام 2023 على التوسط في المصالحة بين طهران والرياض أي تحديداً استباق احتمال تحقق السيناريو الثاني.

(*) بالتزامن مع “الشروق

Print Friendly, PDF & Email
ميشال نوفل

كاتب وصحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  حكومة حزب الله.. بأكثر من ثلث أميركي معطل