فإجراءات بناء الثقة، الممتدة من المجال العسكري إلى الاقتصادي والأمني والسياسي، يُفترض أن تدفع خلال الشهرين المقبلين نحو التوصل إلى اتفاق بشأن الملفات العالقة أو المؤجلة، وفي مقدّمها الملف النووي، بما يسمح باستكمال الاتفاق وتثبيته.
تريد واشنطن تفكيك البرنامج النووي الإيراني كلياً. وللتذكير، كان هذا الهدف أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت إدارة ترامب الأولى إلى الانسحاب من الاتفاق النووي المعروف باتفاق “5+1″، الذي تم التوصل إليه عام 2015.
كما تسعى الولايات المتحدة إلى التخلّص من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يبلغ نحو 60 في المائة. وهو مستوى يتيح لإيران الاقتراب سريعاً من “العتبة النووية”، أو امتلاك القدرة التقنية على إنتاج رؤوس نووية، وبالتالي دخول “النادي النووي”.
في المقابل، ترفض طهران نقل هذا المخزون الذي يُقدّر بنحو 440 كيلوغراماً إلى الخارج. وبرغم وجود مقترحات تتحدث عن إمكان القيام بذلك إذا تم الاتفاق على الدولة التي سيُنقل إليها، فإن هذه المسألة لا تزال متعثرة.
كذلك تتمسك إيران بحقها في مواصلة تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية، ضمن السقوف المقبولة دولياً، أي عند مستويات تقل عن 4 في المائة.
لذلك يبقى الملف النووي، برغم الإنجاز الذي حققه الاتفاق، بمثابة “قنبلة مؤقتة” داخل مسار التفاوض. غير أن ذلك لا يعني استحالة الوصول إلى تسوية. فثمة من يتحدث عن صيغة تقوم على تعليق التخصيب لفترة تتراوح بين 15 و20 عاماً، برغم صعوبة قبول طهران بهذا الطرح.
على المستوى الإقليمي، يُفترض أن يساهم الاتفاق في خفض حدة الصراعات بالوكالة الدائرة في المنطقة، بأشكال ودرجات متفاوتة. ويأتي لبنان في مقدمة الساحات المعنية بهذا التحول.
فإسرائيل وجدت الفرصة سانحة لإطلاق حربها الشاملة على لبنان، رداً على استراتيجية “وحدة الساحات” التي أطلقها حزب الله. ومع اقتراب التوصل إلى الاتفاق الأميركي ـ الإيراني، رفعت من مستوى التصعيد، نارياً وجغرافياً، في محاولة لإبقاء الساحة اللبنانية خارج أي تفاهم محتمل.
وتسعى إسرائيل إلى إبقاء “مسرح المواجهة” في لبنان خاضعاً لشروطها ومطالبها الخاصة. إلا أن هذا التوجه يواجه رفضاً من الأطراف المعنية، وإن لأسباب مختلفة.
من جهتها، تريد واشنطن وقفاً لإطلاق النار بوصفه جزءاً من الاتفاق. لكنها لا تملك حتى الآن تصوراً واضحاً لكيفية تحويل هذا الوقف إلى ترتيبات دائمة ومستقرة.
أما لبنان، فيعتبر أن وقف إطلاق النار هو المدخل الإلزامي لأي تفاوض. وهو المطلب الذي ما زالت إسرائيل ترفضه بصورة قاطعة. وهذا ما يزيد من تعقيد المفاوضات، برغم الحديث عن صيغ انتقالية أو “مناطق تجريبية” تحول دون انهيار المسار التفاوضي.
يبقى السؤال الأساسي: هل ستوقف إسرائيل حربها بالكامل؟ أم أنها ستسعى إلى حصرها في جنوب لبنان، مع الاحتفاظ بحق توسيعها أو تقليصها وفقاً لحساباتها الأمنية والسياسية؟
هذا السؤال يكتسب أهمية إضافية في ضوء الاتفاق الأميركي ـ الإيراني. فمن المفترض أن يساهم الاتفاق في تعزيز التهدئة على الأرض. لكنه لن ينتج بالضرورة واقعاً مستقراً أو دائماً.
فالظروف الحالية تختلف جذرياً عن المراحل السابقة التي كرّست معادلة الاحتلال والمقاومة. كما أن التحولات الإقليمية والدولية تجعل أي تسوية أكثر تعقيداً من مجرد وقف للأعمال العسكرية.
المسار الذي يتمسك به لبنان يقوم على وقف شامل لإطلاق النار، يليه انسحاب إسرائيلي كامل إلى خط الهدنة، وعودة الأسرى، وتثبيت الحدود اللبنانية، وتمكين الجيش اللبناني من بسط سلطته الكاملة جنوباً حتى الحدود الدولية، بحيث تصبح الدولة اللبنانية وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم.
غير أن الوصول إلى هذا المسار ليس سهلاً. فالتشابك بين العوامل الداخلية والخارجية، والإقليمية والدولية، يجعل الطريق مليئاً بالعقبات.
ومع ذلك، يبقى هذا الخيار المسار الوحيد القادر على إخراج لبنان من دوامة “لعبة الأمم” و”حروب الآخرين”، وفتح الباب أمام استقرار طويل الأمد.
وفي نهاية المطاف، ما تزال مبادرة السلام العربية للعام 2002 تمثل الإطار الأكثر واقعية لأي تسوية شاملة، حتى لو تراجع حضورها في السنوات الأخيرة. فمهما همّشتها التطورات الإقليمية أو أضعفتها، تبقى الصيغة الوحيدة القادرة على توفير سلام عادل ودائم، وإرساء الاستقرار المطلوب في الإقليم.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
