من بكين إلى طهران.. الأهداف الحقيقية للقمة الأميركية الصينية

لم تعد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين حدثاً دبلوماسياً عادياً يرتبط بالخلافات التجارية أو الرسوم الجمركية أو التنافس التكنولوجي فحسب، بل جاءت في لحظة تشهد تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، حيث بدأت الولايات المتحدة تدرك أن العالم يتجه تدريجياً من مرحلة الهيمنة الأميركية الأحادية إلى مرحلة الصراع على إعادة توزيع مراكز القوة العالمية.

في سياق هذا التحول، أصبح الشرق الأوسط محوراً رئيسياً في الصراع الدولي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، نظراً إلى موقعه الجغرافي، وثرواته النفطية، وتحكمه بأهم الممرات البحرية والتجارية في العالم. ولذلك فإن أي تصعيد في المنطقة لم يعد يُقرأ فقط من زاوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي أو النزاع الأميركي ـ الإيراني، بل بات جزءاً من معركة أوسع تتعلق بمستقبل النظام العالمي نفسه. فالولايات المتحدة تنظر إلى الصين باعتبارها المنافس الاستراتيجي الأخطر في العقود المقبلة، ليس فقط بسبب صعودها الاقتصادي، بل بسبب محاولتها بناء نفوذ عالمي يُنافس النفوذ الأميركي عبر الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والممرات التجارية. ومن هنا تبرز أهمية مشروع “الحزام والطريق” الصيني، الذي يهدف إلى إعادة تشكيل طرق التجارة الدولية وربط آسيا بأوروبا وأفريقيا ضمن شبكة نفوذ طويلة الأمد تقودها بكين. وتعتبر الولايات المتحدة أن نجاح الصين في تثبيت نفوذها في الشرق الأوسط سيؤدي تدريجياً إلى تقويض السيطرة الأميركية على الاقتصاد العالمي، خصوصاً أن الصين تعتمد بصورة أساسية على تدفق الطاقة من الخليج وإيران، وعلى استقرار خطوط الملاحة الممتدة من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وقناة السويس.

لهذا السبب، جاءت زيارة ترامب إلى الصين محمّلة برسائل سياسية وأمنية تتجاوز الطابع البروتوكولي. فالهدف الأساسي للزيارة لم يكن فقط إدارة التنافس الاقتصادي مع بكين، بل وضع الصين أمام معادلة استراتيجية واضحة تتعلق بإيران ومستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.

الإدارة الأميركية باتت تنظر إلى إيران باعتبارها أكثر من مجرد خصم إقليمي. فبعد سنوات من التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وصلت واشنطن إلى قناعة بأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في المشروع النووي الإيراني أو في نفوذ طهران الإقليمي، بل في تحول إيران إلى قاعدة متقدمة لمحور دولي يضم روسيا والصين وكوريا الشمالية.

في المراحل السابقة، كانت الولايات المتحدة تعتقد أن إيران ستبقى ضمن هامش الاستقلال السياسي الذي عبّر عنه الإمام الخميني بشعار “لا شرقية ولا غربية”، ولذلك تعاملت واشنطن مع النفوذ الإيراني بوصفه مشروعاً إقليمياً قابلاً للاحتواء. كما أن فتوى الإمام علي الخامنئي التي تحرّم إنتاج السلاح النووي ساهمت في بناء قناعة أميركية بأن طهران لن تتجه نحو تصنيع قنبلة نووية، وهو ما مهّد للاتفاق النووي الذي سمح في العام 2015 لإيران بالحفاظ على برنامج نووي سلمي مقابل رفع جزء من العقوبات، ليأتي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض فينقلب على الاتفاق الذي أبرمه باراك أوباما.

غير أن التحول الجوهري بدأ بعد العام 2015 مع إنخراط روسيا عسكرياً في الأزمة السورية، وهو الأمر الذي اعتبرته الدوائر الغربية تجاوزاً استراتيجياً خطيراً، لأنه أعاد موسكو إلى الشرق الأوسط كلاعب عسكري مباشر للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة. ثم جاء توقيع الشراكة الاستراتيجية الإيرانية ـ الصينية، ليُعزّز داخل واشنطن قناعة مفادها أن إيران انتقلت من موقع “الخصم الإقليمي” إلى موقع “الركيزة الجيوسياسية” لمحور دولي منافس للولايات المتحدة.

من هنا بدأت الإدارة الأميركية تنظر إلى الملف الإيراني باعتباره جزءاً من معركة الاحتواء الكبرى لكل من الصين وروسيا، لا مجرد أزمة مرتبطة بالشرق الأوسط. فواشنطن تدرك أن بقاء إيران قوية ومستقرة ضمن هذا المحور يمنح الصين عمقاً استراتيجياً في الخليج، ويمنح روسيا قدرة أكبر على المناورة في الشرق الأوسط، ويؤسس تدريجياً لتحالف دولي قادر على تقويض النفوذ الأميركي العالمي.

وفي هذا الإطار، حملت زيارة ترامب إلى بكين رسالة مباشرة إلى القيادة الصينية: عليكم الاختيار بين حماية مصالحكم الاقتصادية العالمية أو الاستمرار في دعم إيران كشريك استراتيجي. فالولايات المتحدة أرادت إبلاغ الصين بأنها مستعدة للذهاب إلى مواجهة واسعة مع طهران إذا لم تستجب الأخيرة للشروط الأميركية المتعلقة بالبرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، وأمن الملاحة في الخليج.

في الوقت نفسه، تدرك الولايات المتحدة أن مجرد التهديد بإغلاق مضيق هرمز أو اضطراب الملاحة في البحر الأحمر يُشكّل ضغطاً هائلاً على الاقتصاد الصيني، نظراً لاعتماد بكين الكبير على واردات الطاقة القادمة من الخليج. ومن هنا برزت داخل المؤسسات الأميركية نظرية “الاختناق الجيوسياسي”، أي استخدام الممرات البحرية والطاقة كأدوات ضغط استراتيجية ضد الخصوم الدوليين من دون الوصول إلى مواجهة عالمية شاملة.

أما ترامب، فيتعامل مع السياسة الدولية بعقلية مختلفة عن الإدارات الأميركية التقليدية. فهو لا ينظر إلى العلاقات الدولية من زاوية التحالفات الثابتة والمؤسسات الدولية، بل من زاوية “الصفقة الاستراتيجية” القائمة على موازين القوة والربح والخسارة. لذلك يمكنه الجمع بين التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي والتفاوض السياسي ضمن مسار واحد يهدف إلى إعادة تعويم الهيمنة الأميركية بشروط جديدة.

إقرأ على موقع 180  ميادين في حياتي من القاهرة إلى بيونس إيرس

وفي هذا السياق، لم تعد أدوات الردع تقتصر على القوة العسكرية، بل أصبحت تشمل العقوبات الاقتصادية، الحصار التكنولوجي، السيطرة على النظام المالي العالمي، الحروب السيبرانية، إضافة إلى الحرب النفسية والإعلامية. ولذلك فإن الصراع الحالي لم يعد صراع جيوش فقط، بل تحول إلى صراع على التحكم بالطاقة والمعلومات والاقتصاد وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا المتقدمة.

أما إسرائيل، فتنظر إلى أي تقارب صيني ـ إيراني أو روسي ـ إيراني باعتباره تهديداً مباشراً للتفوق الاستراتيجي الأميركي (الإسرائيلي) في المنطقة، وبالتالي تهديداً لأمنها القومي، وتعتبر أن أي تراجع أميركي سيفتح الباب أمام تحولات استراتيجية قد تُغيّر ميزان القوى الإقليمي بالكامل.

في المحصلة، لم تعد المواجهة الأميركية مع إيران مرتبطة فقط بالملف النووي أو النفوذ الإقليمي، بل أصبحت جزءاً من معركة دولية كبرى على مستقبل النظام العالمي. فالحرب المستمرة على إيران، لن تكون مجرد حرب شرق أوسطية تقليدية، بل مواجهة تتداخل فيها حسابات الطاقة والممرات البحرية والتكنولوجيا والصراع على قيادة العالم في القرن الحادي والعشرين.

وفي قلب هذه المعادلة يبقى الشرق الأوسط ساحة الصدام الأساسية، فيما يقف لبنان في موقع بالغ الهشاشة، باعتباره أكثر الدول تأثراً بالمواجهة الأميركية ـ الإيرانية وبأي تحول كبير في موازين القوى الدولية والإقليمية.

Print Friendly, PDF & Email
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  ترامب يندفع نحو روسيا.. الأولوية للمواجهة الاستراتيجية مع الصين